يثيرني دائما النقاش الحاد الذي يندلع بصورة اعتيادية بين الملحدين من جهة وبين المؤمنين من جهة أخرى، بغض النظر عن نوع إيمانهم ودرجته والدين الذي ينتمون إليه.

وغالبا ما يدور النقاش بين محاولات الإثبات والنفي على قاعدة “غالب لا مغلوب!” دون بذل أي محاولة لتقريب وجهات النظر أو الوصول للحقيقة.

 

ولعل أبرز القضايا الخلافية تكمن في خلق الكون ووجود الإله؛ إذ يعتبر الملحدون أنه لا وجود لإله، وأن نظرية الإله هي نظرية قديمة بدائية استخدمها الإنسان القديم في وقت لم يكن العلم فيه قادرًا على تفسير الكثير من الرؤى والأحداث والظواهر الكونية من حوله، لكن بتقدم العلم أصبح هناك تفسير لكل شيء.

وما لم نجد له تفسيرًا فإن العلم لم يصل إلى الدرجة القادرة على تفسيره في الوقت الراهن. ويرى أبناء هذه النظرية أن الكون نشأ بعد ما عرف بالانفجار الكبير الذي تكونت على إثره الكواكب والنجوم من غازات متكثفة، وبأن عملية الانفجار سترتد يومًا ما لتكون نهاية الكون، كما يرون أن خلق الإنسان جاء نتيجة تطور طبيعي لكائن حي وهو القرد أو الإنسان القديم، وهو ما يسمى بنظرية التطور الطبيعي للعالم البريطاني “داروين” 1809-1882.

أما الجانب الآخر فهو متمسك بنظرية المعجزات الإلهية، وبأنه من المحال أن تتكون الطبيعة وتتحكم في كل شيء، وإلا من أوجد الطبيعة ومن الذي خلق النظام الكوني والتوازن البيئي وغيرها من الأمور المعقدة؟ ويؤمنون أيضا بمصطلح “المعجزات الإلهية” التي أحيت الميت وشقت البحر لموسى وكذلك القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم.

وبالنظر إلى طرفي الاختلاف أجد أن لكل طرف ما يدعم به نظريته، وأن كلا الطرفين على حق في اعتقاده، فبالفعل الكثير من الظواهر التي نشاهدها من زلازل وبراكين لها ما يفسرها علميًا، في الوقت الذي يرى فيه المؤمنون أنها إرادة إلهية.

لذلك وجب علينا أولا أن نطرح سؤالا مبدئيا: كيف يحكم الله الكون؟!

بالطبع لا يستطيع أحد أن يمنح إجابة مدعومة بأدلة مادية على سؤال معقد ومتشابك كهذا، ولكنني سأحاول استخراج الإجابة من خلال استنباط منطقي مستقى من الدين والعلم، في محاولة مني لإثبات أن الله يدير الكون من خلال العلم لا المعجزات.

 

إن لفظ “المعجزة” هي عبارة عن كلمة أطلقها القدماء على كل الظواهر التي عجز العلم عن تفسيرها، وكانت مثلها مثل باقي الظواهر من صنع الخالقز

 

فالمطر لو لم تشاهده من قبل لاعتبرته معجزة، وكذلك الأمر بالنسبة للرياح والأمواج وشق البحر وتحويل العصا لأفعى وتحويل البشر إلى قردة وخنازير.

ولكن في النهاية هي ظواهر طبيعية من صنع الخالق، فالأمطار تكون بسبب تبخر الماء ثم تكثفه مرة أخرى، وشق البحر لموسى ربما يكون زلزالًا ضخمًا ضرب المنطقة، أما تحويل البشر لقردة وخنازير أمر ممكن من خلال التغييرات الجينية والوراثية، وغيرها من كل الظواهر الأخرى التي يمكن أن تحدث فقط بقوة علمية هائلة لا يمتلكها إلا الله سبحانه وتعالى.

ولا يتوقف الأمر عند معجزات الماضي، بل من الممكن أن نعطي تفسيرات منطقية للكثير من الأمور المستقبلية، فحساب البشر يوم القيامة يتم بناء على ما وصفه الله بـ “الكتاب المعلوم” الذي يسجل ويدون فيه كل ما يفعله البشر فرادى أو جماعة، والكتاب تسمية مبسطة كي يفهمها البشر، ولكنها ربما تكون نوعًا من أنواع تخزين الذاكرة التي تستعيد ذكرياتها بنظام متطور شبيه بنظام الـ Backup في أجهزة الكمبيوتر ويتم تدوينه دون اختلاط وفق ما يعرف باسم “الزمكان” Spacetime لضمان عدم اختلاط الأحداث وترتيبها ببعضها البعض… إلخ.

وبغض النظر عن الافتراضات العلمية المعقدة التي لا نهاية لها، دعونا نستخلص بعضًا من الأدلة من القرآن الكريم كي لا نكون نستمد أدلتنا من المنطلق العلمي فقط، فقد قال تعالى في سورة يوسف الآية 76: “وفوق كل ذي علمٍ عليم”، بمعنى أن الله يملك معلومات أكبر من تلك التي يملكها البشر أو الكائنات بشكل عام، وكون أن الله قد قارن بين علمه وعلم المخلوقات فإذًا هناك تشابه بين طبيعة العلم بين الطرفين وإن علت منزلة العلم الإلهي بالطبع، ولو كان الله يحكم الكون بالمعجزات لما جازت المقارنة.

 

أدلة أخرى تؤكد أن الله يحكم الكون بالعلم لا بالمعجزات، وقد ظهر ذلك جليا في قصة خلق آدم عندما اعترضت الملائكة على خلقه لآدم قائلة: “أتجعل فيها مَنْ يسفكُ الدماءَ ونحن نسبِّح بحمدكَ” فكان رده عليهم بأنه منح آدم من العلم ما لم يمنحه لمخلوق كان كما جاء في سورة البقرة الآية 31: “وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علمَ لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون”.

لقد استخدم الله كلمة علم في الآيات السابقة خمس مرات في دلالة واضحة على أن ما ميز آدم على باقي الخلق هو العلم والإدراك والعقل وليس أي شيء آخر، فالإنسان ليس أقوى أو أضخم أو أسرع المخلوقات، ولكنه أذكاهم على الإطلاق، وعندما أثبت الله نظريته للملائكة بالعلم، أجابوه بأنه لا علم لهم إلا ما علمهم إياه العليم الحكيم. إذًا فالعلم هو أساس الخلق.

أدلة كثيرة أيضا نجدها في الأديان السماوية تدلل على أن الله يستخدم العلم لتحقيق إرادته، ولكن الفرق الوحيد بين علم الله وما نملكه من علم هو أنه علم متطور بصورة كبيرة عن تلك التي نملكها، وإن ظهر ذلك جليا في العهد القديم أكثر من القرآن، والذي صور الله بصورة أكثر بشرية من تلك التي في القرآن، فمثلا في كل من العهد القديم والقرآن اتفق الكتابان أن خلق السموات والأرض قد تم في 6 أيام، وإذا كان الأمر يقتصر على الإعجاز لما احتاج الله لـ 6 أيام، وقد ذكر العهد القديم الكثير من التفاصيل مثل التدرج في خلق البحار والنجوم والحشائش والحيوانات والإنسان.

 

لكن الفرق الأكبر يكمن في أن العهد القديم قد قال في سفر التكوين الإصحاح الثاني: “فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا”.

وهنا نلاحظ أن العهد القديم قد منح الله صفات إنسانية وهي التعب والراحة، فقد قال في سفر التكوين أيضا في الإصحاح الأول متحدثا عن خلق الإنسان: “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإنسان عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا”. أي أنه خلق الإنسان على صورة مصغرة وشبيهة من الله.

 

وبالنظر إلى الإسلام فسنجد أن الدين الإسلامي مال إلى تصوير ما يفعله الله بالمعجزات أو القوة الخارقة بعكس التوراة التي أظهرته في صورة قريبة للإنسان، مع ملاحظة أن لفظ معجزة لم يرد في القرآن، كما لم يرد فيه ألفاظ بشرية مثل تعب أو استراح، وإنما استخدمت الآيات عبارات تتوازن بين القوة الخارقة وبين القدرة العلمية، ففي سورة يس الآية 82 قال تعالى: “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون”.

ففي هذه الآية منح الله لنفسه القدرة الإلهية “الإعجاز” ولكنه لم ينفِ القدرة المنطقية “العلم”، فتنفيذ أي أمر بكلمة من حرفين “كن” هو إعجاز في حد ذاته، ولكننا لو تصورنا أن الكون مرتبط بنظام إلكتروني حديث أكثر تطورًا بمراحل من الأنظمة التكنولوجية التي نملكها، سنجد أن لفظ “كن” ربما يكون مجرد مفتاح يعمل بشفرة الصوت أو ما شابه، يدخل على نظام متطور والذي يقوم بعمليات علمية في أجزاء من الثانية لتحدث ما نصفها بالمعجزة السماوية، وهو نظام شبيه إلى حد كبير بالأجهزة الحديثة التي تفتح وتغلق بأمر شفوي من صاحبها.

فمثلا، لو أتينا بإنسان بدائي لاعتبر أن فتح التلفاز بأمر شفوي من إنسان معجزة إلهية، لكن الكلمة كانت المفتاح الذي تبعه عمليات علمية معقدة “كهربائية وفيزيائية وميكانيكية… إلخ، انتهت بفتح التلفاز المرتبط بطبق هوائي ومنه بقمر صناعي أكثر تعقيدا، ولو حاولنا تطبيق الأمر بصورة أوسع لوجدنا أن الزلازل والبراكين تبدأ بلفظ “كن” من عند الله، ولكنها تنفذ من خلال عمليات صغيرة أكثر تعقيدا؛ ربما تبدأ بحركة ذرات صغيرة لكنها تنتهي بانفجارات كونية عظيمة، مثل الزر الذي نضغطه وينتهي بإرسال صاروخ لآلاف الأميال محدثا انفجارًا نوويًا عظيمًا.

 

ولعل أكبر دليل على أن الله يستخدم القدرة العلمية المتفوقة هي قوله في سورة غافر: “لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس”. فلو كان الله يستخدم المعجزات لما استخدم مقارنة أيهما أكبر خلق الكون أم البشر؟ أما لو استخدم العلم فهناك درجات من الصعوبة، فبناء مركبة فضائية أكبر من خلق سيارة، وهو ما يدلل عليه الله بوصفه نفسه بالعليم والعالم في كثير من المواضع، بل ومقارنتها بعلم البشر مثل ما ورد في سورة يوسف: “وفوق كل ذي علم عليم”، لذلك فالمعجزة ما هي إلا اختصار لمصطلح معناه: “قدرة علمية هائلة”.

 

إن ما وصلنا له من العلم يمثل درجة من درجات العلم الكبيرة التي يمتلكها الله، فالطفل الصغير لا يولد بعقل فارغ كما يظن الكثيرون، وإنما يمتلك نظام تشغيل “سوفت ويير” أقرب ما يكون بنظام تشغيل “الويندوز” يحتوي على الكثير من الأوامر التي تمنحه القدرة على تشغيل نفسه، ثم نقوم نحن بملئها بالكثير من الملفات والعلوم والبرامج والخبرات والعادات والتقاليد والتصرفات، فالغريزة الإنسانية التي تجعل الطفل يلتقم ثدي أمه، أو يشعر بالإثارة لمشاهدته فتاة عارية هي أشياء غرزها الله فينا، وترك الإنسان ليملأ جهازه بما يريد من علوم وغيرها، وهو ما يفسر قول الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: “كل مولود يولد على الفطرة”.

والفطرة هنا نظام التشغيل الذي خلقنا به الله وجعله قادرًا على تنفيذ العمليات اللاإرادية في العقل والقلب وجميع أجزاء الإنسان، ويمكن للإنسان أن يعدل فطرته أو يغيرها، مثلما تصبح قادرًا على تعديل إعدادات جهازك بعد تشغيله. ولعل أكبر دليل على وجود الله، هو أن الإنسان لا يملك القدرة على التحكم في أغلب العمليات التي يجريها جسده لذلك لا يصح أن يعتبر نفسه هو الكائن الأقوى في الوجود!

 

 

ويستطيع الإنسان أن يصل إلى مرتبة عالية من العلم، لكنه لن يصل إلى المرحلة التي يمتلكها الله، لأنه هو الخالق، وقد أكدت الديانات أن الله سيترك الإنسان يصل إلى درجة متقدمة من العلم يظن من خلالها أنه قادر على تحريك الكون وأنه لا وجود للإله، فيقوم الله بتدمير الكون وإنهائه بصورة كاملة، فيقول الله تعالي في سورة يونس: “إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أو نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.

 

 

حتى الجنة ووصفها فكل ما جاء في الكتب السماوية ما هو إلا وصف مبسط لإقناع البشر بروعتها وجمالها، لكنها شيء يفوق إدراكهم، وخير دليل على ذلك وصف الرسول صلى الله عليه وسلم إياها بـ “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر”، لذلك فأنا أعتقد أن الجنة في غاية التقدم والتكنولوجيا أكثر مما يظن الجميع، ولا تقتصر على الأشجار والأنهار والعيون.

في النهاية لا يجب أن يشعر العلماء بغضب من وجود الأديان، فكثير منهم يعتبرونها معوقًا أمام العلم، وذلك لميل بعض المؤمنين لعدم البحث في الكون نظرًا لأنه من خلق الله وأن الله يديره كيفما يشاء، مما يشعر العلماء بالسخط، فهم يثبتون في كل يوم أنهم قادرون على تحقيق الكثير من النجاحات التي أسهمت في تطوير الحياة البشرية نحو الأفضل.

 

وهذا لا يتنافى مع المشيئة الإلهية التي أمرتنا بالتفكر والتدبر في خلقه، كما أن منح الله صفة علمية لا يجب أن يغضب المتدينين لأن الدين لا ينافي العقل، والعقل لا يتنافى مع العلم، والله لا يتنافى بالتالي مع العلم والعقل معا، فمنح صفة علمية لله لا تعتبر إهانة أو إنقاصا لألوهيته، خاصة وأنه قد وصف نفسه باسم “العليم”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد