قد يعتبر معنى الاستبداد عامًا وفضفاضًا، خصوصًا معناه الاصطلاحي الذي يختلف بين من يعرفه أنه من الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرارات وتنفيذها، وبين من يعتبره ظلمًا وفرضًا للسلطة من دون مبرر وأنه مرادف الطغيان والتجاوز والعدوان. وقد عرفه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» بأنه غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة. ومن مظاهره النظام أو الحكومة المطلقة العنان، فعلاً وحكمًا، والتي تتصرف في شؤون الرعية بلا خشية حساب ولا عقاب.

يرتبط الاستبداد بشكل كبير بالشأن السياسي، فهذا الارتباط الوثيق كان منذ القرون الأولى في النظام الإمبراطوري البيزنطي ولا يزال حاضرًا في عصرنا الحالي في عدة دول عربية أو غربية. والاستبداد السياسي فقط جزء من الاستبداد بشكل عام، وطغيان السلطة في جميع المجالات الثقافية والفكرية والتعليمية وغيرها. كما أنه يستمد قواعده وأسسه من بعض مفكري السياسة عبر التاريخ، مثل ماكيافيلي، الذي يفصل تمامًا بين الممارسة السياسية والأخلاق في كتابه الشهير «الأمير».

للمستبدين طبائع وآليات مشتركة فيما بينهم، هي طبائع الاستبداد التي يتميز بها وآلياته التي يستخدمها. حيث أن المتتبع للشأن السياسي العربي والعالمي لا يكاد يفرق بين المجتمعات التي يطغى عليها الاستبداد. فتجد الفساد فيها مستشريا في كل المجالات، من رشوة ومحسوبية في الإدارات، وغش وتزوير في الانتخابات والاستفتاءات، وقمع واعتقال في المظاهرات والاحتجاجات. كذلك من ميزات البلدان التي يطغى عليها الاستبداد، أن كل قطاعاتها الحساسة والحيوية، أو جلها، تعاني من ركود وعجز كبيرين، فالاقتصاد يكاد نموه ينعدم بل قد يشهد تراجعا كبيرا لفترات. وقطاع الصحة تجده شبه مهدّم وأغلبه خراب مجسد في مستشفيات عمومية تعاني من قلة الأطر الطبية، ونقص حاد في التجهيزات الضرورية، كما يُحرم أغلب أبناء الشعب البسطاء من التطبيب المجاني والاستفادة من الأدوية. وقطاع التربية والتعليم العمومي لا يسلم أيضا من مظاهر الفساد والاستبداد، بل قد يعتبر القطاعَ الأكثر تضررا. فقد يتجلى بالملموس أن المستبدين يسعون بطرق مباشرة وغير مباشرة إلى هدم التعليم العمومي أو ما تبقى منه، وعيا منهم أن التعليم أساس نهضة الشعوب وتحررها من التخلف وكسرها قيود الاستبداد وأن نهايتهم ستكون حتما على يد الطبقة الواعية المثقفة والمتعلمة.

أما معاملة الحكام المستبدين لشعوبهم فالأصل فيها القمع المادي والمعنوي، والحرمان من أبسط الحقوق وعدم الاكتراث لهموم ومشاكل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ومحاباة الأغنياء وتقريبهم من مصادر القرار ومنحهم هبات وامتيازات لكي تصبح مصالحهم مشتركة وأهدافهم تسير في اتجاه واحد هو الحرص على بقاء السلطة القائمة.

بقدر ما يسعى المستبدون إلى السيطرة المطلقة في كل المجالات، فإنهم يسعون بكل الوسائل المتاحة إلى تكريس استبدادهم وسيطرتهم. ومما يساهم في تكريس الاستبداد، إضافةً إلى حرص المستبدين على ذلك، تواطؤ أصحاب المصالح ودفاعهم عن الظالمين ضد الضعفاء المظلومين، وكذلك سكوت أصحاب الحق عن حقوقهم المهضومة، وصمت القوى الحية في المجتمع المعوَّل عليها في التغيير، ثم خوف بقية الشعب من بطش وتسلط المستبد.

محاربة الاستبداد والتخلص منه يجب أن تكون غاية كل مواطن حر شريف، وهدف كل تنظيم حر في مواقفه كيفما كان نوعه. فمن أولى خطوات التخلص من الاستبداد، ولعلها أهمها، معرفة أصل الداء وتسميته باسمه ووصفه بصفاته. أي أنه على كل عاقل، فردا كان أو جماعة، أن يساهم من موقعه في التوعية بخطر الاستبداد وفضح المستبدين، خصوصا عند الناس المستضعفين والمهضومة حقوقُهم. إذا تحققت الخطوة الأولى، فما يليها يكون تحصيل حاصل ونتيجةً حتمية لأن الأصل هو العدل والإنصاف، والظلمُ إلى زوالٍ، شريطةَ الأخذ بالأسباب. ومن الأسباب العملية أيضا، المساهِمة في التخلص من الفساد والتحرر من الاستبداد،
اتحاد وتكتل كل القوى الحية داخل المجتمع، واتفاقها على أن العدو والخصم واحد، هو الظلم والاستبداد، وأن الهدف الأسمى هو تطهير الوطن من الفاسدين والمستبدين وإرجاع الحقوق لأهلها، وتكوين مجتمع مبني على كل القيم الكونية والإنسانية، يتسع لجميع أبنائه باختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم وأعراقهم. مع استحضار اليقين أنه مهما طال أمد الاستبداد، واستقوى الظالمون وتجبروا، فإن مصيرهم هو الاندثار والزوال كما كان مصير المستبدين قبلهم عبر العصور. لذلك ينبغي أن يكون لكل مواطن، ولكل مكون من مكونات المجتمع، دور ولو بسيط ومساهمة ولو يسيرة في القضاء على الاستبداد والحد من انتشاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد