يسألني صاحبي كيف الثبات يسألني أنا، وأنا أحوج الناس إلى من يدلني، وأين أنا حتى أدل غيري عليه، ومن أكون حتى أرشد غيري إلى ما يثبت الفؤاد على الحق؟! أنا يا صاحبي أبحث عنه معك، وأطلبه مثلك، وألتمس من يرشدني ويريحني من عناء قلبي وحيرته كما تفعل أنت الآن! أدعو الله سرًّا وجهرًا أن يرزقني الثبات على دينه، ألتمس رضاه بطاعته ليمنحني إياه، أجتهد ما استطعت أن أتقي غضبه ومقته حتى لا يحرمني إياه بذنبي وخطيئتي.

نظرت حولي، فوجدت المتساقطين على جانبي الطريق يملؤون جانبيه وهالني ما رأيت، لم أحصهم عددًا من كثرتهم، وعظم من هول الموقف أن وجدت منهم من كان يومًا أحب الناس إلى قلبي وأقربهم.

رأيت فيهم من كان لي ولأقراني قدوة ومربيًا، رأيت بينهم من كان يخطب فينا بعوامل الثبات والثقة في الطريق، رأيت بينهم من كان يرسم لنا طريق النصر ويحذرنا من عقباته، رأيت فيهم من كان يرشدنا بـ”المنطلق” ويبكينا بـ”الرقائق” ويخوفنا بـ”العوائق”، رأيت فيهم من كان سندًا لنا في المحن، ومثبتًا لقلوبنا في الفتن، ومعينًا لنا في الأزمات، رأيت فيهم من كان فقيهًا بدقائق الأمور، ومنظرًا لنا ومخططًا ومعلمًا، رأيت منهم من كان لنا قائدًا ميدانيًّا في ساحات الجهاد بالقلم واللسان، والفكر والبيان، والدعوة بالحكمة والبرهان، رأيت منهم من كان يبكينا بصلاته وتلاوته وابتهاله في ظلمات الليل قائمين ومتهجدين.

رأيت هؤلاء، وغيرهم ممن سمعت عنهم حكايات في البذل والعطاء، والدعوة والإرشاد، وعمل الخير والجهاد، خشيت على نفسي وخفت مصيرهم فلست أرقى لمستوى ما قدموا ولم أكن يومًا بمثل فهمهم للدين أو بلاغتهم في الدعوة إليه؛ فرفعت كفي بالدعاء منتحبًا، وسارعت بالتوبة والأوبة، والحسرة على ما اقترفت يداي.

لكنني كلما تبت من ذنب، اقترفت آخر وما تبت من ذنب إلا عدت إليه ضعيفًا بعد حين، لكنني أجدد العهد دومًا مع ربي، عساه يعينني ويحصنني منه يومًا، أكثر الطرق على باب التوبة باكيًا منتحبًا في ظلمات الليل. نعم، ما أقل تلك الليالي، لكن دموعي بين يديه وحده ما زالت تشعرني بالأمان، فكلما ضعف إيماني وقنط قلبي ويئست روحي أيقظتهم وذكرتهم، فأنقذتهم جميعًا برجاء عفو ربي وكرمه حاشاه أن يعذب عينًا بكت يومًا بين يديه حاشاه.

سألت العارفين: كيف الثبات على الإيمان؟

قال بعضهم: يثبت الله الذين آمنوا فالثبات إذن منه وحده، لا من أحد سواه ولا يرزقه إلا المؤمنين، ارج الثبات عند صاحبه واطلبه. وكن مؤمنًا حتى تستأهل أن ترزق إيمانًا بربك يملأ قلبك، فلا يترك مجالًا لشك أو ريبة. إيمانك باليوم الآخر يضع الحساب والميزان نصب عينيك، فيحميك من الزلل.

إيمانك بالملائكة يثبت قلبك على أنها تقوم بما أمرها ربها من حمايتك وتسخير الكون لك ومراقبة وتسجيل أفعالك وأقوالك، فيعينك علمك بهذا على التفكير مليًّا قبل كل حركة وسكنة. إيمانك بكتب الله التي أنزلها وخاتمة الرسالات وأعظمها “القرآن الكريم”، يضمن لك معينًا لا ينضب، تقرأ آيات الذكر الحكيم فيطمئن قلبك، وينشرح صدرك، وتستنير بصيرتك، تعمل بما فيه من الأوامر والنواهي، فتستقيم حياتك. إيمانك بالرسل ويقينك بعصمتهم يرسم لك صراطًا مستقيمًا لا عوج فيه، تتبعه فيضمن لك النجاة.

إيمانك بالقدر خيره وشره يغرس في قلبك الرضا فتحل السكينة والهدوء. استقبالك للعطاء بالشكر يحميك من الطغيان والفجور، واستقبالك للمنع بالصبر يقيك شر اليأس والقنوط، وبكل ما ذكرنا، يثبت قلبك على دينه لا ريب.

وقال بعضهم: إخلاص قلبك وسيلتك إلى الثبات، هو وحده يضمن لك النجاة من الانحراف والزيغ، هو وحده يرسم الطريق إلى حسن الخاتمة، هو وحده سبيلك إلى القبول. فكيف الطريق إلى طوق النجاة هذا؟ لا يكافئك ربك به حتى يكون لك حال معه، لا يعلمه إلا هو قربات إليه لا يراها سواه اختر يا لبيب عملًا – وإن قل في عينك- واتخذه خبيئة وذخرًا لك بين يدي ربك يوم لا ينفعك بعد رحمته غير ذلك طاعات بينك وبينه وحده، لا تحدث عنها أحدًا ولا تلمح إليها أبدًا، تلقى الله بها يوم لا ينفع مال ولا بنون لعلها تنتقل بك ساعتها من حال إلى حال، نعوذ بالله من حال أهل النار.

وقال بعضهم: كن مع الثابتين تثبت، وفر من المتساقطين فرارك من الأسد. الحق بركب الصامدين تصمد، ولا تهو مع المخلفين والمتخاذلين. صاحب تقيًّا تثبت قدمك على طريق الهدى، ولا تخالل غافلًا فيشغلك عن ذكر ربك. انظر حولك وانتق من الناس أتقاهم صاحبًا وخليلًا. واربأ بنفسك أن تكون في صحبة من خسروا آخرتهم فتضل بضلالهم وتغوى بغوايتهم، لا تنس أنك على دين من تخالل، فاختر دينك وآخرتك في هيئة أخلاء من حولك، وكل لبيب بالإشارة يفهم.

وقال بعضهم: انظر في سير الثابتين واقتد بهم، وتأس وخذ من حياتهم قبسًا تنير به دربك، ليكن رسل الله لك أسوة حسنة في ثباتهم على رسالتهم، وليكن الصحب الكرام أساتذتك في التزام السنن، وليكن تابعوهم وتابعو تابعيهم بحق هم آباءك وأجدادك، ترث عنهم إرثهم، انظر كم حاصرتهم نيران الفتن، فلم تنل من قلوبهم، وإن أحرقت جلودهم!

كم عرضت عليهم الدنيا بمفاتنها، فأعرضوا عنها وولوا وجهتهم شطر ما هي خير وأبقى، كم حاول عبيد الدنيا زحزحتهم عن عقيدتهم أو دعوتهم أو رسالتهم، بتخويف أو إرهاب أو إرجاف أو نفاق أو حتى تعذيب أو قتل، فجعل الله من كيدهم وتدبيرهم هباء منثورًا، لك في قصصهم آية وعبرة وقد منّ الله عليك بأمثال هؤلاء ممن لن تحصيهم عددًا، وبطولاتهم تملأ بطون أمهات الكتاب وذكريات المؤرخين، ولن ينتهي من قصها عليك القاصون حتى تحصي ذرات الرمال في فلاة فابدأ، واستعن بالله، ولا تعجز، وكن على يقين من معية رب رؤوف رحيم يهديك سبيله إن جاهدت “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”.

خذ يا أخي ممن أحببت منهم أو خذ منهم جميعًا، تربح وخذ بيدي معك فلست أحوج إلى ذلك مني، ثبتنا الله وإياك على دينه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد