(الذي حول الوحوش الضارية إلى مخلوقات مسلية في السيرك، وجعل الفيلة تقف على رؤوسها، والأسود تقفز كالبهلوانات، قد اكتشف أنه يستطيع أن يجري التحويل نفسه على الإنسان، حوله إلى مخلوف مسلوب الإرادة).

(تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا)

يسرد لنا عدوان عن أي بشر، أو أي كائن من الممكن أن نكون من خلال سرده لقصة حقيقية حدثت مرات كتيرة وربما معظمنا يعرفها من خلال فيلم أو قصة أو خبر عن مجموعة من البشر ضاعوا من مكان خال.

لم يجدوا ما ياكلوا فأكلوا الموتى منهم، حتى وإن كان من بين الموتى الذين تم أكلهم أهلهم أو أولادهم أو زوجاتهم. من البداية اعتمد عدوان في كتابة على الصدمة بالحقيقة يخبرنا بقصة بشعة ولكننا نعلم جيدا أنه حقيقية تماما.

يبحث عدوان في كتابه عن سبب الوحشية والعنف من خلال الأدب وعن فقدان الإنسان للمعنى والهدف وتحوله لمجرد وعاء أو إله لأفكار المجتمع، ويبحث عن أي نوع من البشر يمكن أن يظهر من البيئة المحاطة بالقمع والاستبداد. ويتحدث عن كيف يؤثر القمع على الضحية وعلى الجلاد نفسه وكيف من الأساس أن يصبح إنسان جلادًا لغيره.

كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى حيوان وحشي في تصرفاته، ولكن هل الإنسان فعلا يتحول أم أنه أسوء من ذلك؟ يقول إننا نستخدم ألفاظًا مثل وحش ومتوحش في التدريبات العسكرية والرياضية والأعمال الشاقة ونقوم بإطلاق الصرخات من الحماس حتى نكون فعلا كالوحوش ومن أجل استفزاز الوحش القابع بالداخل.

ولكن حتى هذا التوصيف خطأ فليس الحيوان من يقتل أبناء ويعذبهم دون سبب بيولوجي أو اقتصادي. يرى عدوان أن لا وجود لفكرة الإنسان النقى البريء وأنه فطرة الإنسان مظلمة ويستند على ذلك من خلال رواية أمير الذباب والتي ملخص أفكارها، أن في الإنسان يوجد وحش يختبأ بداخله بغض النّظر عن المجتمعات التي يولد فيها.

وأن الإنسان يسعى بالقوانين والأخلاقيات والفلسفات والأديان والفنون لأن يخلق بيئات طبيعية واجتماعية وسياسية وأخلاقية لا تلائم هذا الوحش وتعمل على انقراضه. فبدون تلك القيم والمبادئ سوف يظهر الإنسان على طبيعته الوحشية. قتل، دمار، اغتصاب، قمع، كراهية، تعذيب، إذلال هذا هو الإنسان في أحلك أفكار ممدوح عدوان السوداوية.

وأن الإنسان عندما يجد نفسه في موضوع سلطة مطلقة يبدأ بالتلذذ بأنه شخص مثير للخوف وأن أوامره مطاعة وأن الآخرين رهن إشاراته وبهذا المنطق يبح لنفسه عمل أي شيء.

يرى عدوان أن هناك تشابه في كل صفات البشر فليس الجميع شرير وليس الجميع طيب، إذن لماذا يقوم إنسان بتعذيب إنسان آخر وسلب الحياة منه دون ندم!

عندما ينظر الإنسان إلى جثة يشعر بالفزع والانفعال ويقوم بدفنها إذا لماذا يجرد الإنسان نفسه من تلك العواطف والشعور بالذنب والشفقة عند تعذيب إنسان آخر؟

يأتى ذلك من شعوره أنه يؤدي خدمة كبيرة للسلطة التي يحترمها أو يخضع لها ويقوم بتجريد الإنسان الذي أمامه من أي شيء له علاقة بالإنسانية. إن الإنسان الذي يعذبه أو يقتله ليس إنسانًا بل هو شر مطلق وأنه لا يعذب بشرًا بل يخلص البشرية من ذلك الشر.

يعرض الكاتب نظرية الدكتور ملغرم في كيفية حدوث المجزرة أن أهم شيء هو توزيع الاختصاصات حتى لا يشعر أحد أنه قام بمجزرة بشرية، بل قام بمهمة عسكرية لأن أى إنسان لا يستطيع تحمل مسؤولية القتل دون تبرير.

ويتحدث عن إنعدام الأمان الشخصي والغذائي تلك هي صفات المجتمع المقموع والذي يصيب أبناء ذلك المجتمع بالذعر ويدفعهم إلى الارتداد نحو انتماءاتهم الأولى، لكي يشعرون بالأمان أو الحماية وهذا الارتداد يمثل ردة حضارية كبيرة لأنه يمزق أي أمل للمجتمع للتعايش على مبادئ المواطنة واحترام الغير ويستبدال ذلك بالانتماءات العائلية والطائفية والجغرافية والدينية.

ويبحث الكتاب أيضًا في أصل العنف الذي يصنع التوحش بأنواعه لدى الإنسان، ويرى «جون غالتنغ» أن العنف مرتبط بالتغيرات الحضارية التي مرت بها البشرية منذ عصرها البدائي وحتى عصورها التقليدية ثم الحديثة وما بعد الحديثة.

وقد كان مخلص أفكار الكتاب عن العنف أن الإنسان يمارس عليه العنف والقمع من طفولته وحتى يتحول إلى شخص آخر انعكاسًا لذلك العنف، ربما يصبح مريضًا نفسيًا أو خاضعًا عديم الشخصية والهدف أو ربما يتحول إلى ديكتاتور أو شخص مجرد يؤذي كل من يعرفه.

يعتمد كتاب حيونة الإنسان على الاقتباس من النص الأدبي، وذلك من خلال الشعر والمسرح والرواية والسينما بجانب بعض من كتب علم النفس الاجتماعي وبعض من الدراسات.

ويقتبس من كتاب وروائيين وعلماء من ثقافات وعصور مختلفة أمثال زامياتين وعباس صالح والبير كامو وسارتر وأيريك فورم ويوسف أدريس وبيرنهارت هروود وغيرهم. وبعض من الشهادات الحقيقية وبعض من المواقف والأفكار الشخصية لممدواح عدوان. مع الاقتباس من التاريخ ومحاولة تحليله لتوضيح المعنى الذي يقصده.

ونقطة حيوية جدا أن الكاتب أهتم بالتخصص لهذا طرح أطروحته في شكل أدبي بدل من بحث سيكولوجي وأنتروبولوجي أو حتى نظريات علمية.

لهذا هو كتاب مختلف جدًا في تلك النقطة لأنه لا يعطينا أدلة حقيقية كثيرة ولكن يعطينا ما هو أهم التخيل والتفكير وتجارب ومخيلات الأدباء والكتاب.

تشبيهات عدوان كان جيدة وفي موضعها في معظم الحالات فقد كان يأتي بتشبيهات كبيرة للعنف كالحروب والمجازر وتشبيهات يومية للعنف والوحشية مثل علاقة الرجل بزوجته في تلك المجتمعات أو علاقة الرئيس في العمل بمن هم أقل منه.

تلك النوعية من الكتب تعتمد على شيء أساسي هو الاستفزاز يقوم بتعريه كل شيء فيجد القارئ المحافظ نفسه يعارض بعض الأفكار ليس لأنها صواب أو خطأ، بل لأنها تنال منه ومن معتقداته فهذه النوعية عميقة المدلول والمعنى، شديدة المرارة والقوة.

بالنسبة لي الكتاب اعتبر منقسمًا إلى جزئين النص الأول كان جيدًا ويحتوى على أفكار مهمة،

يعري الحقيقة أمامنا ويكشف زيف أفكارنا وبشكل أو بآخر ربما نكون حصلية تلك المجتمعات التي تعمل على تحوين الإنسان، ويظهر توحش الإنسان وانسلاخه عن الإنسانية.

النص التاني كان محتوى فارغًا إلا من فصل أو فصليين رئيسيين يعادان طوال صفحات الكتاب. يبدو أن الكتاب تم كتابته على فترات متفاوتة فلم ينتبه الكاتب إلى أن عقله يعيد نسخ ولصق ما كتبه سابقًا دون وعي.

عدم ترتيب الأحداث كأنها خواطر تأتي كل فترة أو مع كل كتاب يقرؤه.

وبشكل أو آخر يبدو أنه متأثر جدًا بالوضع في سوريا في ذلك الوقت ويحاول الإسقاط الدائم على ذلك والذي أخد من قيمة الكتاب كدراسة مستقلة عن العنف والاستبداد.

لهذا تأثر بالإسهاب في الجزء الثاني من الكتاب، وتحول قليلا من كتاب اجتماعي يدرس حالة إلى كتاب سياسي يبحث عن الإسقاطات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد