جسر مع الفلسفة.. رينيه ديكارت

لا يثق الكثير من الناس في الفلسفة والفلاسفة، ولا يحملون أي مودة لهما لأسباب دينية بحتة، فهم يظنون أن الفلسفة هي أم الإلحاد وأبوه، وأنها لا تقيم وزنًا للأخلاق والقيم، وهذا بسبب قلة الاطلاع على ما كتبه الفلاسفة قديمهم وحديثهم. ولذلك، وقبل البدء في موضوع المقال، سنمد حبلًا من الود بين كارهي الفلسفة على أسس دينية مع الفلسفة في مقدمة هذا المقال. فقد أثبت الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596- 1650) والملقب بـ «أبي الفلسفة الحديثة»، «الشكاك» في كل شيء حتى تثبت صحته، والمعروف بجملته الشهيرة: «أنا أفكر، إذًا أنا موجود»؛ فقد أثبت وجود الله بطريقته عندما قال: «بما أنني أفكر، فأنا موجود تثبت وجودي ولكني غير كامل وإنسان فيه عيوب وقابل للموت، ولو كنت أنا الخالق، لخلقت نفسي كاملًا وهذا يدل أنني لم أخلق نفسي، وبما أنني لم أخلق نفسي، فمن فعل ذلك؟ وبما أنه لدي مفهوم عن الكمال وبالتأكيد فإن مفهوم الكمال هذا يأتي من مصدر آخر، فإن الاحتمال الوحيد هو الله». إذن ليس كل الفلاسفة ملحدين أو لا دينيين!

أبيقور

ونعود لموضوع المقال عن كيفية وجود الشر والمعاناة مع وجود الله الكامل الإحسان والكامل القوة، فباعتباره كامل الإحسان فهو يكره الشر، وباعتباره كامل القوة فبإمكانه إزالة الشر، ومع ذلك فالشر موجود! هذه المسألة بدأت باكرًا إذ تحدث عنها الفيلسوف الإغريقي أبيقور Epicurus حوالي عام 400 قبل الميلاد، عندما أثار كغيره من المعاصرين أربعة احتمالات لتفسير وجود الشر مع وجود الله، وهي على هذا النحو وأهمها الاحتمال الرابع:

1. إن كان الله يرغب في إزالة الشر، ولا يستطيع فهو ضعيف!

2. إن كان الله قادرًا على إزالة الشر، ولكنه لا يرغب في ذلك فهو شرير.

3. إن كان الله لا يرغب في إزالة الشر وغير قادر على ذلك، فهو شرير وضعيف وعندها لا وجود له!

4. إذا كان الله يرغب في إزالة الشر وهو قادر على ذلك، فلماذا يوجد الشر؟ ولماذا لا يزيل الله هذا الشر؟

توماس الأكويني.. ودافيد هيوم.. وإيمانويل كانط

وكان أول من تصدى لحل مسألة وجود الشر مع وجود الله على أساس احتمالات أبيقور السابقة هو القس الإيطالي وعالم اللاهوت والفيلسوف توماس الأكويني (Thomas Aquinas (1225-1274، الذي أكد أن عدم وجود الشر لا يعني أن يكون العالم أفضل! كما أن الإنسان لن يجد معنىً للفضائل العظيمة كالعدل، والتضحية بالنفس، والإيثار! وأضاف الأكويني أن محدودية تفكير الناس لا تسعفهم في معرفة معنى ما يريده الله بهذه الشرور! ولا تعرف ما ينتظرهم من مكافآت في الحياة الآخرة نظير معاناتهم من الشرور الأخلاقية، كالكذب، والقتل، والسرقة، والشرور الطبيعية، كالزلازل، والفيضانات، والقحط، وغيرها. وهذا يدل بوضوح على أن المعايير الإنسانية لا يمكن أن تحاكم أفعال الله!

أما الفيلسوف الأسكتلندي دافيد هيوم (David Hume (1711-1776، فقد أعلن بأن الإيمان المسبق أو الفطري هو ركن أساسي في طرد فكرة الإلحاد من عقول وقلوب البشر، فقد أكد أن الذين ليس بداخلهم إيمان مسبق، فإن الشرور الموجودة في العالم سوف تدفعهم إلى الإلحاد. ولكن حماقة، وقباحة بعض الشرور قد تجبر الإنسان على تفسيرها بأنها لا يمكن أن تكون إلا إرادة الله. فمثلًا عند حدوث الزلازل، والعواصف، والدمار، الهائل، أو عند موت طفل صغير، فلا يجد الإنسان في معظم الأحيان إلا أن يحيلها إلى إرادة الله، وجهل البشر!

أما الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (Immanuel Kant (1724 -1804، فقد كان رأيه قريبًا من رأي هيوم؛ إذ آمن أننا نحتاج للإيمان لإثبات وجود الله، وهو الذي عُرف بجملته «الإيمانية» الشهيرة: «شيئان يصيبانني بالرهبة، السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي بداخلي».

الثيوديسيا

على أن التصدي الحقيقي لمعضلة الشر؛ أي وجود الشر مع وجود الله الكامل الصفات جاء من قبل فرع اللاهوت والفلسفة الخاص المسمى «Theodicy»، وهذا الفرع يشرح لماذا يسمح الله الكامل القوة والكامل الرحمة بحدوث الشر، وبمعنى آخر فإنه يشرح معضلة الشر في العالم بالرغم من وجود إله رحيم، وقادر على إزالة الشر. ومن الأمثلة العامة على هذا الشرح هو تمتع الإنسان بالإرادة الحرة، أي أن الله منح الإنسان الحرية لفعل الخير والشر، وإلا كيف نعلم بوجود الخير –العدل مثلًا– دون وجود شر يميزه عنه -الظلم-. وهذا قريب من تفسير توماس الأكويني! ومثال آخر عن دفاع الـ Theodicy هو أن الشر والمعاناة امتحان من الله ليرى فيما إذا كان البشر يستحقون نعمه وفضائله في الدنيا والآخرة.

غوتفريد لايبنز

على أن أفضل الشروح وأكثرها منطقية جاءت من الفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنز (Gottfried Leibniz (1646 -1716، في كتابه الخاص المعنون Theodicy الذي أصدره عام 1710، والذي يعني –كما أسلفت– علم تبرير العدالة الإلهية. وجاء شرح لايبنز بطريقتين، إذ اعتبر في الأولى أن العالم الذي نعيش فيه هو أفضل عالم ممكن؛ لأنه من صنع خالق كامل الصفات. فالله خلق عالمًا واقعيًّا على أسس من القوانين الفيزيائية والميكانيكية كقوة الجاذبية والفعل وردة الفعل وغيرهما من القوانين، ولم يخلق عالمًا خياليًّا. وهذه القوانين نافذة على العالم الذي خلقه الله، وليس لها أي تأثير على الخالق: الله.

فلو أن هذه القوانين توقفت عن العمل، فإن العالم الذي نعيش فيه يصبح خياليًّا! فمثلًا لو أن أحد الأشخاص ألقى بصخرة من على جسر وتسبب في حادث مأساوي، فإن هذا العمل شر بلا شك. ولكن ألم يستطع الله الكامل الصفات وتحديدًا الكامل الإحسان والخير والكامل القدرة تعليق قانون الجاذبية، وإيقاف الصخرة ومنع حدوث المأساة؟ بلى، ولكن تعليق قانون الجاذبية سيعني خلق عالم آخر لا تعمل الجاذبية فيه دائمًا، أي عالم مختلف، لأن الله خلق هذا العالم الواقعي كشبكة من الأجزاء المترابطة والمتداخلة مع بعضها البعض. فلو عطّل جزءًا أو أجزاء من هذه الشبكة المتكاملة والمتداخلة لإزالة الشر والمعاناة، لوجب خلق عالم خيالي غير هذا العالم الذي نعيش فيه! لهذا يرى لايبنز أن عالمنا هو أحسن عالم ممكن لأن خالقه هو الله الكامل الصفات!

أما طريقة لايبنز الثانية في تفسيره لوجود الشرور مع وجود الله الكامل الصفات، أي في تبريره للعدالة الإلهية، فقد أكد أنه توقع أن يعترض ويتساءل الكثيرون: كيف يكون عالمنا الحالي هو الأفضل مع وجود الكثير من الشرور التي لا معنى لها؟ وأجاب بأن الناس يظنون أن العالم خُلق من أجل سعادتهم، وهذا غير صحيح. فآراء الناس وقدرات تفكيرهم محدودة، لذلك لن يتمكنوا من معرفة القيمة والهدف النهائي لأي حدث، لأن كل تفكيرهم محصور في مصلحتهم، وفي الحفاظ على أنفسهم فقط. ويعتقد البشر أن العالم يكون الأفضل إذا كانت كل الأجزاء فيه بلا استثناء تعمل كما يشتهون، أي بلا معاناة وشرور! ويختم لايبنز شرحه بتبيان أننا فسرنا الكثير من الأحداث على أنها سلبية، واتضح لنا فيما بعد من وجهة نظر أشمل أنها إيجابية!

أنتوني فلو

ثم جاء الفيلسوف الإنجليزي أنتوني فلو (Antony Flew (1923 -2010، ليؤكد وجود الله رغم وجود الشر والمعاناة بطريقته، بعد أن بقي ملحدًا لفترة طويلة. إذ ارتحل يبحث عن الحقيقة في رحلة سماها: «رحلة العقل». متبعًا الحُجة أينما كانت وجهتها! ولكن الوجهة الأولى كانت الإلحاد. إلا أن أنتوني فلو Flew استمر في الجدال مع كبار الفلاسفة والعلماء والمؤرخين وعلماء اللاهوت حتى قاده هذا النقاش إلى «الاكتشاف Discovery». وهذا الاكتشاف جاء من صلب عقيدته السابقة في الإلحاد، إذ كان يعتقد عندما كان ملحدًا أنه: «حتى أكثر الكائنات تعقيدًا في هذا الكون –البشر– هم نتاج قوى ميكانيكية ومادية غير واعية (unconscious)». واكتشافه كان من التدقيق في كلمة غير واعية unconscious! فتساءل كيف لقوى ميكانيكية ومادية غير واعية وبلا عقل أن تنتج عالمًا مليئًا بالمشاريع الأخلاقية، والأفكار، وفوق هذا تنتج بشرًا ذوي عقول؟

ويتابع أنتوني فلو Flew شرحه بالقول إن معرفتنا عن نشأة الكون توقفت عند «الانفجار العظيم» the Big Bang على أنها الحقيقة النهائية، أو على مبدأ: «قوانين الفيزياء هي قوانين فوضوية جاءت من الفراغ». وعندها أكد فلو Flew أن هذين المبدأين يستدعيان السؤال التالي: «لماذا يوجد شيء، وليس لا شيء؟» وأجاب هو بنفسه: «إن التفسير الوحيد المقنع لأصل هذه الحياة الموجهة لهدف ما وذاتية التكرار كما نراها على الأرض هو عقل ذكي بلا حدود». وطبعًا من يقصده بالعقل الذكي بلا حدود هو الله.

جون هيك

أما الفيلسوف وعالم اللاهوت الإنجليزي الآخر جون هيك (John Hick (1922 -2012، فقد رأى أن الله منح البشر الإرادة الحرة كي لا تكون خياراتهم وقراراتهم نتيجة لمبدأ الحتمية (Determinism) الذي بموجبه يكونون كالأشخاص الآليين (robots). وبحسب مبدأ «المصاعب والشرور التي يواجهها الإنسان في حياته تؤدي إلى تنقية نفسه وتطهيرها وتنمية وتطوير الكمال الأخلاقي» وهو ما سمي بـ «the vale of soul-making»، فإن الشر ضروري للوصول لتلك النتيجة: «الكمال الأخلاقي». أراد الله –حسب جون هيك– أن يسمح للناس أن يطوروا أنفسهم لأن المناقب المكتسبة من التغلب على الإغراءات ذات قيمة أكبر من المناقب التي ولدت معهم بلا كد ولا عناء من جانبهم! أي أن الله أراد أن يصقل شخصية الإنسان ويهذبها بالمعاناة والشرور التي يواجهها، ولم يقصد مجرد تعذيب الإنسان وتعكير حياته!

ويؤكد هيك أن الله لو خلق الإنسان ولم يترك بينهما مسافة، وجعله عارفًا بوجوده وبقوته اللامحدودة، لما تجرأ الإنسان على حرية الاختيار والتصرف. ولكن هذه المسافة بين الله والإنسان جعلت للإنسان وعيًا بالله وليس يقينًا. وهذا منح الإنسان حرية الإرادة والاختيار، ومن ثم مواجهة الشرور لتطهير نفسه! وللعلم فإن هذه المسافة بين الخالق والمخلوق هي مسافة معرفية وليست زمانية أو مكانية، وليس لدى الإنسان معرفة فطرية –حسب جون هيك– بالله، ولذلك وجب عليه معرفته بالإيمان. وعليه فللإنسان الحرية في أن يعترف بالله ويعبده، أو يبتعد عنه!

طبعًا هناك آراء أخرى، ولكني عرضت آراءً توقعت أن تكون جديدة دون أي تدخل مني!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد