عمل قادة الصهيونية منذ بداية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، منتصف القرن التاسع عشر، على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من أراضي فلسطين التاريخية؛ بهدف إنشاء كيان يهودي عليها، واستخدم لتحقيق هذه الغاية وسائل عديدة، بداية من محاولة شراء الأراضي عن طريق الدولة العثمانية، مرورًا بالتآمر مع السفارات الغربية التي أصبحت تشتري الأراضي لصالح اليهود، بعد قرار السلطان عبد الحميد الثاني بمنع بيع الأراضي لليهود في فلسطين، ثم ما بعد سقوط الدولة العثمانية ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي ساهم في وضع اليهود أياديهم على أراضٍ كثيرة في مدن وقرى مختلفة.

رغم ما حققته هذه الإجراءات من مكاسب، فإنها لم تلبِ غاية الصهاينة في التوسع المطلوب، خاصة في ظل تفوق سكاني عربي، إذ بلغت نسبة العرب نحو 70% فما كان منذ إعلان قيام إسرائيل إلا أن استخدمت الوسيلة الأسرع للسيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين. المجازر، ففي كتابه المعنون بـ«الثورة» كتب مناحم بيجين: «لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل»، وكما يقول بيجين أيضًا أن دير ياسين وغيرها من المجازر أدت إلى تهجير 750 ألف عربي، لم تكتف إسرائيل بإرهاب الفلسطينيين داخل حدود فلسطين، بل خارجها أيضًا، فقد هددت الوجود الفلسطيني في لبنان عقب دخولها الى الجنوب، وارتكبت واحدة من أفظع المجازر على الإطلاق، مجزرة صبرا وشاتيلا، التي يقول فها أرئيل شارون الذي حاصر بقواته المخيم: «نريدها حربًا من دون عواطف»، فيما استُخدِمت المليشيات المسيحية المتطرفة بدعم من الجيشين اللبناني والإسرائيلي جميع أنواع الإرهاب دون أي مشاعر تتصف بالرحمة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، واستخدمت فيها الأسلحة البيضاء لتزداد الجريمة بشاعة وعنفًا، فقد بلغت بشاعة الجرائم الصهيونية حد قول أحد الصحافيين الشاهدين عليها: «لقد رأينا أطراف طفل قطعت وشُكَّلت بصورة دائرية ووضع الرأس بالمنتصف»، هذه الصورة المرعبة تعكس مدى الحقد والكراهية التي عُبئت في جوف هؤلاء المجرمين، أما أحد القادة الذين جرى سؤالهم «هل لديكم أسرى؟» فقد أجاب: «إنها حرب لا يوجد فيها أسرى». والقصد هنا إما القتل وإما القتل.

إن مجازر صبرا وشاتيلا، ودير ياسين، وقرية قبية، وغيرها تجعلنا نراجع الحالة التي يعيشها الإسرائيلي، فهو لا يقدم على مجزرة إلا من سبيل خوف ومحاولة تخويف، فهو يخاف على كيانه الهش، ويعمل على الظهور بصورة القوي الذي لا يقهر، في حين أن المجازر تستهدف الضعفاء من الأطفال والنساء والعزل، كما أنها كانت وما زالت تستخدم لتثبيت شرعية باطلة قائمة على شريعة الغاب؛ لأن اسرائيل بكيانها المغتصب والموصوم بالاحتلال حتى في الاتفاقيات الدولية يعرف أن لا أحد سيعطيه أرضًا بالمفاوضات أو بالاتفاق؛ فهو لا يملك حتى أن يطلب، ولا يقدر حتى أن يفرض رأيه، فالطريقة الوحيدة هي القتل والترويع مستفيدّا في هذا من ماكينة إعلامية ضخمة يملكها أثرياء اليهود في العالم، تعمل على تغطية الشمس بغربال، وخداع المجتمع الغربي بالكذب وقلب الحقائق، وتصوير الجلاد كضحية، أما الأمر الآخر فهو جرأة إسرائيل في الإقدام على فعل المجازر بسبب صمت المجتمع الدولي بل تواطؤه أولًا، أما ثانيّا فهو تغاضي الدول العربية، اللهم إلا من بيانات الشجب والاستنكار، بل نرى أن الموقف العربي بلغ من الظلم تجاه الفلسطينيين حد توجيه المهرولين خلف التطبيع رسائل لإسرائيل أن «اقتلوا أهل غزة بصمت، لا نريد أن نسمع صراخهم»، هذا الموقف المعادي يجعلنا نتساءل عند الدور العربي القادم في ظل الحديث عن ضم غور الأردن والاعتراف بمستوطنات الضفة الغربية؛ مما يعني تحولًا جغرافيًّا بسيطرة الاحتلال على مساحة 78%، وآخر ديموغرافيًّا بأن وصلت نسبة اليهود في فلسطين مقابل العرب إلى 50%، فيما يتوقع أن تميل الكفة لصالح اليهود في ظل الوتيرة المتسارعة بهدم المنازل، وطرد الفلسطينيين، وفرض الضرائب، وازدياد معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

في النهاية لا يمكن النظر إلى المجزرة كأنها عمل همجي يستند إلى عقلية إجرامية عشوائية، بل هو عمل منظم يهدف إلى إيقاع الرعب بالجانب الفلسطيني، ويقع ضمن الحرب النفسية وصراع العقول الذي به استطاعت إسرائيل به السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، كما أن أهلها تركوها خشية آلة القتل الإسرائيلية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد