عندما نحاول فهم الأسباب التي تؤدي إلى ظهور التنظيمات المتشددة وانتشارها، ولا أقول التنظيمات الإسلامية فقط، فهنالك تنظيمات متشددة أخرى من كل الديانات، ولكن المبدأ واحد، وهو التشدد، فعند محاولة الفهم تظهر أمامنا عدة أسباب منطقية، تدلنا على طريقة الانتشار السريعة لهذه الجماعات في المجتمعات.

1- الفقر

تنشأ هذه التنظيمات في مجتمعات فقيرة نسبيًّا، فتضمن المال الكافي للأشخاص المنتسبين لها، وتتعدد طرق جلب الأموال، ومنها السطو على أموال الناس وعدها غنائم، أو الاتجار بالبشر، أو بيع الآثار المسروقة كما فعلت داعش في العراق، أو الحصول على المال من خلال رجال أعمال مشبوهين أو منظمات مشبوهة، أو أن تقوم هذه التنظيمات بفرض غرامات وضرائب على المدنيين الذين تسيطر عليهم.

إذ تبحث هذه التنظيمات عن الفقراء في كل مكان تقريبًا، وتغريهم بالمال الوفير والكثير، حتى يسدوا احتياجاتهم التي لا يقدرون عليها في ظل الفقر الذي يعيشون فيه، وتكثر الأمثلة على ذلك، فلن يتردد شخصٌ فقير لديه عائلة وأولاد جياع في الانضمام إلى صفوف هذه التنظيمات، طالما سوف توفر له الطعام والمسكن والمال، ولا بد من ذكر الدور غير المباشر لبعض الحكومات، فهي تشجع على هذه الأمور من خلال الفساد والاضطهاد والحرمان، فالعراق مثلًا يعد دليلًا قاطعًا على هذه النظرية، ففي عهد العبادي مع أنه قام بمحاربة داعش، وعهد المالكي الذي سبقه، انتشر الفساد والاضطهاد انتشارًا كبيرًا، مما ساعد على نمو داعش في العراق نموًّا سريعًا.

2- الجهل

لن تجد شخصًا ذا عقل سليم معافى منتسبًا بكامل إرادته إلى جماعات كهذه، كيف يذهب ويعرض نفسه للخطر؟! وكيف يرضى بقتل المدنيين، وسرقة أموالهم، واغتصاب نسائهم، تحت مسمى الغنائم والسبايا؟! كيف يقبل بكل هذا إذا ما كان عاقلًا.

إذ إن ضعف التعليم والتثقيف، وانتشار الجهل والخرافات البالية، يلعبُ دورًا أساسيًّا تستغله الجماعات المتشددة في استقطاب الناس وجذبهم إليها، فالسياسة التي تتبعها هذه الجماعات تبدو سياسة ذات تأثير، وتعتمد على تغييب العقول وغسل الأدمغة في محاولة للسيطرة، ولهذا عدة أمثلة، يمكن أن أذكر منها إجراءاتٍ كمصادرة الكتب العلمية التثقيفية القيّمة، ومصادرة الكتب القومية واستبدال كتب متشددة في العقيدة والدين بها، وأيضًا تحريم مادة الفلسفة، وتحريم تداول الكتب ذات النظرة الفلسفية، وعدها مدعاة للكفر والفسوق، وحتى الكتب الدينية الوسطية أو المعتدلة، أو مهما كانت تسميتها، لم تسلم أيضًا، فقد استبدل بها كتب أخرى تأخذ طابع التشدد والغلو الشديد في الدين.

فلولا جهل المنتسبين إلى صفوف هذه الجماعات لما تمكنت من السيطرة عليهم وتوجيههم، ولعلنا نلاحظ أن هنالك نسبة كبيرة من المقاتلين المتشددين تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 25 عامًا، وهو ليس بالعمر الكافي لتكوين خبرة ونظرة شاملة عن الحياة، إذ إن الكثير منهم ما يزال في سن المراهقة، وهو سن عدم استقرار الأفكار، وهذا يسهل المهمة في السيطرة على عقولهم، حتى إننا نرى مقاتلين تحت السن القانونية، يدربون على القتال، وتغذى عقولهم بالأفكار الإجرامية المتطرفة.

3- الدين

تعمل الجماعات المتطرفة والمتشددة على تجنيد الناس اعتمادًا على النزعة الدينية أيضًا، إذ إنها تعمل على تقوية المشاعر الدينية وتدفع بها نحو التطرف، مستخدمة في ذلك حبّ الناس لدينهم واستعدادهم للدفاع عنه، وتتعدد الطرق المتبعة في ذلك، ومنها إيهام الناس بأنّ دينهم في خطر شديد، وأنّ دينهم مستهدفٌ من قبل الأديان الأخرى، وأن الدين يأمرهم بالدفاع عنه ومعاداة ما تبقى من الأديان، وأن دينهم فقط هو الدين الحق وهو دين الله، وغير ذلك من الأديان ما هي إلا عبارة عن أديان محرفة يجب محاربتها.

ولهذه الجماعات رجالها المختصون في غسيل الأدمغة، والبارعون في إلقاء خطب تحريضية غير محدودة العدد، والمحترفون في إلقاء الشعارات البراقة التي تثير المشاعر الحماسية لدى الناس، والذين يعرفون كيفية استخدام لغة الجسد في التأثير على الجماهير، والقادرون على قلب الحقائق وجعل الباطل صوابًا.

فتدرس هذه الجماعات والتنظيمات سلوك البشر المستهدفين قبل استقطابهم وجذبهم إليها، فإذا وجدت شخصًا غير متدين، تتواصل معه فتخيفه من العذاب الذي ينتظره إذا لم يتدين، ثم يعدونه بالجنة والنعيم إذا ما انضم إليهم، وأنّ كلّ رغباته سوف تتحقق، ثم يغرونه بالمال كما تحدثنا في الفقرة الأولى، ثم وبعد كل هذا، يزرعون في نفسيته التطرف والتشدد ويعملون بشكل دائم على تنميتها في شخصيته، بحيث تصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانه.

أما إذا كان الشخص المستهدف متدينًا تدينًا وسطيًّا، فهذا يكون أسهل عليهم؛ فهو يعلم بأن الله سوف يكافئه بالجنة والنعيم إذا ما امتثل لأمره، وسوف يعاقبه إذا عصى أوامره، إذن فالمرحلتان الأولى والثانية جاهزتان لا حاجة للقيام بهما، وهنا يعملون فقط على توجيه تدينه السليم نحو التطرف.

4- السلطة

حبُّ البشر للسلطة، وامتلاك مقومات القو، هو أمرٌ فطري وموجود في التركيبة النفسية للبشر منذ العصور الغابرة، إذ يندر أن تجد شخصًا لا يسعى إلى السلطة والقوة، وهذا ما تعمل عليه هذه الجماعات، إذ يغرون الناس بالسلطة والمكانة، فيقومون بتسليحهم، ومما لا شكّ فيه أن امتلاك السلاح يمنح السلطة بشكل طبيعي، ويقوي الشعور بالغطرسة، ثم بعد تسليحهم يسلط قياديو هذه الجماعات المقاتلين على رقاب المدنيين، فترى مقاتلًا متطرفًا قد لا يكون أنهى المرحلة الابتدائية من دراسته، يقتل، أو يهين، أو يعتدي على مدني يحمل إجازة في الهندسة مثلًا.

5- الجنس

إنه محرك الشعوب وأقوى الرغبات الإنسانية الفطرية، وأهم وسيلة للسيطرة على البشر والوصول إلى السلطة والملك أحيانًا، وهذا ليس بأمرٍ حديث، فقد كان ملوك وأباطرة الرومان يزوِّجون أولادهم من أولاد أباطرة وملوك آخرين، وذلك لزيادة قوتهم وتوسيع سلطتهم والحصول على تحالفات تحميهم من الأخطار التي قد تحدق بهم.

إذ تعمل التنظيمات المتطرفة على هذا الأمر أيضًا، فتغري الرجال بأنّ لهم نساءً كثيرة إذا ما انضموا إلى صفوف التنظيم، وتغري النساء بالزواج من مقاتلين شجعان ورجال أقوياء إذا ما انضممن أيضًا، وكل هذا مبني على أمور مبتدعة لا أساس لها ولا قانونية، مثل جهاد النكاح أو ما شابه هذه التسمية، ومن الأكيد والضروري لتحقيق هذه الخطوة، تشريع السبي، وتشريع شراء الكثير من النساء وامتلاكهم تحت مسمى ملك اليمين، فبعد كل هجوم لهذه التنظيمات على مدينة أو قرية ما، لا يكاد يغيب مشهد سبي النساء واغتصابهنّ وخطفهن، كما حدث بالآيزيديات، ولا بد أيضًا من تشريع سوق بيع النساء؛ فيتنافسُ المقاتلون في من سوف يدفع ثمنًا أكبر لامرأة جميلة مخطوفة من أهلها.

ونلاحظ أن هنالك تراتبية ما في هذا الأمر، إذ إن الأمير مثلًا لربما يمتلك ما يزيد على 100 امرأة ما بين سبايا، وملك يمين، وزوجات، ثم يأتي بعده القياديون والمقاتلون الأدنى منه مرتبة، فيبدأ عدد النساء المملوكات بالتناقص تدريجيًّا كلما تناقصت الرتب، ولا تخلو هذه التنظيمات من المرضى النفسيين والقتلة المجرمين، ولكم أن تتخيلوا ممارساتهم الجنسية بحق النساء.

تتعدد أسباب نشوء الجماعات المتشددة وانتشارها، لكن النتيجة واحدة، وهي انتشار التطرف، وتتعدد أهدافها، لكنها في الحقيقة ما هي إلا أهداف القوى العظمى التي تتلخص في تفتيت أوطانِ، وسرقة خيرات الشعوب، فأين هي سوريا الآن؟! وأين هي العراق وليبيا؟! ألم تُسرق خيرات هذه الدول من قبل هذه الجماعات؟! ألم يبع النفط السوري والعراقي والليبي بأبخس الأثمان في السوق السوداء؟! يبدو لي أن الأمر ليس بحاجة إلى تفكير مطوّل لاستنتاج أن ما تفعله هذه التنظيمات ما هو إلا مشروعٌ أكبر منها حتى، وبغض النظر عن بعض التنظيمات التي قد تنقلب على داعميها، كل ما أراه في أماكن سيطرة الجماعات المتطرفة هو القتل، والصلب، والاغتصاب.

نعم، تتحمل الكثير من الحكومات مسؤولية كبيرة في هذا، كما تحدثت في الفقرة الأولى، لا سيما الحكومات المتسلطة والفاسدة، وما إن تنشأ هذه الجماعات حتى تبدأ بالتوسع والانتشار السريع كالسرطان؛ لما تجده من ظروف مناسبة لذلك، فلماذا إذن لا نسمع عن تشكيل تنظيم متطرف جديد في فلسطين مثلًا؟! ولماذا لا نسمع بتشكيل تنظيم متشدد في ماليزيا مثلًا؟! مع أنّ ماليزيا بلدٌ تغلبُ عليه الديانة الإسلامية، لقد مرّت أوروبا بالعصر الذي كانت فيه الكنيسة مركز تحريض ضد المسلمين، وهو العصر نفسه الذي دعت فيه الكنيسة لاحتلال القدس عبر غارات عديدة، فيما سمي وقتها بالحروب الصليبية؛ لأن هذا الاحتلال أخذ طابعًا دينيًّا كنسيًّا، فالتطرف إذن موجودٌ في كلِّ مكان وهو ليس أمرًا جديدًا، ومن المعروف أن التطرف ليس مجرد تصرفات ونشاطات، بل هو فكرة، والفكرة لا تموت حتى وإن قتلنا صاحبها.

إن مواجهة التنظيمات المتشددة المتطرفة بالأساس تكون بالفكر المضاد لفكرها الإجرامي المريض، وليس بقوة السلاح فقط، فالقتل يولّد رغبة مشتعلة شديدة في الانتقام، لا تطفئها كلُّ بحار الأرض، علينا إذن التفكير في قتل أفكارهم الظلامية واستبدالها أولًا قبل أن نقتل أجسادهم ثانيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد