التصعيد الإسرائيلي على غزة في هذا التوقيت غريب جدًّا؛ لأنه بطريقة ما يخدم أعداءها، خصوصًا الذين يدّعون محاربتها، كحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وبطريقة غير مباشرة إيران.

سيسهم هذا التصعيد مباشرة في خلق ردة فعل عربية ليتزعمها حزب الله والحشد الشعبي في العراق ولبنان، كونهما جماعتين لهما باع طويل في الصراع مع إسرائيل؛ وبذلك سيكسبان رضاء شعبيًّا من الكثير من المواطنين في بلديهما، مما سيؤدي إلى تخفيف غضب المظاهرات التي تشهدها الدولتان في هذه الأيام.

لقد حاول صدام حسين في الأيام التي تسبق انهيار قواته نهائيًّا في صحراء الخليج، استخدام عامل القومية العربية الإسلامية، وتشكيل رأي عام يساعده في حربه ضد الولايات المتحدة ودول الخليج؛ إذ قصف الأراضي الإسرائيلية – محور الغضب العربي آنذاك- بـ49 صاروخًا في الأيام التي تنهار فيها قواته في حربه مع الخليج، لكن إسرائيل كانت مدركة لذلك، وكانت مستوعبة أن أي ردة فعل تفعلها ضد العراق سيستفز المشاعر العربية بالتأكيد، وبالفعل لم ترد على تلك الصواريخ، بل إن وسائل الإعلام الإسرائيلية كانت متجاهلة تلك الهجمات العسكرية على أراضيها، ليستطيعوا بذلك إفشال المخطط الذي قاده صدام حسين في محاولته لتشكيل رأي عام عربي إسلامي لصالحه، بعامل العاطفة العربية، ومبرر الحرب مع إسرائيل، ومن ثم كسب الشعوب في المنطقة بعد أن بانت ملامح هزيمته العسكرية وقرب الانهيار.

لذلك تعود بنا الذاكرة لتلك الأحداث بما تفعله القوات الإسرائيلية هذه الأيام من قصف للأراضي الفلسطينية في هذا التوقيت الحساس، الذي تمر فيه قوات حزب الله والحشد الشعبي بأصعب فتراتها في المنطقة، إذ خرجت الشعوب العربية في مظاهرات غير مسبوقة ترفض الطائفية، وعلى رأسها تلك الأحزاب التي تظهر نفسها أنها المقاوم الأول للكيان الصهيوني، خصوصًا أن إسرائيل تدرك أن الشعوب العربية لا يستفزها شيء أكثر من القضية الفلسطينية، تاركين فرصة لتلك الأحزاب باستغلال الموقف وتشتيت توجهات المتظاهرين بحجة الحرب مع إسرائيل.

فلماذا لا تتبع إسرائيل الآلية نفسها التي اتبعتها ضد صدام حسين حين أطلق 49 صاروخًا ،بحيث لا تدع مجالًا للمعارضة العراقية واللبنانية لفرصة تشكيل رأي عام عربي ضدها كما لم تسمح لصدام حسين؟

وللإجابة عن هذا التساؤل يقول ألكسندر أرباتوف: «إن وجود العدو أمر ضروري بالمجتمع؛ فهو يؤدي أدوارًا اجتماعية وسياسية عديدة، فعلى الجانب الاجتماعي: يلبّـي العدو حاجاتٍ اجتماعية متعددة، كالحاجة إلى الهُوية (تعريف الذات من خلال تعريف الآخر)، والحاجة إلى تهدئة حالات القلق الاجتماعي (فحين يعاني المجتمع، يشعر بالحاجة إلى أنْ يجد أحدًا يمكنه أنْ يعزو إليه ألَـمَه، وينتقم لإرهاصات أمله)، هذا فضلًا عن الحاجة إلى توطيد الأواصر ضمن الجماعة (كما هو الحال في باكستان التي تمزّقها الحروب الأهلية ولا يجمعها إلا العداء للهند).»2

ومن خلال مقولة ألكسندر أرباتوف فنحن أمامما إجابتين عن ذلك السؤال.

فالإجابة الأولى هي أن بقاء حزب الله قد يكون أمرًا ضروريًّا لتحقيق مصالح إسرائيل داخل أراضيها، إذ تمر إسرائيل هذه الفترة بمرحلة انتخابية ومحاولات لعزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يحاول كسب تأييد شعبه ولمَّ القوى السياسية حوله باستخدامه لهذه الطريقة، وشن ضربات عسكرية على غزة، وتصعيد جديد.

فكما لحزب الله مصالح من وجود صراع إسرائيلي إسلامي في المنطقة فأيضًا لإسرائيل مصالحها من استمرار ذلك الصراع، وتتمثل أبرز مصلحة في استمرار النخبة السياسية الحاكمة في البلاد، خصوصًا أنها تلك النخبة باتت مهددة بالرحيل هذه الفترة؛ لذلك وجدت نفسها مجبرة على تحقيق مصالحها بغض النظر عن أنها ستقدم خدمة لخصومها، فقد ركزت النخبة السياسية في إسرائيل على مصلحتها في البقاء في السلطة على حساب خدمة أعدائها في المنطقة، وبمنظور أبعد، فقد يتضح للكثير أنها تخدم العدو الأكبر لها (ايران) بذلك.

أما الإجابة الثانية عن ذلك التساؤل فقد تكون معقدة وغير واضحة، وقد يختلف معي الكثير من منظري العلاقات الدولية، إذ أرى أن السبب الثاني الذي يجعل إسرائيل تساهم في خدمة إيران، وحسب وجهة نظري، فإنني لا أستبعد أن تكون من خلف الستار، علاقات بين إسرائيل وإيران، وأنه قد آن الأوان لتقديم مساعدة لطهران؛ أي إن هناك مصالح سياسية بين الدولتين، حتى وإن كان الصراع موجودًا بالفعل، فإنه لا يغلق الباب أمام المصالح المشتركة.

فمن الخطأ أن نحكم على سياسات الدول والعلاقات فيما بينها بما هو ظاهر؛ فهناك سياسات عميقة جدًّا وغامضة تغير من مسارات الدول وتوجهاتها، خصوصًا أن العالم يمر بفترة حاسمة من تكهنات شكل النظام الدولي القادم، وتغير مسار توازن القوى الذي يسير وفقه العالم؛ لذلك ستتبع كل دولة مصالحها، خصوصًا الدول الصاعدة في الشرق الأوسط؛ كي تخلق لنفسها مكانة أكبر في النظام الدولي القادم، والذي بدأت ملامحه بالظهور.

لذلك لا يوجد في السياسة عدو دائم أو صديق دائم، إنما المصالح فقط هي الدائمة، وكذلك الحال للعلاقات بين إسرائيل وإيران.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد