في ضوء كل تلك الأزمات التي نمر بها في واقعنا المعاصر، أصبحنا نرى كل شيء وهو يدنو ويتساقط، حتى الجسور التي بنيت بدأت تتساقط. السبب الكامن وراء ذلك الانهيار الذي نعاني منه في بلادنا ليس إلا لزوال القيم والأخلاق من نفوسنا. إن أردنا حقًا معرفة ما وراء كل تلك المصائب التي نتعايش معها اليوم، يجب علينا أن نعلم ما يضر نفوسنا وقلوبنا أولًا. نحن رضينا بمن وضعوا الجسور التي بدأت تتحطم أمام المطر، نحن رضينا بكل تلك القوانين التي سلبت منا حقوقنا ورفاهية حياتنا، نعم، تصرفاتنا الأنانية والجشعة هي التي أدت بنا إلى كل ذلك. الحل الوحيد لتغيير هذه المعاناة هو ترميم مبادئنا وقيمنا وأخلاقنا التي نحيا بها اليوم.

عندما بدأنا نفكر في أنفسنا ومصالحنا فقط، أرسل الله علينا أمثالنا. أخلاق شعبنا هي التي أدت بنا إلى الذي نحن فيه الآن، فعلى سبيل المثال، عندما أصبحت الواسطة والمحسوبية الطريق الأسهل الذي من خلاله يستطيع المواطنون التخلص مما عليهم من مهام على حساب الآخرين، بُعث لنا مسؤولون يتهربون من وظائفهم ويتناسون واجباتهم التي هي أصلًا سبب وجودهم على حساب المواطنين، على حسابنا. كما نكون يُسلط علينا من يحكمنا. لقد قبلنا بدفع الرشاوى لبعضنا بعضًا للتهرب من الأمور الجدية بدلًا من مواجهتها، كذلك هم نواب مجلس البرلمان لدينا مع الوزارء، فالعطاءات والعقود الباطلة التي يتفقون عليها ليست إلا لإنعاش مصالحهم. التعامل بالربا لم يكن من شيمنا عندما تحلينا بالقيم والأخلاق، وكذلك حكومتنا، فهي لم تكن مضطرة لاقتراض المليارات المتشربة بالفوائد، ولكن عندما اجتاحت تلك العادات والأنماط نفوس المواطنين، اجتاحت أيضًا نفوس من يمثلوننا، الوزراء والنواب، فكما نكون يسلط علينا.

مشكلتنا تكمن في عدم قدرتنا على رؤية المصاعب التي نواجهها في بعدين، فنحن نحكم على أنفسنا بنوايانا وعلى الآخرين بتصرفاتهم. هذا القصور وضعنا في مأزق لا مخرج له إلا من خلال إصلاح معتقداتنا وقيمنا. عندما يكون الفرد اليوم في مأزق بسبب خطأ ارتكبه أو بسبب ظلمه للناس كالسرقة منهم، يبدأ هذا الإنسان بالبحث عمن قد ينجيه من العقوبة التي يجب عليه مواجهتها لا التهرب منها، فإن وجد مبتغاه، فر من الجزاء ونجا على حساب المظلومين. وبعدها نجد هذا الشخص وأمثاله يطالبون بحقوقهم وحرياتهم ويريدون تطبيق مبادئ الفصل بين السلطات حتى لا يتعامل النائب مع الوزير بالواسطة والمحسوبية! نعم، هذا هو الجهل بعينه. إن أردنا أن نطبق الدستور والكتاب فلنطبقه كله أو لا نطبقه. شعبنا يريد أن تكون معاملاته بين بعضه بعضًا خارج نطاق النظام وفي نفس الوقت نريد من الحكومة أن تعاملنا بالدستور! معظم النواب الذين انتخبوا من قبل الشعب انُتخبوا لأنهم وعدوا منتخبيهم بالوظائف والامتيازات. إنما لو نظرنا إلى وعود الوظائف التي وعدونا بها سنجد أننا لا نستحقها أصلًا، ولكن نظرًا لمصالحنا فإننا وافقنا عليها وانتخبناهم. النواب أيضًا وافقوا على العروض التي قدمها الوزراء فانهارت البلاد. كما نكون يوَلّ علينا!

لو افترضنا أنك أيها القارئ في سوق تنتظر دورك لتدفع ثمن ما اقتنيته، ومن ثم جاء شخص من أقصى المحل إلى أول صف في الدور ليدفع ثمن ما اقتناه ويذهب، هل سنشعر بالغضب حينها؟ حتمًا نعم، وبمقدار الغضب الذي شعرنا به يكون سعادة لمن اجتاز ذلك الدور بسرعة البرق. لو عكسنا الصورة تمامًا وافترضنا بأنك أنت في أقصى المحل، وابن عمك هو الذي يبيع البضاعة في ذلك المحل، هل ستذهب إليه مجتازًا كل الناس حتى تنجز أمورك بأسرع وقت ممكن؟ حتمًا ستفعلها! عادة ما نبرر السلوكيات الاخلاقية التي نصنعها بحسن نوايانا، أما عندما ينعكس الحال فإننا نتهم الآخرين بالظلم والسقوط. هذا هو حال غالبية المواطنين في البلاد؛ نتهم الحكومات التي نحن وضعناها!

المجالس وضعت ليملأها المنتخبون من شعبنا، نحن نختار من سيفوز ومن سيخسر، مبادئنا في الحياة هي التي تقرر لمن نعطي صوتنا. إن أردنا الوظائف فإننا سننتخب من يعدوننا بها، وإن آمنا بالإصلاح السياسي والنهوض، فإن فرصة اختيار المصلحين موجودة، ولكن نفوسنا لا تريد.

إن أردنا حقًا النهوض والإصلاح فلنصلح أنفسنا ولنعلم أبناءنا ما الذي يجب صنعه وما الذي لا يجب فعله. لماذا لا نحيا بالقيم التي كنا عليها في الأمس. نحن نفتقر إلى القيم، وكذلك الذين ولاهم الله علينا يفتقرون إلى الضمير، فإن نهضنا بقيمنا وأصلحنا أنفسنا سنجتاز المرحلة التي نحن فيها. لماذا لم نعلم أبناءنا الأخلاق الحميدة كما درسناهم العلوم؟ إن أردت أن تبدأ بإصلاح هذا المجتمع، فعلى الأقل ابدأ بالذي هو أقرب إليك؛ أولادك وإخوانك. يجب علينا أن نعلم بأن مسؤولية النهضة بالمجتمع هي مسؤوليتنا نحن. عندما نرمم قيمنا وأخلاقنا نصبح قادرين على بناء الوطن الذي نطمح إليه، وطنًا متحدًا عادلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد