«مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا، الله أكبر، الله أكبر».

كلمات انتهت بالرجل في سجون النظام العلماني، لتكون نقطة التحول في تفكير الرجل، وليعلم أن الأمور لا تسير هكذا؛ وأعدت أردوغان ليكون في صفوف من أتقنوا اللعبة العالمية، التي تضع لك بعض الخطوط لتجاوزها، والبعض الآخر بمثابة إعلان مبكر لوصول رقبة من تعداها إلى المشنقة، ولا يهم ما يكون منصبه رئيس وزراء، أو حاكم دولة، أو أيًا كان، فهذا العالم محكوم بضوابط وقواعد للعب، ودعني أسرد لك بعض ما يثبت كلامي وبعض هذه الخطوط الممنوع اللعب فيها.

لعلي أذكر أولهم وأقربهم إلينا، الرئيس العراقي صدام حسين، والذي رفض الرضوخ وتجاوز الحدود مع طفل هذا العالم المدلل، إسرائيل. الطفل المدلل لدرجة أن له آباء وأمهات كُثر، فما إن يدق ناقوس الخطر حتى يتجمع كُل من هب ودب على هذه الأرض للدفاع عن طفلهم إلا من هدى الله، ولعل ثانيهم هو الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، وهو الرجل الذي قطع النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية في حرب أكتوبر، أي إنه تعدى على الدولة الأقوى على وجه الأرض، وأمريكا وإسرائيل وجهان لعملة واحدة.

نعود إلى تركيا، فما الخط الأحمر الممنوع تجاوزه في تركيا؟

هو خط «علمانية الدولة»، وظهر هذا الخط جليًّا في من سبقوا أردوغان وما حصل معهم من أحداث، فهذا رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس، الملقب بشهيد الأذان، لأنه تحدى إجراءات الدولة العلمانية والدستور العلماني التركي وأعاد الأذان باللغة العربية، وأدخل الدروس الدينية إلى مقاعد الدراسة، فانتهى به المطاف إلى حبل المشنقة بتهمة «محاولة تأسيس دولة دينية».

ولم يكن عدنان مندريس أول ولا آخر ضحايا النظام المتشدد التركي، فقد حاول المهندس التركي نجم الدين أربكان، ذو التوجه الإسلامي، مقارعة النظام العلماني الممتلك لجميع وسائل القوة والسيطرة في البلاد، من جيش، وصحافة، وقضاء، وإعلام، وشرطة، ولم يستطع كسرهم بسبب الضغوط الهائلة التي تعرض لها، وانتهى به المطاف في السجون التركية.

نظرًا إلى ما ذكرناه وما حدث مع الطيب أردوغان بسبب القصيدة الإسلامية وغيرها من الحوادث، نهج أردوغان نهجًا جديدًا لربما جعله في يوم من الأيام وجعل تركيا نفسها قادرة على الوقوف في وجه هذا النظام العالمي، ولهذا اتبع أردوغان هذه الخطوات:

1. بناء قاعدة شعبية

لم يصعد أردوغان لانتخابات الرئاسة بين ليلة وضحاها، ولا ضمن وقت قصير، فقد هيأ لنفسه قاعدة يستند إليها في حزب الرفاه قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية، والذي أجاب بوضوح أردوغان بنفسه عندما اتصلت به إدارة تحرير صحيفة «جريت» عام 1993 لسؤاله حول ترشحه لمنصب رئاسة بلدية إسطنبول قائلًا: تتم تسمية المرشح عندما ترغب فيه قاعدة الحزب.(1)

لا ترشح لأردوغان دون قاعدة حزبية داعمة له ومساندة لقراراته، ومن يستند إلى قاعدة قوية وأساس صلب، صعب الوقوع، وهذه القاعدة يجب أن تنتج جيلًا من الواعين القادرين على إدارة المواقف والأزمات وخوض أي انتخابات قادمة بكل قوة وعزيمة، فقد كان يرى أردوغان أن أفضل الدعايات هي الخدمات التي يجب أن يقدمها رؤساء البلديات.(2)

فالمواطن البسيط يهمه أن يرى التعديل والتحسين في أداء الخدمات الطبية منها، والسلع العادية، وانخفاض الأسعار وسهولة العيش؛ ليثق بمن سيخوض الانتخابات.

كان نتاج بناء هذه القاعدة الشعبية ظاهرًا جليًّا في محاولة الانقلاب العسكري، وما فعله الشعب من الالتفاف والوقوف حول الرئيس التركي.

2. استغلال الوقت

لم يصل أردوغان لما وصل إليه إلا باستغلال حتى الثواني في وقته، وكان يتقدم للمبادرة فورًا إن كان فيها فائدة دون تأجيل أو تأخير، وقد وضح ذلك صاحب كتاب «رجب طيب أردوغان: قصة زعيم»، حينما قال: «لم يكن أردوغان شخصًا يترك أعماله وأحواله بانتظار قرارات مهمة بشأنها».(3) وفي موقفهم السريع، عندما جاءت الأخبار بترشيح اسم طيب أردوغان لرئاسة بلدية إسطنبول، فقد أشار مصطفى آطاش قائلًا: «إننا نبدأ من الآن وفعليًّا حملة الدعاية الانتخابية، ومن موقعهم في محطة الوقود وفور قدوم الخبر بدأوا بتعريف الناس بمن هو السيد رجب طيب أردوغان».

3. العمل الجاد

يطرح الكثير نظرياتهم حول أردوغان، بين متهم له بالعلمنة وبين من يعده محسوبًا على الإسلاميين، وتارة اتهامه بالإخونجي، وتارة أخرى بالفسوق؛ لأنه لم يغلق دور الدعارة في تركيا إلى الآن، بينما كان أردوغان مشغولًا في ما هو أهم من ذلك، ألا وهو «العمل»؛ العمل الذي يكسب الإنسان القوة والمصداقية، والذي جعل تركيا في عهده، منذ رئاسة إسطنبول إلى رئاسة الجمهورية، تنتقل إلى مراحل متقدمة في الرقي ورفع قيمة العملة التركية، وسد قروض صندوق النقد الدولي، والانتقال من الاستيراد إلى التصدير والتصنيع المحلي، يقول أردوغان: «هل سنعمل أم سنستمع إلى هذه الشائعات؟ فمن أهدر وقته في الاستماع للشائعات، فسيظل في مكانه، أما نحن، فسنهتم بعملنا».

4. الاستعداد للدفاع

وعند وصول أردوغان لرأس الحكم في تركيا هو وحزبه، حزب العدالة والتنمية، كان الحزب عالمًا بأن أردوغان والحزب سيتحول من الصراع الداخلي إلى الصراع الخارجي، وما تفرضه المنطقة على السياسية التركية تجاه إرثها التاريخي، الممثل في الدولة العثمانية، ويظهر هذا الفهم جليًّا في ما نوه إليه أحمد داود أوغلو قائلًا: «مع تفكك يوغسلافيا ظهر أن الطائرات الموجودة لدى تركيا لا تستطيع البقاء في أجواء البوسنة سوى دقائق معدودة، لذلك اتجهت تركيا إلى شراء طائرات تمتاز بإمكانية التزود بالوقود في الجو».(5)

ويمكننا الاستنباط من هذه العبارة ما مفاده أن أردوغان وحزبه على معرفة تامة بأنهم بحاجة للقوى العسكرية والاقتصادية، قبل أن تفكر تركيا في خوض أي صراع خارجي حقيقي دون تراجع أو خسارة محتمة، كما نوهنا سابقًا إلى من سعى لمقارعة من هم أقوى منهم وانتهى بهم المطاف إلى الإعدام أو القتل، دون أن يستعدوا أولًا للدفاع عن أنفسهم.

المصادر:

1- رجب طيب أردوغان.. قصة زعيم، حسين بسلي وعمر أوزباي، صفحة 123.

2- المصدر السابق، صفحة 130.

3- المصدر السابق، صفحة 142.

5- العمق الاستراتيجي، موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، أحمد داود أوغلو، صفحة 63.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد