كم إلها تعبد ؟ هل تعرضت لهذا السؤال من قبل في هذه الحياة؟ هل سألت نفسك مرة هذا السؤال؟ربما لم يخطر حتى ببالك, ولعلك تقول: ولماذا يوجه إليَّ هذا السؤال؟ نعم لا أحد يوجه إلينا هذا السؤال في الدنيا، ولو حدث وسألنا أحدا هذا السؤال لكان الجواب فورا: نعبد إلها واحدا لا شريك له.

 

 

 

لكن هل نحن صادقون في هذا الجواب؟ أم أنه مجرد أماني نخدع بها أنفسنا دون أن ندري؟ أقوالنا وأعمالنا شاهدة علينا وهي أصدق دليل على ذلك، وكثيرٌ من الناس تكذب أعمالهم أقوالهم. قال تعالى: “الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ”.

 

 

 

 

إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقَر في القلوب وصدقته الأعمال. فليس بالقلب وحده يتم كامل الإيمان فالعمل (عمل اللسان والجوارج والقلب) مرآة لما وقر في القلب ترجمة فعلية له وإفصاح وإشهار للعالم عنه.

 

 

 

نعم نحن نعبد إلها واحد هكذا يراها كثير من الناس على أنها مسلمة بديهية لا تحتاج إلى كثير من التأمل والتفكير أو الأثبات، ولكن انظر إلى هؤلاء الذين يؤمنون بأن الله هو خالقهم وخالق السموات والأرض، وهو ربهم ورب السموات والأرض، ومالكهم وله ملك السموات والأرض، تجدهم كما وصفهم الله: “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ” مشركون يعبدون مع الله آلهة أخرى ويصرفون عبوديتهم لغير الله.

 

 

 

 

فهل يمكن أن يتخيل عاقل أن الله الذي تفرد بالخلق والربوبية والملك لا يتفرد بالألوهية ممن خلقهم؟

 

 

 

 

يؤمنون بوحدانية الله في خلقه وربوبيته وملكه ولا يؤمنون بوحدانيته في ألوهيته، هذا حال أكثر أهل الأرض اليوم إلا من رحم ربى.ومع هذا الشرك الظاهر والآلهة المتعددة لو قلت لأحدهم: كم إلها تعبد؟ لأجابك: أعبد إلها واحدا، فهل حقا لا يعبد إلا إلها واحدا؟ هل هو حقا من الموحدين الذين أخلصوا الدين لله؟ أم أنه لا يعرف ما هو التوحيد وما شروطه وأركانه ونواقضه؟ وما هو الإله وما هو الرب؟ وما هي العبادة؟

 

 

 

 

ففي أول الإسلام حاول الكفار صد النبي صلى الله عليه وسلم عن دينه, فأرسلوا حصين بن المنذر فلما دخل حصين قال عليه الصلاة والسلام:”يا حصين كم تعبد اليوم إلها؟ قال: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحدا في السماء قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: أما لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك.

 

 

 

 

 

نعم كانوا يعبدون تماثيل صورت لقوم صالحين، ويعتبرونها وسائل تقربهم إلى الله, يتعبدون لها بذبح ودعاء وطواف وبكاء لتشفع لهم عند الله ويقولون: “مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْ في” فسماهم الله كفارا مشركين مع اعتقادهم أن الله هو الخالق الرازق المحيى المميت والمدبر لمقاليد هذا الكون فما الفرق بينهم وبين من يتقرب اليوم إلى ميت في قبره ويرجوه أن يشفع له عند الله؟! ما الفرق بين من يتقرب لصورة فوق الأرض ومن يتقرب لصورة تحت الأرض؟!

 

 

 

 

في الحقيقة كلا الفريقين أشرك بالله الشرك الأكبر وكلا الفريقين ليس  في دين الله.

 

 

 

سأل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ فقال: “يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد. قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه. قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم”(رواه البخاري) وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ فقال: “أن تجعل لله ندًا وهو خلقك”(صححه الألباني).

 

 

 

 

 

فالشرك أعظم الذنوب “وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا” وأعظم الإفتراءات على الله “وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلًا بَعِيدًا”وهو مسبة لله تعالى “وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَـَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّ، تَكَادُ السّمَاوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَن دَعَوْا لِلرّحْمَـَنِ وَلَدًا” ولا يغفره الله أبدا إلا بتوبة منه في الدنيا, والجنة حرام على المشركين وهم مخلدون في النار “إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ”, ومن أشرك فسدت كل عباداته من صلاة وصوم وجهاد وصدقة قال تعالى”لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.

 

 

 

 

كم إلهًا تعبد؟

هذا السؤال هو أخطر قضية يجب أن تشغل تفكير هذا الإنسان الذي أقر بأن له خالقًا واحدًا وربًا واحدًا ومالكًا واحدًا، هذا الإنسان الذي صعد أول درجات سلم المعرفة وأيقن أن له ربا واحدا خالقا مالكا هو الله جل جلاله “وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ”.

 

 

 

 

فكانت قريش ومن حولها من العرب والنصارى واليهود كل منهم يقول نحن على حق، نحن على ملة إبراهيم، نحن نعبد الله ولم نكفر بالله ولا بملة إبراهيم، وإذا نظرنا إلى حقيقة ما هم عليه وجدناهم كفارًا مشركين لا يوحدون الله ولا يتبعون رسله، وقد فارقوا جميعا ملة إبراهيم.

 

 

 

 

فهل صدقهم الله عز وجل في قولهم إنهم على حق وعلى ملة إبراهيم؟ كلا، بل اعتبر قولهم هذا مجرد زعم كاذب وأماني باطلة لا تغني عنهم شيئا ولا تنفعهم عند الله أبدا. قال تعالى”مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” وقال تعالى “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ “.

 

 

 

 

 

فهل يصح أن نقول مادامت قريش والنصارى واليهود يعتقدون أنهم على حق وعلى ملة إبراهيم فهم على ملة إبراهيم حتى وإن كانوا يكفرون ويشركون بالله؟!! لا شك أن هذا لا يصح أبدا ؛ لأن ملة إبراهيم هي التوحيد الخالص لله تعالى والتوحيد ضد الشرك ولا يجتمع معه أبدًا، فالذي يشرك بالله لا يوحده، ويستحيل عقلا وشرعا أن يسمى موحدًا مع شركه بالله. فالأمور إذًا بحقائقها لا بمظاهرها المخالفة للحقيقة، ولا عبرة بقول يشهد الفعل ببطلانه.

 

 

 

 

 

 

فلننظر جميعا في أقوالنا وأعمالنا وباطننا وظاهرنا هل صدقا لا نعبد إلا إلها واحدا؟!!! فالشرك بالله لا يقتصر على عبادة صنم أو وثن أنما هناك الكثير من صور الشرك المخرج من الملة ومن رحمه الله فمن أهم صور ومظاهر الشرك الأكبر المنتشرة في بلاد كانت  في يوم من الأيام من ديار الإسلام:-

 

 

 

 

أولا: التعبد لغير الله تعالى بصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره سبحانه، وأكثرها انتشارا: دعاء غير الله تعالى من الأموات سواء كانوا أولياء صالحين أو غير ذلك، أو قبور, أو أضرحة, أو مقامات أو غيرها، ومنه اعتقاد أنها تنفع أو تضر، وهذا شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام حتى لو كان صاحبه يعظم الله تعالى ويعبده في نفس الوقت الذي يدعو أو يسأل هؤلاء لأنه يكون والحال هذه قد أشرك مع الله تبارك وتعالى غيره في العبادة, ولأن الكفار الذين حاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة كانوا يعظمون الله تعالى ويعبدونه،

 

 

 

 

 

ومع ذلك لم ينفعهم ذلك لأنهم كانوا يشركون معه آلهتهم المزعومة، والدليل قوله تعالى عن المشركين”وَلَئِن سَأَلتَهُم مَن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُل أفرأيتم مَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِن أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ, هَل هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَو أَرَادَنِي بِرَحمَةٍ, هَل هُنَّ مُمسِكَاتُ رَحمَتِهِ قُل حَسبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ”.فمن دعا الحسين فقد عبده مع الله ومن اعتقد النفع والضر  في البدوي فقد عبده وأشرك بالله الشرك الكبر المخرج من الملة ومن نذر للسيدة نفيسة فقد خلع رِبقة الإسلام من عنقه وعبدها مع الله.

 

 

 

 

ثانيا: ومن مظاهر الشرك الأكبر المنتشرة: عبادة القبور بالاستغاثة بمن فيها من الموتى، أو الطواف بها، وما يلحق بذلك أثناء الطواف من التمسح بها, أو تقبيل أعتابها فتراهم يقفون عندها متذللين متضرعين خاشعين سائلين حاجاتهم من شفاء مريض, أو تيسير حاجة. ومن فعل ذلك فقد كفر ولا يشك  في كفره إلا من طمث الله نور الوحي مثلهم.

 

 

 

 

 

ثالثا: من مظاهر الشرك الأكبر: الذبح لغير الله، قال تعالى “قُل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ” فمن ذبح لغير الله تعالى فقد أشرك سواء ذبح لولي, أو لقبر, فقد أشرك بالله، كما لو صلى لغير الله لأن الله تبارك وتعالى جعل الصلاة, والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، وهناك أناس يذبحون للجن حيث أنهم إذا اشتروا سيارة أو سكنوا بيتا جديدا ذبحوا عنده أو على أعتابه ذبيحة خوفا من أن يؤذيهم الجن فيتقربون لهم بها أو يرضونهم بها، وهذه من ذبائح الجاهلية التي لا تجوز وهي شرك بالله.

 

 

 

 

 

رابعا: ومن مظاهر الكفر التي استهان بها الناس: السحر والكهانة والعرافة، قال تبارك وتعالى”وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحرَ”.

 

 

 

 

 

خامسا: من صور الشرك التي إذا غالى صاحبها فيها أصبحت من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام: شرك المحبة أو الغلو في محبة المخلوقين. قال تعالى “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذ يَرَونَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذَابِ” فمن أحب إنسانا, أو صنما, أو نظاما, أو غيره حتى أصبح يذل له ويقدم طاعته وحبه على حب الله تعالى وطاعته، ويقدم أمره ونهيه على أمر الله ونهيه، وقع في هذا النوع من الشرك بدون أن يشعر،

 

 

 

 

 

فليحذر المسلم الغلو في محبة أي شيء كان، وليعلم أن كل طاعة وكل محبة يجب أن تكون مقيدة بأن لا تتعارض مع طاعة الله ومحبته ومحبة رسوله وطاعته.

 

 

 

 

 

سادسا: من أهم مظاهر الشرك الأكبر وأخطرها والتي ظهرت وانتشرت بين كثير من الناس في العصر الحديث التحاكم للتشريعات والقوانين الوضعية التي تحلل ما حرم الله وتحرم ما أحل الله, ومن الشرك الأكبر أيضا تحكيم القوانين الوضعية بدلا من التشريعات الإسلامية، أو الاعتقاد أن أحدًا يملك الحق في التشريع (التحليل والتحريم) , أو من اعتقد أن هناك هديا غير هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحكما خير وأكمل من حكمه وشريعته التي جاء بها فهذا يدخل في عبادة الطاغوت.

 

 

 

 

 

 

ومما هو محل اتفاق عند المسلمين عامة، أنه لا يجوز التحاكم إلا إلى حكم الله وشرعه، قال تعالى”فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” وقال تعالى”أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا”.

 

 

 

 

والحكم والتحاكم والتشريع من العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله، وقد سماها الله عبادة قال تعالى “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” ومن تحاكم لغير الله فقد جعل شيئًا من حقوق الله في العبودية لغيره، كما فعل أهل الكتاب، قال تعالى”اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلا لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ”

 

 

 

 

 

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية  “اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ” قال: فقلت إنهم لم يعبدوهم، فقال: “بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام؛ فاتبعوهم؛ فذلك عبادتهم إياهم” فمن أطاع غير الله في التحليل والتحريم فقد كفر بالله الكفر الأكبر المخرج من الملة.

 

 

 

 

 

فالتحاكم إذن عبادة كالركوع والسجود، فهؤلاء لم يركعوا ويسجدوا لهم وإنما أطاعوهم في تغيير أحكام الله، بتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال، فذلك من عبادتهم؛ وهو من الشرك الأكبر، لقوله تعالى “‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ” قال الله تعالى “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏”.

 

 

 

 

 

 

ومن انساق خلف محاكم غير شرعية وأحكام وضعية، محللًا بها ما حرم الله، ومحرمًا ما حلله في كتابه وفي صريح السنة الثابتة المحكمة، فذلك الكفر البين قال تعالى”وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ” ومعناه: إذا أطعتم المشركين في أن الميتة حلال إنكم لمشركون مثلهم.

 

 

 

 

 

فمن أوجب الواجبات التحاكم إلى شرع الله المشتمل على كل خير قال سبحانه “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ”.

 

 

 

 

 

فلا حكم إلا لله، ولا تحاكم إلا إليه، قال “وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ”.

 

 

 

 

 

إذا فأي تحاكم إلى شرع غير ما أنزل الله فهو شرك بالله وعبادة طاغوتية مهلكة لمتبعها دون أن يدري، وما أكثر ما صنعت أيدينا في زماننا هذا من طواغيت صنعنا العديد والعديد وجعلنا لها أسماء مختلفة كما صنع الكفار آلهتهم هبل ومناة.

 

 

 

 

 

وما الديمقراطية والعلمانية والقومية والوطنية والمدنية والدستور وغيرها إلا أصنامنا قمنا بنحتها بأنفسنا وصرفنا لها العبادة والأتباع فصرنا عبيد ذل، والآن نثور من أجل الحرية والكرامة والعيش، وهي أمور منحنا الله إياها دون طلب أو ثورة.

 

 

 

كم إلها تعبد؟

إن هذا السؤال قد لا تُلقي له أهمية اليوم، ولكن هل علمت أن لك يوما سوف تسأل فيه هذا السؤال؟

 

 

 

 

 

أتدري متى هذا اليوم؟ إنه اليوم الذي تفارق فيه الدنيا، يوم يُدخلك أحبابك في حفرة من الأرض، ويهيلوا عليك التراب ويتخلى عنك الأصحاب. وهل تدري من سيسألك؟ إنهما ملكان أسودان أزرقان صوتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف سوف يسألانك عما كنت تعبده في حياتك الدنيا وعما تدين به، فتخيل هذه اللحظة وكيف سيكون جوابك.

 

 

 

 

فمن كان في الدنيا على التوحيد الخالص لله صادقا مع الله فسوف ينفعه صدقه ويثبته ربه، ويقول كنت أعبد الله وحده لا أشرك به شيئا. وأما أكثر الناس فلن يهتدوا للجواب ولن يوفقوا للصواب؛ لأنهم لم يكونوا في الدنيا صادقين مع الله وكانت أعمالهم وبواطنهم تخالف أقوالهم، وسيقولون هاه هاه لا ندري.

 

 

 

 

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه، قال كنت أعبد الله فيقول له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول هو عبد الله ورسوله فما يسأل عن شيء بعدها فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له هذا كان لك ولكن الله عصمك فأبدلك به بيتا في الجنة، فيراه فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له اسكن. قال وإن الكافر أو المنافق إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له ما كنت تعبد؟ فيقول لا أدري فيقال لا دريت ولا تليت فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول كنت أقول ما يقول الناس فيضربه بمطراق بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين.

 

 

رواه أبو داود والنسائي وأحمد والمنذري في الترغيب والترهيب

 

 

 

 

 

وسوف يُكرر عليك السؤال مرة أخرى، يسألك الجبار جل جلاله يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال تعالى “فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

 

 

 

 

 

فالسؤال إذا له أهميته وعليه مدار حياتك وهو الذي يحدد مصيرك، فكن صادقا في جوابه الآن واعرف ما هو التوحيد الذى يجب عليك تعلمه وما هي شروطه التي يحبب تحقيقها وما هي أركانه التي يجب إقامتها وما هي نواقضه التي يجب تجنبها لتكون في الآخرة مع الصادقين، وانظر كم إلها تعبد؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد