لطالما كانت الموسيقى مرآة المجتمع، يحكى المغنى من خلالها قصص دولته الشعبية وأساطيرها، وأيضًا تتغنى بجمالها، ولربما حكى عن معاناة شعبها، وبالأخص شبابها، وكلما اقترب المغنى فى أغنياته من وصف المستمع وأحاسيسه ونقل شعوره بصدق كلما راق إلى مستمعيه أكثر، وكلما حظيته موسيقاه بالقبول لدى المستمعين، وربما تجسد حب المستمعين المصريين على وجه التحديد في حمزة نمرة الذي ذاع سيطه منذ الألبوم الأول له (احلم معايا)، والذى صدر عام 2009، وازداد حب الجماهير أكثر بتتابع الألبومات، فربما أصبح من أكثر المغنين المستمع إليهم فى مصر العام الفائت بعد تخطي أغنيته (داري يا قلبي) الصادرة عن الألبوم الأخير (هطير من تاني) حاجز الـ100 مليون مشاهدة على منصة «يوتيوب».

حمزة نمرة ولد في أبها بالسعودية في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 1980، ولكنه عاش فى مصر معظم حياته حتى رحل إلى المملكة المتحدة التى يعيش فيها حاليًا، بدأ اهتمامه بالموسيقى مبكرًا، التحق بالفريق الغنائي (الحب والسلام) عام 1999 حتى استقل عنه بعد عامين فقط، ليقوم بإنشاء (نميرا) فريقه الغنائي الخاص الذي كان عازف جيتار ومغنيًا بها، لم يستمر الفريق الغنائى طويلًا؛ فقد استمر حنى عام 2004، لتبدأ مسيرة حمزة نمرة الفردية بألبوم (احلم معايا) من عام 2006 حتى إصداره 2009 من إنتاج شركة تسجيلات (أوايكننغ)، لتبدأ مسيرة جسد من خلالها الشاب المصرى المار بظروف سياسية واقتصادية متدهورة.

ورغم تلك الظروف الصعبة نوعًا ما على الشباب المصري وقتها، إلا أن ألبوم (احلم معايا) تضمن بعض الأغانى الملهمة، الدافعة للشباب على النهوض والعمل، بالطبع أشهرهم الأغنية التي حملت نفس اسم الألبوم (احلم معايا)، والتي كان مطلعها:

«احلم معايا ببكرة جى ولو مجاش إحنا نجيبه بنفسنا

نبدأ نحاول في الطريق كتر الخطاوي تدلنا على حلمنا»

وغيرها من الأغاني الأخرى التي تضمنها الألبوم منها (يا طير) (يارب).

ولكنه لم ينس كذلك ما قد نال شباب مصر من الغربة التى أصابت بعضهم أملًا فى الحصول على حياة كريمة، فغنى فى ذلك أغنيته (التغريبة 1)، ولم ينس ما أصاب الآخرين من خنوع وتكاسل؛ فجسد ذلك في أغنيته (وأنا في طريقي بجري)، فكان ذاك الألبوم كنظرة ثاقبة على المجتمع المصري المنقسم بين مهاجر غريب خارج بلاده، وآخر غريب داخلها، متخبط، تائه، غارق في مشاكله وهمومه، ولكنه أيضًا كان كبسمة دافئة بأنه ما زال عليك المحاولة، ما زال بإمكانك، وما زال يتوجب عليك النجاح.

ثم جاءت ثورة يناير (كانون الثاني)، لتحقق ذلك الأمل الذي قد أعطاه حمزة مسبقًا في ألبومه الأول، وذاع سيطه أكثر من خلاله ألبومه الثاني الصادر في عام الثورة 2011 (إنسان) ليطغى عليه الجانب الوطني من خلال أغنيات (الميدان) و(ابن الوطن) و(بلدي يا بلدي) و(هيلا هيلا يا مطر) و(اسمي مصر)، ولكن حمزة نمرة لم ينس شباب مصر المغترب، وذلك من خلال أغنيته (التغريبة 2)، وكذلك لم ينس النظام المخلوع أيضًا من خلال أغنيته (دوري) ليصبح ألبوم (إنسان)، الألبوم الأكثر مبيعًا لحمزة نمرة.

ليقل ظهور حمزة نمرة تتابعًا مع الأحداث المضطربة لمصر بعد ثورة يناير، فيبتعد حمزة نمرة أكثر وأكثر عن واقع الأحداث المصرية وعن الشعب المصرى، ثم يصدر أخيرًا الألبوم الثالث عام 2014 الذي قدم فيه حمزة نمرة أنواعًا مختلفة من الموسيقي العربية بين الموسيقى النوبية والبدوية (الأمازيغية) والمغربية وأخرى باللغة العربية الفصحى، ولكن حس حمزة نمرة بالشباب المصري لم يبتعد كثيرًا كما ابتعد هو عن الأجواء المصرية، فأغاني مثل (أي كلام) و(اسمعني) و(كله بيعدي) عبرت بشكل مختلف عن الأجواء المصرية المشحونة بين شباب مصر الذي أًصبح مليئًا بالهموم، ومكبلًا بالأحلام التي لم تتحقق والأهداف التي قامت من أجلها ثورة يناير، وضحى من أجلها الشباب بأرواحهم ودمائهم، لتمنع أغنيات حمزة نمرة على أثره من البث على محطات الإذاعة بقرار من رئيس الإذاعة المصرية عبد الرحمن رشاد، ويتم إيقافه من خلال نقابة المهن الموسيقية بتهمة إهانة رئيس الجمهورية والشرطة والجيش، وكان موقع العقوبة رئيس اللجنة مصطفى كامل قد زاد القرار من شعبية حمزة نمرة أكثر وأصبح أحد رموز النضال ضد النظام، أو ربما اعتبره جماهيره كذلك.

ظهر حمزة نمرة في نفس العام من خلال ألبوم المسحراتي، وفى عام 2016 من خلال برنامج (ريميكس) على قناة العربي، والذى قدم فيه أغاني تراثية عربية مثل: (ومال المقادير) و(يا ظريف الطول).

لتتحول رواية (احلم معايا) التي نادى بها حمزة نمرة وقت ظهوره الأول إلى (داري يا قلبي) وتتحول أصداء (بلدي يا بلدي) إلى (ولا صحبة أحلى) ليجسد حمزة نمرة ما وصلت إليه مصر، وما قد وصل هو إليه من الغربة والوحدة في بلاد الإنجليز الباردة البعيدة.

وذلك من خلال ألبومه الأخير وهو من إنتاجه الخاص (هطير من تاني)، والذي صدر عام 2018.

رحلة حمزة نمرة تجسد رحلة فنان أبدع في وصف شباب مصر والمراحل التي مر بها شباب مصر، رحلة توضح كيف عانى شباب مصر وكيف ما زالوا يعانون، ما هي مشاكلهم، وكان دائمًا الملهم والمحفز لهم، رحلة حمزة نمرة ليست رحلة لمغنٍّ، بل هي رحلة شباب مصر بأكمله، ورغم اليأس والوحدة والحزن الطاغين على ألبومه الأخير، إلا أنه أبَى أن ينهى ألبومه إلا كما اعتاد مستمعوه على تلك البسمة الدافئة بأغنية (هطير من تاني)، ليستمر الأمل رغم ما في مصر من نقيضه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد