المعارضة الناعمة والمعارضة المُختلقة!

بعد هروب المدى الطويل من العقود الحامِلة معها بالأحداث العاصفة والمتغيرات المتجددة والمستمرة، والتي من بعدها تشكلت وتكونت رؤية مصر أمام العالم وأمام شعبها الحليم بالصبر والمُسلم أمره لله. كانت في هذه الفترات الزمنية جميعها لا يعقب عليها، إلا رؤية تبغيها سُلطة حاكمة مُتمثلة في الرئيس وحده وإن شِئت تُطلق عليه على سبيل السُخرية: النظام الآمن لآمال شعب مصر الذي يتم تعظيمه على مدارات الخُطب المتنوعة ومن وراء عدم اعتبار!

فرؤية الحاكم دائمًا في المجتمعات العربية، والتي تُصنف من قبيل شرق المتوسط، غير قابل للاحتضار ما تكون رؤية حُكامه صائبة وباحثة لتوجهات شعبه دون مفصح لهم من أحلام مستصغرة على أرض الحياة الذين يكدحون فيها ليل نهار، حتى في منامهم يتوجسون خيفة للغد القريب الشانق لكل أمل يستحدثه فرد من أفراد الشعب، وكما هو الحال في مصر من بعد انقضاء الملكية وإعلان الجمهورية على صُنع من الضباط الأحرار المحررين أقلامهم لمطالب الشعب، حُلت الأحزاب وصودرت أموالها لتصبح المعارضة على سبيل المسمى الدافئ لتوجهات السُلطة الحاكمة.

حتى بدأت تتغير المفاهيم وتتجلي الاعتبارت الجديدة التي تحمل معها روائح من المبادرات الحزبية كمشاهدة حثيثة لحرية التعبير التي هي منبع قدير من داخِل كُل مواطِن، وكان ذلك في عهد السادات الذي ترفدت فيه عودة الأحزاب مُجددًا على السريان، إلى أن تقاعصت الأحزاب مجددًا على محمل من الإجبار بعد مناصرة الاتحاد الاشتراكي إبان حكم جمال عبد الناصر والسادات أيضًا، لكن المُناصرة كانت تحت مسمى آخر عقب يوليو (تموز) باسم الاتحاد القومي حتى رحب مُبارك بتمويه جديد لعودة الأحزاب بشروط مخصوصة، ليتبدد الاتحاد الاشتراكي في مُسماه الحديث، والاتحاد القومي في مسماه القديم، اللذان كانا إشعارًا للدولة إلى الأبد.

ومن هذا الوضع الذي ظل قائمًا لم يكن هناك سبيل حقيقي لمعارضة تنافح بأصواتها قرارات الدولة الغائبة عن حضارتها، فما كان إلا دولة الرئيس التي هي خاضعة لأوهامه في الرؤية وحده، دون الشعب أو القوى التي تقود فصيلًا من فصائله، اللهم إلا بعض التمشيات المسموح بها لمقاعد من البرلمان والانتخابات الصورية في مُسمياتها ومعانيها، مثل صناديق اقتراع النقابات المتعددة ومشاورة مُجتمعه من الحشود لترشيح فردًا بالتسلية لحمل عاتق لمقعد من مقاعد البرلمان، وكان في المُجمل المُطلق يُستعلم من الفائز لرجحان رضا السُلطة عليه، وهذا الأمر أصبح في مصر ظاهرة مُتبعة لا تنفصل عن تحقيق العدالة الاجتماعية لحاشية الرئيس المُمَثلة لهواه.

وأخيرًا بعد تطافُح أنظار الشعب لبطش أنظمة الدولة على مرئى ومسمع منه، وبعد المعارضة المُسماة المستمرة لبعض أصوات البرلمان الذي حُل أعضاؤه وإيداعهم السجون، وبعد تقلبات الأحداث عن مقتل فرد أو أفراد أو تزوير واقعة من الوقائع التي تضفي على الشرعية الدستورية عنوانًا لهلاكها وغيرها من التزاوير التى تتدلى من الانتخابات الفاصلة لحل مأزق من المشهد السياسي والمجتمعي، بدأت تتوالى أصوات الشباب من قبيل الاتجاهات حتى تفرعت لتتآلف معها جميع القوى الوطنية والهرم المجتمعي بدرجاته، ليقود الشعب بأكمله خلاصًا مأساويًا بإنهاء حُكم العسكر وإتاحة المنفس للقوى المدنية بأن تقود البلاد لمرة أولى في تاريخها لتحقيق عُزل الشعب عن الحُزن الذي آثره طيلة حُكمه تحت بساط من الحُكم العسكري المتواكب تِباعًا على السُلطة.

وبعد تحقيق الثورة الشعبية برزت أمام جموع الشعب أعدادًا طائلة من المبادرات الحزبية المُختلفة في أهداف كُل منهما، والحلم المُترائي لكُل تجمع عن التجمع الآخر، وهذا البُعد المُفزع لارتسام الأحلام المُختلفة كان لا يُنبئ إلا عن عورة عظيمة، وما كانت إلا وهمًا يُصافح كُل فردًا مُستمع لهذه الأحزاب المُشكلة والحديثة في السِن والنبوءة. فأصبحت حينئِذ آمال الشعب مُتطفلة على تحقيق هذه الشواهد من الأحلام التى تُدوي في سماء كُل حِزب. ومن خلال المنبر الإعلامي الذي كان يحمِل لنا من مفاهيم وتوعية جديدة يسنها علينا رؤساء الأحزاب المختلفة وأعضاؤُها البارزون، والمتصارعة على الشاشة في مدى إنجاح كل حِزب منهما في إتمام الثورة واكتمالها على يده دون السواعد الأخرى، انحدرت آمال الشعب لافتراق جميع القوى السياسية لكُل ركن يزاحم قيمتها المُستحقة.

وما كان للأوضاع في مثل تِلك المشهد، إلا أن تنحدِر مع انحدار الألفة الوطنية، لتتطمع فينا مسارات متعددة خارجية منها وداخلية موجهة نهايةً إلى تحقيق المنازعة والمشاحنة والتملية لاعتبارت خبيثة ومتوارية ليست راضية لأن يحكُم الشعب بنفسه من خلال صندوق الإقتراع. فاستأثر المجلس العسكري بالسُطلة بين يديه وسواعِد أقرانه الصِغار الخارجين عن رباط النظام السابق والذين أصبحوا يدرجون بعضويتهم في عدد من الأحزاب ليتم تأخير التعجيل بتداول السُلطة داخِل سواعِد الشعب بحجة احتقان الصراع السياسي الداخِلي. لكن الاحتقان الأعظم كان من خلال التداعيات المتكررة بالمخططات الخارجية والداخلية لإسقاط ماهية الثورة التي قامت على أساس الحرية والمساواة والعدالة بين طبقات المجتمع.

إلى أن حظيت مصر بإعلان أول رئيس مدني مُنتخب في تاريخ البلاد العريق من قِبل شعبه الذي أدلى بعضهم بصوته متخوفًا من ترجيح كفته ورجوع أحد فروع النظام السابق الذي كان جديرًا بالحماس لمفاجأته لأعداد الأصوات الانتخابية الممنوحة له، وكان المشهد الانتخابي صِراعًا بين الثورة وبين إجهاضها من قِبل الخصوم!

ومن هذا المُنطلق الفاصل للحياة الاجتماعية والسياسية لمستقبل المنطقة عمومًا، خُلقت من سبيل العدم أول معارضة مصرية حقيقية في تاريخ مصر تتمتع بأصول الحرية دون اعتدال أو توقُف بعد تداول السُلطة ليد الشعب، وقد كانت تتمثل هذه المعارضة في الخصوم!

وما كان للشعب أسبقية بمعارضة حقيقية، بل من المُمكن أن نسمي حركة أفراده على مدار العقود نِضال ثوري قائم على إحلال قضية مكان أخرى، فما كانت هُناك معارضة من قبل الشعب يبثها التاريخ لنا إلا معارضة النظام المتمثل في النظام العسكري الذي هو إعصار هادئ من مواليد الدولة العميقة التي تجسدت مُنذ ارتياح أرجل العسكر على شئون البلاد. والشواهِد على ذلك كثيرة، فهب أيها القارئ أنه كان في يومٍ ما للشعب كلمة دون احتساب توابع لها!

فإن وجدت على مرمى من الخيال إجابة ما، فأنت لم تُخلق في رحم هذا الوطن، أو ربما تكون على درجة مُتقدمة من المواطنة داخِل دولة نائية لم تعرف أبدًا بلادي معنى لها. والحق شهيد والتاريخ بأحداثه مُدان على نبوءة داخِل صدر صفحاته. فهيا بنا نمرح بعيدًا عن الجدال ونتناقش سويًا فيمن يحكُم مصر بحضارتها.

لم تكن أبدًا الديموقراطية تسير وفق نهج تشريعي مُتكامل مسنون لها إلا بمسايرة وتوجيه من شعب يصوح ضميره على كُل مصغر ومكبر من حاكِمٍ طائح في عدله ومبتغاه، فما كان للشعب بواعث من الضمير لإحكام كل تعرج دامت لتلك الشعوب مقاليد الحكُم. وهُناك قاعدة واحدة فقط تخرج عن هذا الاستثناء، وهو أن يوطن الله حاكمًا عدلًا يتقي الله حيثما كان، وحيثما أخذته العِزة بالإثم في بواطنه على سبيل من الإغواء.

والقاعدة هُنا أن الشعوب هي التي تُملِك وتعزِل، فلا إدخال من قدر لشعبٍ يستقيم مع الهلاك. ومن هُنا يتبادر إلى الذهن محاسن من الأسئلة المحفوظة على الدوام، والتي تُداعِب من يقظة الضمير، فكيف يُملك الشعب أمره على الخلاص في ظِل نهج لا يتحاشى عن ترهيبه وإسكاته؟

والجواب المعمول به نهايةً أن الحِراك لا يعتدِل أو يرتقِم في ظِل إعلال مبدأ إماته الضمير!

ومن ثم كانت المعارضة المصرية هي خصمٌ للشعب، والشعب لا خصمٌ له سوى حُكامه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد