الصورةُ العامة «خبر اعتقال مطلوبين»، تقترب الصورةُ أكثر «قاموا بعمليات إرهابية»، تنتهي الصورة عند «واعترفوا بجرائمهم». مشاهدُ إخباريةٌ تتكرر كلَّ يومٍ على شاشة القناة الحكومية، ينظر إليها المتابعُ ولسانُ حاله يقول: إذا كل يوم يُلقى القبض على كل هؤلاء فمن يقوم بهذه التفجيرات المتكررة؟

رأيت أنّ الموضوع يستحق الدراسة كما فعل لومبروزو في نظريته، ووجدت ما يعرفه معظم الناس أي أنني لم آتِ بجديد، لكنّ التساؤل هنا. لماذا يعرف الجميع أنّ الظلمَ يولّد ظلمًا، وأنّ لكل فعل ردَّ فعل، ورغم ذلك يستمرون في أفعالهم!

في أثناء حديثي مع رجالٍ تعرضوا لعمليات اعتقالٍ من قبل قوات أمريكية وعراقية على مدى آخر ١٣ عامًا، اطّلعت منهم على قصصٍ مختلفة، وفيها من القساوة ما يكفي لتتوجع بكلّ جملةٍ يلفظونها، من الصعب أن تكون مظلومًا وأن تخسر من عمرك سنواتٍ في مكانٍ تُمارس فيه ضدك أقسى الأفعال التعسفية.

«أجيبك للدرب گتلك أجيبك» أولى الكلمات التي أجابني بها محمد حين سألته عن قصة اعتقاله، ظننته يغنّي قال: لا هذا أول ما تذكرته حين سألتني، فقد كانوا يغنّون فوق رؤوسنا جميعهم حين أخذوني أنا واثنين من أعمامي من بيتنا في بغداد، وساروا بنا في الشارع وهم يغنون ويطلقون العيارات النارية، كان ذلك في ٢٣ يوليو/ تموز عام ٢٠٠٥ في الساعة ١١:٤٥ ليلًا، ولن أنسى ذلك التاريخ ما حييت، كان بيتنا ينعم بالكهرباء، لكون العمارة التي فيها البيت مرتبطةً بإحدى السفارات، وهذا ما دفع أعمامي وأطفالهم للمجيء إلينا والمبيت عندنا، لأنّ بغداد كانت تعاني من شبه انعدام للتيار الكهربائي، اقتادتنا مغاويرُ الداخلية إلى معسكر، وبعد أن وصلنا هناك قام أحدُ الضباط بسؤالنا الواحدَ تلو الآخر عن الاسم الرباعي واللقب، وبعد أن عرفوا أننا من أهل السنّة بدؤوا بسبّ صحابة الرسول وأمّ المؤمنين عائشة، وعندما ذكر الضابط اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال عمّي سلام الله على أبي الحسن، ردّ الضابط بضرب عمّي على ظهره.

تم حجزنا بغرفة ظلماء سمعنا شخصًا يتنفس داخلها، لكننا لم نتكلم خوفًا منه، كان الغبار يغشّي الأرض والحرّ شديد وأجسادنا تنضح عرقًا. في الصباح زجّ بنا في غرفةٍ مليئةٍ بالمعتقلين يصعب فيها النوم أو الحركة، حين حاولت النوم أزعجتني وسادتي لكثرة الأصوات التي تصدرها فقد كانت زجاجة ماء بلاستيكية، فقمت باستبدالها بطابوقة.

سألت محمد عدة أسئلة جالت بخاطري، فكانت جميع أجوبته مؤلمة، وسرد لي قصصًا لمعتقلين جميعهم أبرياء اتّهموا بالإرهاب. يقول إنه حين أفرج عنه في ٤ من سبتمبر/ أيلول عام ٢٠٠٥ رمتهم سيارةٌ تابعةٌ للسجن في الشارع، وكان حافيَ القدمين فبدأ بالركض دون الاكتراث لحرارة الأرض، ثم صمت، وقال تلك كانت أسوأ أيام حياتي.

بتاريخ ١١ / ١٠ / ٢٠٠٦ كان خالد وابنُ عمه يسيران على الخط السريع بسيارتهم قرب الغزالية غرب بغداد، حيث تعرّض رتلٌ للقوات الأمريكية لهجومٍ من قبل المقاومة، فقام الأمريكان بقطع الطريق وبدؤوا بإطلاق النارِ على جميع السيارات المتوقفة، أصيب خالد ومن معه ثم نجَوا بأعجوبة بعد احتراقِ سيارتهم، يقول: بعد تركنا لأكثر من ساعة ننزف جمعَنا الأمريكان في بيتٍ قريبٍ من الشارع، وكان عددُنا يتراوح بين ١٢ إلى ١٥ شخصًا بيننا ٣ نساء، واحدةٌ منهنّ كانت إصابتُها في بطنها وأخذونا إلى المطار. بقيت بمحاجر المطار لمدة ١١ يومًا في سجن انفرادي، وفي التحقيق يبلغون ابن عمي بأنّي اعترفت، ويبلغونني أنّ ابنَ عمّي اعترف، والمغزى من ذلك أن نعترف بمهاجمتهم، مكثت ٣ أشهر في السجن عند الأمريكان، ووقتها كان عمري أقلّ من ١٨ عامًا، حيث وضعوني مع الأحداث ثم حُكم عليّ بالسجن لعامٍ ونصف العام، وقبل انتهاء مدةِ حكمي بأيام جاء التمييز إعادة حكم، وإذا بهم يحكمون عليّ بالسجن ١٠ سنوات وفق المادة ٤ إرهاب، لكن والحمد لله وكّل أهلي محاميًا للدفاع عنّي وأفرج عني لكنهم اعتقلوا أبي وأخي بعدي بأيام بحملة اعتقالٍ عشوائي طالت منطقتنا، وأفرج عنهم بعد ذلك بالعفو العام، كان أصعب شعور لدى خالد في السجن عندما يذاع أن يوم غد أول أيام العيد، حيث يبدأ بالبكاء ويتذكر أهله ولمّة العيد، يصف السجن بأنه أفضلُ بيئةٍ ليحقدَ الرجلُ على الدنيا، ويرى الأمورَ بمنظار المظلوم الذي أريد الإيقاعُ به لأنه عدوٌ لهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق, بغداد
عرض التعليقات
تحميل المزيد