يدهشنا حقًا كيف يتمكن الإسلاميون من الحفاظ على شعبيتهم حتى بعد أدائهم الهزيل خلال تقلدهم السلطة في بعض بلدان الربيع العربي، الشيء الذي يغيظ كثيرًا خصومهم السياسيين، ويثير فضول المراقبين.

في الحقيقة يعود الفضل لقدرة الإسلام السياسي على الانتشار، بغض النظر عن أدائه الفعلي على أرض الواقع، في نظرنا، لسبعة أشياء تبدو بسيطة لكن الإسلاميين يحسنون استغلالها أكثر من أي منافسين آخرين.

1- الأيديولوجية الدينية:

يلعب الدين في المجتمعات العربية دورًا محوريًّا منذ القدم، وهو متجذر في الثقافة العربية، كما أنه جزء من الحياة الاجتماعية والسياسية سواء، لا يمكن القفز عليه.

حسب استطلاع المؤشر العربي لسنة 2014، يظهر أن %87 من مواطني العالم العربي متدينون، 63% يصفون أنفسهم بـ”متدينين إلى حد ما”، و%24 يقولون عن أنفسهم إنهم متدينون جدًا.

بالطبع لا يعني أن كل شخص متدين هو بالضرورة في صف الإسلام السياسي، لكن هذا الأمر يمنح الأحزاب التي تقول إن مرجعيتها إسلامية، أفضلية بالنسبة للناس – على الأقل البسطاء منهم– ولا سيما في ظل تغييب الأحزاب غير الإسلامية لعنصر الدين في برامجها ورؤاها السياسية، الأمر الذي لا يمكن تجاهله إذا ما نظرنا لطبيعة الثقافة العربية.

يحرص الإسلاميون دومًا على إظهار أنفسهم بأنهم أقرب التنظيمات السياسية إلى الدين، وفي نفس الآن لا يفوتون الفرصة لوصف معارضيهم اليساريين والعلمانيين بـ”أعداء الدين” و”الملحدين”، وقد يصل الأمر إلى تكفيرهم، القوى العلمانية أيضًا تساعدهم في ذلك، إذ لا يكلفون أنفسهم بإنتاج رؤى تجديدية دينية تتكيف مع مشاريعهم السياسية ينافسون بها خصومهم الإسلاميين، وهو ما يشكل صورة سلبية عنهم لدى أغلبية الناس، ففي استطلاع المؤشر العربي الأخير، يشير إلى أن %61 يقبلون بوصول حزب إسلامي إلى السلطة في انتخابات نزيهة، بينما لا يقبل وصول حزب علماني إلى السلطة إلا %45 فقط، حتى لو كان ذلك عن طريق انتخابات نزيهة.

2- الإسلاميون يقومون بالتنشئة السياسية الدينية

يكتسب الفرد قيمه وتوجهاته أساسًا من خلال المراحل الأولى من عمره التي قد تمتد إلى سن المراهقة، ويقول علماء النفس إنه غالبًا ما يسير الشخص وفق المعايير والقيم التي ترسخت لديه خلال تلك المرحلة.

يحرص الإسلام السياسي في كل بقاع الوطن العربي على تنشئة الأفراد عبر جمعيات وتنظيمات ونوادٍ تابعة له، يقوم عبرها بغرس توجهاته السياسية والأيديولوجية الدينية في عقول الملايين من الأطفال والمراهقين في مختلف الأقطار العربية، مما يؤدي في الأخير إلى تخريج جيل من “المريدين” الذين برمجوا منذ سنواتهم الأولى على توجهات دينية وسياسية معينة دون أخرى.

بالطبع ليست الأحزاب الإسلامية وحدها هي التي تقوم بهذا الأمر، لكن طبيعة محتوى هذه التنشئة التي يقوم بها الإسلام السياسي تجعله متفوقًا على غيره في هذا الأمر، حيث يستعمل قوة الدين الروحية وتأثيرها لإضفاء مشروعية يقينية على توجهه السياسي وأدائه، مما يؤدي إلى إنتاج أفراد مبرمجين على مساندة أحزابهم في كل الأحوال، بغض النظر عن فشل أدائهم أو نجاحه في الواقع، لأنهم يعتقدون أن أحزابهم تمثل الدين، وبالتالي فشلها يعني فشل الدين، وهو ما لا يمكن تصوره بالنسبة لهم.

المزج بين التوجه السياسي والدين في خط واحد في تنشئة الأفراد التي يقوم بها الإسلام السياسي، هو ما يخلق أنصارًا مخلصين جدًا، يساندون تنظيماتهم في “السراء” و”الضراء” وبكل ما يملكون.

3- الإسلاميون فعالون في الحياة الاجتماعية:

من المعروف أن الإسلام السياسي يجيد التعامل مع الفقراء والبسطاء – وهم أغلبية في المجتمعات العربية كمخلفات لعقود الاستبداد- بشكل قد يدهش الدولة نفسها، وذلك لأنهم راكموا خبرة لا بأس بها في الحياة المجتمعية بخصوص هذا المجال.

في العادة الناس لا يبالون كثيرًا بالرؤى السياسية والمشاريع الفكرية بقدر ما يعنون بما يمس حياتهم الاجتماعية المعيشية بشكل مباشر، وهذا بالضبط ما تقوم به الأحزاب الإسلامية من خلال جمعياتها وأفرادها، لكسب تأييد الناس.

تعتقد الأحزاب اليسارية والعلمانية أن بإمكانها التأثير في المجتمع من خلال رؤاها الفكرية والمجتمعية الغارقة في التنظير، غير أن هذا الأمر قد لا يكترث له سوى النخبة المثقفة، فالمواطن البسيط يحتاج قبل كل شيء إلى القيام بأمر ملموس يفيده في حياته المعيشية.

الفعالية في الحياة الاجتماعية، تمكن الإسلاميين من حجز خزان لا ينضب من الأصوات، تجعلهم متفوقين على الأحزاب السياسية المنافسة التي تغفل هذا الأمر.

4- ضعف معارضة الإسلام السياسي:

إحدى الأمور التي تجعل كفة الأحزاب الإسلامية ترجح على غيرها، ضعف المعارضة السياسية نفسها، وهو ما تعيه تنظيمات الإسلام السياسي جيدًا، وتستغله في تبرير فشلها عندما تتعرض للنقد، بحيث لا يبدو للناس أن هناك بديلًا آخر جديرًا بنيل ثقتهم.

تعاني الأحزاب اليسارية والعلمانية من التشرذم وضعف في التأطير والتنظيم، كما يحس الكثير من الناس باغتراب مشاريعها السياسية عن الثقافة المجتمعية، وهي لا تبذل جهدًا لتكييف رؤاها وبرامجها الحداثية مع طبيعة الثقافة العربية الإسلامية السائدة اليوم، وتصر على تحدي الثقافات المحلية من خلال التعبير بشكل فج عن مواقف تضرب ثقافة البلد عرض الحائط، مثلما الشأن في قضيتي الحرية الجنسية والهوية الدينية.

تحالف القوى العلمانية مع الديكتاتوريات وبقاياها، بدعوى وقف خطر الإسلاميين على الدولة مثلما الحال في مصر، ساهم أيضًا في نفور الكثير من المواطنين منها، بالإضافة إلى استعانتها بالقوى الخارجية الغربية – والتي لا تلقى قبولًا لدى الشعوب العربية حسب المؤشر العربي- في معركتها السياسية مع الإسلام السياسي، علاوة على أنهم يبدون أسوأ حالًا من خصومهم الإسلاميين في قضايا الفساد.

5- نجاح نموذج تركيا الإسلامي:

ساهم أيضًا نجاح النموذج الإسلامي التركي في صعود الإسلاميين بعد الربيع العربي، حيث ألهم الكثير من الناس بإمكانية التقدم والانخراط في الحضارة بدون التفريط في التدين الإسلامي بصيغته الحالية، فكانوا يرون أن الأحزاب الإسلامية العربية يمكنها أيضًا أن تفعل ببلدانهم ما فعله حزب العدالة والتنمية بتركيا.

حقق حزب العدالة والتنمية الإسلامي بقيادة أردوغان قفزة اقتصادية مشهودة في تركيا، ورغم بعض الخروقات التي سجلها النموذج الإسلامي التركي في مسار حقوق الإنسان والديمقراطية في الفترة الأخيرة، إلا أنه يبقى النموذج الإسلامي – يكاد يكون الوحيد- الذي استطاع التوفيق بين الإسلام والحداثة في الحقبة المعاصرة، ما ألهم شعوب المنطقة بالاقتداء به.

نجاح النموذج الإسلامي التركي أعطى دفعة معنوية قوية للأحزاب الإسلامية العربية، وأظهر جليًّا أن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية قادرة هي أيضًا على الحكم وإدارة البلاد.

6- هناك ماكينات إعلامية ومالية وسياسية تدعمهم:

بالطبع كل الأحزاب مهما اختلفت أيديولوجياتهم لها من يدعمها ماليًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، وليست الأحزاب الإسلامية استثناء.

لا يعاني الإسلام السياسي اليوم من نقص في الأدوات الإعلامية، فقد استغل جيدًا التكنولوجيا الجديدة والإعلام الجديد، فأصبحت الكتائب الإلكترونية للأحزاب الإسلامية تغزو شبكة الإنترنت في النطاق العربي، كما أن التغطية الإعلامية لشبكة الجزيرة تقف في صف تيار الإسلام السياسي، ويمكن أن تتخيل حجم تأثيرها في مواطني البلدان العربية، إذا علمت أن نسبة مشاهدتها في العالم العربي تفوق %53 حسب استطلاع شركتي “أبسوس” و”سيغما” لسنة 2014 .

ناهيك عن أن قطر وتركيا تدعمان الأحزاب الإسلامية ماليًّا وسياسيًّا وأيضًا أغنياء الخليج ورموزه الذين لا قد لا يروق لهم مواقف قياداتهم الرسمية الخليجية، كل هذا الدعم يجعل الإسلاميين منافسين أندادًا لخصوصهم السياسيين، كما يساعدهم في الدعاية لمشروعهم السياسي.

 

7- العداء مع إيران وأمريكا وإسرائيل:

يشير المؤشر العربي لسنة 2014 أن أكثر من نصف الرأي العام العربي يعادي السياسة الأمريكية والإيرانية، وأن %87 من المواطنين العرب يرفضون الاعتراف بإسرائيل.

تستغل الأحزاب الإسلامية هذا الأمر الواقع في الترويج لمشروعها السياسي، نظرًا لتجذر العداء في أيديولوجيتها مع أمريكا (الكفار) وإيران (الشيعة) وإسرائيل (اليهود) بغض النظر عن الواقع السياسي.

وبالتالي فإن الأحزاب الإسلامية السياسية هي الأكثر توافقًا مع نظرة الشعوب العربية العدائية لمحيطها الإقليمي والدولي، الشيء الذي يمنحها تفوقًا على خصومها العلمانيين الذين قد لا يكونون بنفس القدر من العداء.

كل هذه الأسباب تجعل الإسلام السياسي يحقق انتصارات مهمة على حساب خصومه السياسيين في أي عملية ديمقراطية بغض النظر عن أدائه على أرض الواقع، وتمنحه ما يشبه حصانة شعبية رغم كل الأخطاء والفشل الذي قد يسقط فيه.

وإذا كان الإسلام السياسي يعرف كيف يكسب أنصاره، فإن العلمانيين أيضًا بارعون في كسب الأعداء داخل الشعوب العربية.

اقرأ أيضًا:

هل تصنع الشعوب طواغيتها؟ نعم إذا فعلت هذه الأشياء الثمانية

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد