السؤال في الحقيقة لطيف للغاية، ومن فترة طويلة لم أجد سؤالًا بهذه الصيغة؛ حيث إن السائل يبحث عن الغاية لا عن الطريق، وهذا نادر في الأسئلة العامة، سواء هنا، أو في أي مكان آخر.

عمومًا هناك فارق كبير بين أن تعرف ماذا حدث؛ لأنه عليك أن تعرف ماذا حدث؛ لأنك ستقوم بالاختبار فيه، ومعرفة وقياس مدى معرفتك تلك والجدوى منها، وبين أن تعرف ماذا حدث؛ لأنك ترغب في ذلك فعلًا، وتود معرفة ما الذي حدث لتروي شغفك من تلك المعرفة.

قراءة التاريخ مثل الدراسة، ليست بالأمر اليسير، ولا اللطيف، ولا المحبب؛ لأسباب كثيرة، سأحاول أن أسردها من وجهة نظري الشخصية.

أنت مطالب باعتبارك طالبًا أن تقوم بفهم تاريخ العالم كله، في ظرف أربع سنوات؛ لذا في خلال سنوات دراستي كنت مطالبًا بأن أدرس، وأتقصى، وأعرف تاريخ الأمم القديمة[1] من فراعنة، وإغريق، ورومان، وأشوريين، وبلاد العرب، ومن ثَمَّ انتقلت لمرحلة تالية لمعرفة التاريخ الإسلامي والأوروبي الوسيط، والحروب الصليبية، وحركة النهضة، ثم ختمت دراستي بمعرفة التاريخ العربي الحديث، والمعاصر، وتاريخ آسيا وأفريقيا، وأوروبا الحديث، والمعاصر، كل ذلك أنت مطالب بمعرفته فقط، ويتم اختبارك فيه؛ لا لكي تعرف ماذا حدث، أو حتى كي تحاول الربط بين الأحداث كلها.

أنت مطالب باعتبارك طالبًا أو دارسًا أن تقوم بالمعرفة السطحية، دون أن تقوم بخدش ذلك السطح أبدًا؛ لأنك لن تجد الوقت لذلك، ولن يتفهم أحد أو يساعدك بالغوص في ذلك، وسينظر لك أقرانك بأن ذلك مضيعة للوقت.

ستمضي سنوات دراستك وأنت طالب لا تفكر إلا في التخرج، فدراستك مثل دراسة الكثيرين فقط، لا يفكرون إلا عندما يتخرجون؛ ليعملوا سواء في نفس مجال دراستهم، أو في مجالات أخرى، لا علاقة لها بدراستك.

ستمضي سنوات دراستك وأنت تفرغ كل ما ملأوا به رأسك إلا القليل منه فقط؛ كي تستمر في سنوات دراستك، وأنت تبحث عن الكتاب التالي، أو الفكرة التالية، لن تجد مَنْ يعلمونك إلا مجرد أشخاص عابرين، سيمرون بك، وستمر بهم، دون أن تكتشف فعلًا ما الذي يملكونه من خبرة، يمكنك أن تستفيد منها كثيرًا لو فكرت فقط أنك موجود هنا، لتعرف أكثر من تاريخ دخول المسلمين مصر، وعدد الحروب الصليبية، والفرق بين إصلاحات يوليوس قيصر في روما، وإصلاحات باقي من حكموا روما.

أنا قضيت أربع سنوات في دراستي الجامعية في كلية الآداب، قسم التاريخ في جامعة عين شمس في مصر، وأمضيت سنة لاحقة خامسة متعلقة بالسنة التمهيدية للماجستير، لم أُجبر على كلية الآداب، ولا القسم، فقد اخترت كل شيء بمحض إرادتي فعلًا، واخترت ونسقت كل ذلك تقريبًا قبل انتهاء الثانوية العامة، وحتى فكرت في اللغة الثانية التي سأدرسها طوال الأربع سنوات، وهي اللغة العبرية؛ فقد دخلت الكلية ودرست التاريخ لشغفي بالمعرفة، ولأن أتعلم، لم يفرق معي ما الذي حدث، قدر ما فرق معي كيف حدث، لم ألتفت للتقديرات، ولا للدرجات، كل ما همني هو اكتشاف شغفي في الموضوعات، التي أحببت القراءة عنها.

أنهيت سنتي الجامعية الأولى ببحث حول كيف نشأت الدولة السعودية الثالثة، وهي الحالية، وكيف انتهت الدولتان المبكرتان؛ قمت بالقراءة والبحث فعلًا مثل الهاوي الذي يريد أن يعرف، ولديه الشغف، قرأت كتبًا عدة، واشتركت في الكثير من المكتبات – أذكر أنه كان لدينا معهد لبحوث الشرق الأوسط [2] في الجامعة، كان اشتراكه زهيدًا للغاية سنويًّا، وبه المئات من الكتب الجميلة، وتقريبًا قرأت رفوفًا كاملة منه في خلال دراستي؛ حيث كنت أحاول أن أبحث عن نقطة لأقتلها بحثًا، وأظل أستزيد منها حتى أشبع.

يكفي أن أخبرك أن ما قمت بدراسته باعتباري طالبًا، تم مسحه من ذاكرتي، وكل ما قمت بدراسته لأزيد ثقافتي فقد صحبني حتى اليوم، وما زلت أذكر حتى اللحظة كيف مارس يوليوس قيصر سلطاته، وكيف كانت فترته القصيرة في تاريخ روما مميزة، وما زلت أذكر كافة تفاصيل بحث تخرجي في السنة الثالثة، حول نهاية عهد بني الأحمر في غرناطة، وكيف انتهت دولة المسلمين في الأندلس، ومناقشاتي مع مشرفي دكتور خالد، وانبهاري المبكر بقراءات وفلسفة دكتور محمود إسماعيل والعديد ممن قاموا بالتدريس لي طوال فترة دراستي في الجامعة، لم أكن لأخطط لأن أستمر في السلك الأكاديمي، ولكني فعلت ما وجب عليّ فعله، وانتهيت من سنتي التمهيدية بصفتي طالبًا، وقمت بتسجيل رسالة الماجستير مع مشرفي، ولكن بعد فترة من الوقت شعرت بأن عليّ أن أتوقف؛ لأن شغفي بالتاريخ لن ينتهي برسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه، حتى ألغيت رسالتي، واكتفيت بالاحتفاظ بشغفي، وحبي للتاريخ.

إن كنت شغوفًا بالتاريخ، وتقرأه باعتباره ثقافة عامة؛ ثق أن ذلك سوف يدر عليك بالفائدة الكبيرة على عدة مستويات:

  • إن محبي التاريخ والمستزيدين منه ثقافةً، هم الأوعى سنًا، والأنضج تجربة في عمر قصير، يضفي التاريخ على محبيه نوعًا من أنواع الحكمة المستقاة من الدروس التي عرفوها من خلاله، لا أضفي على نفسي صفة الحكمة أبدًا، ولكن هناك مسحة من التؤدة تحيط بكل من اختار أن يثقف نفسه من خلال التاريخ.
  • هم أكثر هدوءًا من أقرانهم، ينظرون للأمور بشكل كلي، ومن ثم يفصلون النظرة بنظرات تفصيلية صغيرة مثل دروس التاريخ، أن تقرأ أولًا ما حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث؛ ومن ثم تبدأ بتفصيل ما حدث أين، ولِم، وكيف، ولماذا؟ وما الذي كان يمكن أن يحدث لو لم يحدث ذلك؟ والتغيّرات التي كان يمكن أن تتم، والتي كان من الممكن ألَّا تتم.
  • المحب للتاريخ يمكن له العمل باعتباره حكاءً وقاصًا وروائيًّا؛ لأن لديه سجلًا كاملًا من الأحداث، يمكن كذلك أن يعمل إن أحب التاريخ فعلًا بصفته ثقافة وموردًا متجددًا للكتابة، ومن الممكن أن يكون صحافيًّا بارعًا، فعدد كبير من الروائيين العظام هم خريجو قسم التاريخ، وعدد أكبر من الصحافيين البارعين هم خريجو قسم التاريخ.
  • أهمية دراسة التاريخ باعتباره ثقافة، هي مثل أن تتقن حرفة ما لدرجة الإبداع فيها، وتلك الحرفة تمكنك فعلًا من أن تتقن حرفًا أخرى كثيرة، وهكذا بمجرد أن تدرك أهمية أن تشكل ثقافتك بنفسك، تبدأ في طرح الأسئلة، والتخلي عن طلب الإجابات؛ لأنك مهما حرصت على أن تأتي بإجابات، ستكون هناك إجابات أخرى… وهكذا.

إن واتتك الفرصة أن تدرس التاريخ بأي فرع، فلا تثقل على نفسك في محاولة حفظ ما تدرسه، بل حاول أن ترتبه وتفهمه، وذلك سبب أدعى أن تفهم أكثر، وأن تهضم الذي تدرسه؛ فذلك سيشكل وعيك بشكل أكبر، ويزيد من ثقافتك فعلًا.

أذكر في مواقف كثيرة أن ثقافتي كانت بمثابة عمود الإنارة على طريق مظلم، فأذكر مرة أنني نجحت في الحصول على شيء ما أردته بشدة عن طريق مناقشة الشخص الآخر في الاجتماع حول دور مانديلا قبل خروجه من المعتقل، ليترأس جمهورية جنوب أفريقيا، ودوره بعد خروجه، وطرحت عليه وجهة نظري، وفندت له أسبابي؛ الأمر الذي أذهله أن مصريًّا يعرف بذلك الشأن الدقيق، ويتتبع دوره منذ ترأسه منظمة الشباب في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، حتى سجنه، ومن ثم قراءة آخر كتبه التي أصدرها، وقدمه الرئيس الأمريكي أوباما بنفسه.

في نهاية إجابتي التي طالت قليلًا، حاول أن تستزيد من دروس التاريخ في المناطق والفترات التي لديك شغف أن تقرأ عنها، وتعرف عنها، بالتدريج سيكون لديك الصورة الكلية لما لديك من الشغف عنه، بالتدريج ستكون لديك الصورة الكاملة، والثقافة المخصصة لك، وفيها النقاط التي تستهويك، لا تحاول أن تنهي درس التاريخ ببعض الأرقام والحقائق، بل حاول الغوص أكثر قليلًا، صدقني ستخوض تجربة ممتعة خاصة إن كنت تحاول البحث دومًا، عبر سبر أغوار قضية ما ذلك؛ سيساعدك لتشكل ثقافة مميزة ورفيعة، وسيتيح لك أن تتعلم مناهج بحث[3] الحياة نفسها، وسيظل لديك النهم لأن تعرف دومًا أكثر، مما هو مكتوب أمامك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد