«الحسد أول خطيئة ظهرت في السموات، وأول معصية حدثت في الأرض».

عمرو بن بحر الجاحظ.

Bartolomeo Manfredi Cain kills Abel

قابلتُ أحد أبناء بلدتي صُدفةً وقد عاد لتوه من بلدٍ عربيٍ، سألته كيف حالك؟ قال لي: لقد ضاع هاتفي الذكي الجديد منذ يومين وأنت تعرف ثمن هذه الهواتف. والتوى كاحلي بينما ألعبُ الكرة وأذهب الآن لجلسات العلاج الطبيعي. حتى وَلَدي الصغير كُسرت ساقه ويجلس الآن في البيت بجبيرة. لا أعلم ما الذي حلّ بي منذ وطئت البلدة، يظن الناس أنّي رجعت من الخليج بزكائب النقود وعيونهم لا ترحم.

هل للحسد تلك القوة الخارقة؟ هل مجرد تمنيك أن يزول ما عند أحدهم يزيله حقًا؟

تحكي لي جدتي عن جارتها الكارهة التي زارتها ذات مرة في البيت وقالت لها عن ولدها: «يا له من صبيٍ وسيم» فمات بحادثة في اليوم التالي على الطريق.

تحكي لي وهي مُتيقنة أن تلك الجارة هي السبب في موت الصبي، وليس لعبه الدائم على الطريق السريع، وليست سرعة السيّارة السائرة على الطريق. وليست المصادفة. بالطبع هي تلك السيدة التي حسدته.

هناك مبدأ مشهور وهو «الارتباط لا يعني السببية»،
لكننا نحن البشر نُخطئ دومًا في ذلك، فلاعب الطاولة الذي قبّل الزهر مرة قبل رميه وكان حظه جيدًا، يُقبله كل مرة وهو يظن أن القبلة تأتي بالحظ الجيد. لدينا ثقافة شعبية بأن الحسد قادر على التسبب في المصائب، تحدث المصيبة فنبحث عن آخر من جاملنا وأبدى إعجابه ونجعله هو المتسبب المباشر في ذلك.

من أعجب ما قرأتُ فيما يمكن للحسد أن يفعله ما يلي:

هذه الإجابة من إسلام ويب على شخصٍ يسأل كيف يعرف أنه محسود: «فإن أعراض العين في الغالب تكون: كمرض من الأمراض العضوية، إلا أنها لا تستجيب إلى علاج الأطباء، كأمراض المفاصل، والخمول، والأرق، والحبوب والتقرحات التي تظهر على الجلد، والنفور من الأهل والبيت والمجتمع والدراسة، وبعض الأمراض العصبية والنفسية، ومن الملاحظ أن الشحوب في الوجه بسبب انحباس الدم عن عروق الوجه، والشعور بالضيق، والتأوه، والتنهد، والنسيان، والثقل في مؤخرة الرأس، والثقل على الأكتاف، والوخز في الأطراف يغلب على مرضى العين، وكذلك الحرارة في البدن، والبرودة في الأطراف».

لا أدري من أين أتى المُجيب بكل هذه الأعراض، فأغلب هذه الأعراض أعراض لأمراض عضوية ونفسية وعصبية مثل الأنيميا والتهاب الأعصاب الطرفية والاكتئاب والقلق والصداع النصفي والعصبي، وليس هناك مصدر أو دليل ديني أو غير ديني واحد يثبت أن هذه الأعراض من أعراض الحسد، فمن أين أتوا بتلك القائمة من الأعراض؟ لا أحد يدري ولن تدري. هي الفتوى فيما هو غامض، وحيث يكمن الغموض الديني، يزدهر استغلال جهل الناس. الناس يؤمنون أن هناك شيئًا يُسمى بالحسد. قد ذُكر في القرآن وقد استعاذ منه النبي، فلنستغل إيمانهم إذن.

وهناك أُناسٌ يعتاشون على مثل هذه الخُرافات، فستجد من اخترع رُقية شرعية مخصوصة للحسد، ومن اكتشف أعشابًا تشفي منه، وستجد شيخًا يدّعي أنه يعرف ما إذا كنت محسودًا أم لا بفحص إصبع قدمك الأكبر.

على أي أساس؟ وبأي دليل؟ دليل واحد وهو أن الحسد مذكورٌ في القرآن وأساسٌ واحد هو النصب.

يُشكل الخوف من الحسد في المجتمع المصري جزءًا كبيرًا من ثقافته، ويُعَد محركًا أساسيًا لكثيرٍ من أفراده، فستجد هذا الشخص يُخبئ نجاحاته خوفًا من الحسد، وستجد من يُعدد لك مصائبه كي تتعاطف معه ولا تحسده.

لكن ما هي حقيقة من يظن نفسه محسودًا؟

Theodore Gericault Madwoman with a Mania of Envy

الخوف من الحسد وإرجاع كل مصائبك له يُعبر عن شيئين:

الشيء الأول: أنك تظن أنّك المحور الأساسي لحيوات الناس وليس لهم سواك يتحدثون عنه وظنك أن ما تملكه يستحق الحسد، لكن الحقيقة هي ما قاله أحمد خالد توفيق:

«أنت لست مهمًا كما تعتقد. لست مهمًا على الإطلاق وليس هناك شخص مُتفرغ لمراقبة خلجاتك وأخطائك».

الحقيقة الأخرى: هي أنك مُبالغٌ لأهمية ما تملكه فهناك من هو أغنى منك وأصحُ منك وأمهر منك.

الشيء الآخر: أنك لا تود تحمل مسؤولية أفعالك، فلمَ لم تجتز هذا الاختبار؟ لأنك محسود بالطبع. لمَ فشل زواجك؟ لأن الناس حسدتك بالتأكيد، وليس لأنك لم تُذاكر أو تعمل على إنجاح زواجك وهو تفسيرٌ مُغرٍ فهو يرفع عنك المسؤولية لكنه يمنع نموك ويمنعك من عدم تكرار أخطائك.

هل الحاسدون هم بعض المرضى سود القلوب؟

عُلّمنا منذ الصغر أنك إذا حسدت أحدًا فأنت شيطانٌ صغير يستحق الرجم، لكن الحسد هو أحد العواطف الإنسانية التي نرتكبها جميعًا نحن البشر، إذا وجدنا أنفسنا نحسد فنلومُ أنفسنا ونتهمها بالسوء ثم نحاول نسيان فعلتنا كي تستقيم صورتنا الطيبة العطوفة عن أنفسنا.

ما لم يعلمنا إياه أحد هو كيف نستفيد من الحسد؟

إذا سألتك ما الذي تريده من هذه الحياة؟ باستبعاد الكليشيهات المحفوظة فأنت غالبًا لا تعرف احتياجاتك الحقيقية ورغباتك غير المُحققة، لذا فالحسد من أقصر الطُرُق لمعرفة ما تريد. أنتِ تحسدين هذه الممثلة المشهورة؟ لشهرتها؟ إذن فأنتِ تريدين تحقيق بعض الشهرة. لا تنافق نفسك وكن صريحًا معها ترتح وتُرِح من حولك. أنت تحسد هذا الرجل ذا الشركات المُتعددة على ماله؟ فأنت تحتاج للمزيد من المال. صارح نفسك بهذا. تحسدُ هذا الكاتب على براعته؟ إذن فأنت تريد أن تكون كاتبًا.

فالحسد كالبوصلة يُخبرك بما تريد فلا تخجل منه. استخدمه لتعرف ما تريد، وتعلم ممن تحسد وسيتبدل حسدك إعجابًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد