في هذه السنة العصيبة قررت أن أتخذ قرارًا حاسمًا، وأن أستثمر في سهم شركة «تسلا» خلال أصعب سنة في الأسواق المالية منذ الأزمة الاقتصادية في ثلاثينات القرن الماضي. وقد ربحت في هذا الاستثمار أكثر من 16 ألف يورو، أي ما يقارب 20 ألف دولار في عدة أشهر فقط. ولذلك قررت أنها قد تكون خطوة إيجابية في مشاركة ما تعلمته خلال السنة الماضية، والتي أتمنى من خلالها أن أساعد الجميع من خلال مشاركتي لأهم الدروس التي تعلمتها. هذه بعض منها:

اتخاذ القرار

دائمًا ما نجد اتخاذ قرار ما صعب للغاية بسبب غريزتنا البشرية، والطبيعية جدًا، والتي تجعل الإنسان يشكك في صحة قراره بسبب الخوف الشديد والمنطقي من ارتكاب الخطأ والمجازفة. ولكن تنص القاعدة الأولى في عالم الأموال والاستثمار: لا يوجد ربح مجاني، أو مقابل كل فرصة هناك مجازفة. في عصرنا اليوم أصبح الجميع مهووسًا بأن تكون قراراته مثالية ولا يشوبها أي خطأ، وذلك في نفسه خطأ. إن التعلم الحقيقي يأتي من خلال الفعل والتحسن مع التجربة، ويجب أن لا يقع الإنسان في فخ التفكير الدائم والتحليل المهووس، الذي سيحول بينه وبين اتخاذ قرارات حاسمة في الأوقات المهمة والتي تتطلب شخصية حاسمة. ولكن هذا لا يعني بالمطلق أن لا تأخذ وقتك في دراسة ديناميكيات السوق، أو ما حولك باستخدام قدراتك التحليلية. عليك إيجاد التوازن بين الاثنين.

إن المجازفة الحقيقية لا تأتي فقط من شعورنا بعدم معرفتنا الغيب أو المستقبل، ولكن أيضًا عدم فهمنا لما نستثمر به (قيمته الأساسية). ولذلك فإن أردت أن تستثمر في سهم معين، أو نوع معين من الأصول، فقم بالبحث بأقصى درجة ممكنة، بحيث تبني من خلال بحثك ثقة عالية بنفسك وبمعرفتك تجعلك قادرًا على أن تحكم بنفسك ما هو مهم وما هي درجة أهميته في الوقت المهم. إن أردت أن تتعمق أكثر في تحليل قيمة أصل ما، فأنصح بشكل كبير كتاب التحليل التقني لمارتن برينغ والذي يتيح للقارئ فهم العديد من الأدوات الرياضية التي ستمكنه من تحليل ديناميكيات السوق. وبعد عدة أشهر من البحث والتحليل، قررت الاستثمار في سهم شركة تسلا بسبب إيماني الشديد بهذه الشركة التي لا تصنع سيارات كهربائية فقط، ولكن أيضًا ألواحًا شمسية، وبطاريات متقدمة مختلفة جدًا عن تلك المتواجدة في السوق.

ومن المهم أيضًا القول إن العامل الأهم والسبب الأكبر في استثماري في تسلا ليس المنتج نفسه فقط، بل أيضًا إيلون ماسك، وهو رجل عبقري أسس شركة «باي بال» و«إسبيس إكس» (التي تنافس ناسا الآن) وغيرها من الشركات ومنهم تسلا. الرجل قد يبدو غريب الأطوار بالفعل في بعض الأحيان. ولكن ليس باستطاعة أحد أن ينفي أن هذا المخترع ليس بالعبقري، أو أنه لم يغير العالم بطريقة ستغير طرق تنظيم مجتمعاتنا البشرية. ولهذا قررت أن استثمر في شركته إيمانًا بالمنتج الفكري لماسك، واستشرافًا للمستقبل الواعد للشركة، والذي ربما ستسيطر فيه هذه الأخيرة على سوق السيارات الكهربائية بشكل كبير وبشكل احتكاري ربما. سعر سهم تسلا الواحد الآن، بحسب المقاييس التقليدية وبحسب رأي أغلبية المحللين الذين يعملون في أكبر البنوك وشركات الاستثمار، غال جدًا ومبالغ به جدًا لأن الأرباح والمبيعات التي حققتها تسلا هذه السنة لا تبرر وصول سعر السهم الواحد لهذا الرقم المهيب. ولكن علينا أن نفكر في الأمر بطريقة مختلفة، وهو أن تسعير سهم تسلا لا يعكس بشكل أساسي ربح ونجاح الشركة هذه السنة فقط، فتلك نظرة محدودة. إن تسعير سهم تسلا الآن يعكس ثقة العامة والمجتمع المستثمر بشكل عام بقدرة تسلا على أن تكون كأمازون المستقبل في سوق السيارات الكهربائية والطاقة بشكل عام: ضخمة، مربحة، مسيطرة ومحتكرة. إذ كلما ارتفعت ثقة وتوقعات المستثمرين بمستقبل تسلا، كلما استثمروا أكثر بأسهمها، وبالتالي يزداد الطلب على أسهمها ويرتفع سعر السهم الواحد كنتيجة.

مسابقة كاينز للجمال

هو مفهوم ألفه جون ماينارد كاينز، عالم الاقتصاد البريطاني في كتابه النظرية العامة في العمل، الفائدة والمال في الفصل 12 بالتحديد، عن كيفية الفوز في مسابقة يطلب فيها من الجمهور الحكم بالترتيب على عدة نساء جميلات، وأن يحكم الجمهور بشكل فردي من هي الأكثر جمالًا، والذي يستطيع فعل ذلك سيفوز بجائزة مالية. إستراتيجية الفوز في هذه المسابقة، يقول كاينز، هي أن لا تحكم أنت بشكل فردي من هي الأكثر جمالًا، لأن رأيك قد يخالف رأي الأغلبية وإنما عليك بالضبط أن تختار المرأة الجميلة التي تعتقد أن الجميع أو الأغلبية ستختارها. هناك مبدأ آخر أيضًا مرتبط بالمفهوم السابق وهي تجربة أقيمت عام 1907 في قرية بريطانية من قبل العالم فرانسيس دالتون. إذ طلب من الجمهور أن يخمن وزن بقرة معينة والذي يستطيع أن يخمن وزن البقرة، سيفوز بالجائزة. خمن العديد من المتواجدين بأرقام تلوح بين 20 كجم و700 كجم ولم يستطع أي فرد أن يخمن وزن البقرة بشكل قريب من وزنها الحقيقي.

ولكن المثير للاهتمام هو حينما جمع العالم دالتون التخمينات كلها وأخذ متوسط كل الأرقام، وجد أن متوسط تخمينات الجميع يبعد فقط عدة خانات عشرية عن وزن البقرة الحقيقي. بحسب قوانين ومبادئ علم الإحصاء الرياضي والتي تنص على أنه كلما كان جمهور عينة التجربة أكبر، كلما استطعت أن تأخذ رأيًا أكثر تحديدًا، وأكثر صوابًا لأنها ببساطة، حكمة الجمهور. بأخذ المتوسط، رأي عقول الأغلبية يلغي الآراء المتطرفة مثل 20 كجم أو 700 كجم. ولكن أهم شرط في هذا المبدأ أن يضم الجمهور الجميع بشكل عشوائي، من كل الخلفيات الاجتماعية والعرقية والاقتصادية وغيرها. إذ كلما كانت عينة الجمهور عشوائية ومتنوعة، كلما كان توقعهم أفضل، ولكن المشكلة في هذا المبدأ أيضًا أنه في بعض الأحيان لا يجب أن تتبع رأي الأغلبية لأنهم قد يتعرضون لنفس المنبهات أو لنفس الضغوطات والتأثيرات كمتابعة نفس قنوات الأخبار مثلًا والتي قد تنشر أخبارًا مفزعة بأن السوق مثلًا سيتعرض لأزمة مالية حادة قريبًا، وبالتالي سيولد ذلك هستيريا جماعية يتبع فيها الشخص للأغلبية ويقلد كل شخص للآخر، وسينهار السوق بالفعل، في حين أنه كان ربما مجرد تخمين غير موفق من القناة. كأنها نبؤة تحقق ذاتها. إن الاستثمار فن وعلم، ويتطلب منك أن تحكم متى تتبع رأي الأغلبية ومتى يجب عليك أن تتحداه من خلال البحث، الطريقة العلمية وفي الكثير من الأحيان من خلال الاستعانة بحدسك فقط، شريطة أن يكون حدسك مبنيًا على معرفة كبيرة ومنطق تحليلي.

في هذا المثال استثمرت في تسلا لأني اعتقدت أنه خاصة بعد عام اضطرت فيه العديد من الدول أن تغلق حدودها واقتصاداتها، وتأثرت بشكل كبير جدًا طرق التجارة، وخاصة إمدادات الوقود والنفط، شعر العالم فجأة بأن الحياة الاقتصادية على هذه الأرض ليست مضمونة، وليست متينة بما فيه الكفاية، وأن الحياة نفسها هشة، وأن اعتمادنا الأساسي اليومي على النفط والوقود يكشفنا بشكل خطر جدًا بحيث حياتنا الاقتصادية الهشة، وبالتالي الاستقرار السياسي والاجتماعي مهدد كلية. وأعتقد أن السيكولوجيا النفسية للعامة أجبرت الجميع على الاستثمار بهذه الشركة الموعودة لهذا السبب بالتحديد: إيمانًا أن في المستقبل القريب جدًا سيتقدم العالم وسيتخلص من اعتماده على الوقود والنفط، وسيغير من فلسفة فهمه للطاقة ومواردها وأهدافها وكيفية تنظيم المجتمع بشكل عام بسببها.

ملاحظة: يمكن تفسير السلوك الحالي للدول الخليجية بشكل جزئي، وهي أن المصالح الاقتصادية تأتي قبل المبادئ السياسية والوطنية، بالضبط لأن عائدات النفط هذا العقد انخفضت بنسبة %50 تقريبًا وعلمهم أنهم إن لم يغيروا من البنية التحتية لاقتصاداتهم والتي تعتمد بشكل أساسي جدًا ومقلق على النفط وعائداته، فلن ينجو خلال المرحلة الاقتصادية القادمة التي ستعتمد على مصادر الطاقة الأخرى.

التكنولوجيا

استثمرت في تسلا لعدة أسباب تكنولوجية والأولى لأنها اليوم تعتبر الشركة الرائدة في صناعة سيارات كهربائية تعمل على تكنولوجيا حاسوبية متقدمة. إذ بإمكان تسلا أن تحدث «السوفت وير» لدى كل سيارة تسلا في العالم في أي مكان في العالم إن كانت متصلة بالإنترنت لتحديث لوغاريتمات برمجتها وجعلها متقدمة تكنولوجيًا أكثر وتحسين أداء السيارة؛ مما سيغير نظرتنا تجاه السيارة كاستثمار مستمر يتحسن مع الوقت. والسبب الثاني هو أن تكلفة البطاريات التي تصنعها تسلا ستنخفض بشكل سنوي بشكل كبير. إذ بحسب قانون ثيودور رايت، كلما زادت عدد الوحدات التي تنتجها شركة ما، كلما قلت تكلفة إنتاج كل وحدة على حدة وكلما اكتسبت تسلا خبرة أكبر في كيفية تقليل التكلفة الإنتاجية. وأخيرًا شركة وايمو التابعة لجوجل تمتلك فقط عدة مليارات من الكيلومترات من الشوارع والطرق المخزنة على شكل بيانات ومعلومات في مراكز تخزينها المعلوماتية للتحليل ولبرمجة سياراتها على أن تقود نفسها. ولكن تسلا تمتلك تقريبًا 20 مليار ميل ويعود ذلك على وجود أجهزة تحليل الطرق والشوارع في كل سيارة تسلا وترسلها إلى مراكز الشركة لتحليلها ومعالجتها. ذلك سيمكن تسلا من تحليل هندسة شوارع وطرق أكثر تعقيدًا، والذي سيسهل من قدرة تسلا على الوصول لهدفها النبيل والأكبر، وهو أتمتة كل سياراتها، وجعلها تقود نفسها أوتوماتيكيًا دون أي تدخل بشري من السائق.

الوعي: الانحيازات الفكرية

يجب التخلص من العديد من الانحيازات الفكرية التي لدينا. فعلى سبيل المثال، إن السعادة التي تصطحب ربح 10 دولارات على استثمار معين أقل بكثير من الندم والحزن الذي يصاحب خسارة 10 دولارات، مع أنها نفس الكمية (اقرأ الجملة مرة أخرى). مثال آخر: يؤمن العديد من الاقتصاديين، في أفضل الجامعات حتى، أن ديناميكيات السوق منطقية ولها سلوك منطقي دائمًا. بحسب ما لاحظنا خلال هذه السنة في الأسواق المالية وسلوكها، هذه النظرية تنهار بالكامل تقريبًا. مثال ثالث: وهم الخبرة. عليك أن لا تستمع لأولئك الذين يعتبرهم المجتمع بالخبراء بشكل أعمى أو لما تعتبرهم بعض القنوات الإعلامية كخبراء. اقرأ عن تاريخ الباحث والخبير، اقرأ عن خبرته، اقرأ الأوراق البحثية التي كتبها، عن تعليمه، اقرأ عن تاريخ عمله عما إذا كان يعمل مثلًا في شركة منافسة لشركة أنت تريد أن تستثمر بها، ولأن هنالك احتمالية أن رأيه عن الشركة التي تريد أنت أن تستثمر بها سيكون رأيًا سلبيًا يخدم مصلحته الشخصية. والمثال الأخير هو انحياز المألوف: إذ يستثمر الكثيرون في أسهم شركات يشترون بضائع منها بشكل يومي، أو يعرفونها لأن صديقًا لهم أخبرهم عنها، أو سهم شركة معينة تعمل في بلدهم فقط لأنها ببلدهم، دون إجراء بحث عن تاريخ الشركة أو صحتها المالية. يجب أن تستثمر في الشركات التي لها، أو سيكون لها، بصمة عالمية وبإمكانها تغيير الواقع الحالي.

الحظ

تركت هذا الدرس للنهاية؛ لأنه عامل غامض جدًا في حياتي وحياتنا جميعًا، وما يفاجئني حقًا هو ندرة التكلم عنه، على الرغم من تأثيره المهيب ليس فقط على الصعيد الفردي، ولكن الدولي والعالمي أيضًا. أنا أعتقد أن إيلون ماسك، جيف بيزوس، ووارن بافيت، وغيرهم تحالف الحظ معهم بشكل كبير، حتى إن رفضوا هم أن يعترفوا بذلك. ينحاز الجميع لأننا بشر إلى تفسير أحداث الماضي ونجاحنا بطريقة تناسب مخاوفنا وانعدام أمننا لنؤمن حقًا أن في النهاية قدرتنا وذكاءنا ومعرفتنا، وليس الحظ، بالفعل الأسباب الوحيدة خلف نجاحنا لأننا نحاول أن نطمئن أنفسنا أن نجاحنا من صنعنا نحن. لا يوجد هناك بحث علمي يوضح مدى ودرجة تأثير الحظ على حياة كل واحد منا لأنه عامل يصعب دراسته وتحليله، ولكننا نعلم جيدًا في داخل كل واحد منا أن الحظ يلعب دورًا مركزيًا في حياتنا. وبالتالي ربما أفضل طريقة للتعامل مع هذا العامل هي عن طريق تذكر اقتباس معين: يقول توماس جيفرسون: أنا أؤمن بشكل كبير في الحظ، وأؤمن أني كلما اجتهدت أكثر في حياتي كلما زاد حظي.

خلاصة

طبيعة العالم متقلبة وغير ثابتة. لو كان هناك كتاب مليء بالقواعد الثابتة غير المتغيرة، لما اضطررت لكتابة هذا المنشور، ولما اضطر أحد أن ينشر أي شيء، ولكانت الحياة مملة وثابتة ومتوقعة. يقول الطيار البريطاني هاري داي: القواعد خلقت لكي تطاع من قبل الأغبياء، ولكي ترشد الحكماء. علينا تغيير فهمنا للقواعد والنصائح وسقف توقعاتنا لها. نصيحة ما، أو قاعدة، أو مبدأ معين، ربما كان صحيحًا، أو منطقيًا في فرنسا عام 1950، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كذلك في فلسطين مثلًا عام 2020. اقرأ الكثير من الكتب، وابحث، وتعلم، واكتسب أدوات، ودروسًا مرشدة يمكن الاستعانة بها، بحسب تحليلك ومعرفتك، في أوقات مناسبة، ولكن لا تتبعها بشكل أعمى، وطبقها بما يتناسب مع السياق المناسب لك في الوضع المناسب، كالاستثمار، أو اختيار التخصص الجامعي، أو اختيار وظيفة ما.

إن إيماني بهذه المبادئ ساعدني، إلى جانب الحظ دون شك، في انتهاز فرصة مناسبة، وفي وقت مناسب، واستطعت من خلاله إنتاج ربح كبير في فترة زمنية قصيرة. لا يجب توفير كل أموالك وثرواتك. بل استثمر جزءًا كبيرًا منها، ولكن بتأن وبحث مجتهد، ومنطق صارم، ومنهاج تحليلي متكامل الأطراف، ووقتها إن اضطررت إلى استخدام حدسك، فلن يكون اعتباطيًا، بل حدسًا منطقيًا مبنيًا على معرفة واسعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد