الواقع، العيشة والعالم، كل هذه العبارات تشكل بمُرِّها ولذتها خبزك اليومي، فأنت كاتب تخط أسطرك على إيقاع العالم وتذبذباته بأشكالها.

في اعتبارهم، صفة «كاتب» تكمن في كونك «العالة» التي تزيد العالم تعقيدًا، وأما إن كنت ساذجًا وغبيًا فتلك هي النعمة!

بكونك «فهّيما» ببعض الأشياء، تشكل خطرًا على نفسك وعلى الناس وعلى النظام خاصة، ولا أعني بالنظام ما تذهب إليه عقولكم فذلك جسّد كل أضداد النظام منذ نشأته، النظام الذي أعنيه نظام الرتابة والمأمول والعادة والمتعوّد عليه، ذلك هو، وأنت بكونك كاتبًا تهدد سير النظام.

تشبه في ظاهرك جسمًا مرسومًا أيّما رسم، وفي داخلك عوالم متشابكة تتصارع لتتخذ مكانها، كلما تكتب أكثر يموت في داخلك شعور ما ليصل للقارئ ويحيا بداخله، تصيّر المشاعر تدريجيًا حكايات لتُؤرخها وتوصلها لغيرك، إذًا أنت هنا تتكلم لغة واحدة بألف معنى، وكل قارئ له حرية تبني كلامك وفهمه كما يريد.

تمسك القلم وتنسج مناسك غريبة عن المألوف، فإما أن تقبلك العقول والمزاجات وإما تزج بك خارج المنظومة والنظام.

أنت الكيان الذي يتبنى كل المشاعر ويتعامل معها بما يرضي المنطق غير المنطقي عندهم، تلامس الورق، تصارع الأرق وتكابح الانتماء العشوائي لكل ما يتضاد مع نفسك.

أن تكون كاتبًا يعني أن تعيش الصراع يوميًا وألا يكون للحياد مكانًا بأي ركن من أركانك، أن تكون كاتبًا يعني صعوبة إهداء الواقع للناس بقدر قدرتك على وصفه بعين دقيقة وصورة أكثر وضوحًا ونضجًا وجرأة، ولا شكّ من أن البؤس سيكون خليلك وإن لم تتعوّد عليه سيُحلّ ضيفًا ثقيلًا على نفسك وذاتك.

أن تكون كاتبًا يعني أن تكون صادقًا في مشاعرك وكتاباتك وسرد الوقائع، يعني أن تتعرى بكل مساوئك ومحاسنك أمامهم لتعطيهم القوة للتّعري أمام أنفسهم، ويعني قدرتك على جمع المتضادات في جملة واحدة ليكتمل المعنى.

ستكتب ربما عن وضع التعليم الذي صار تجهيلًا وعن الحب وعلاقته بالسياسة، ستكتب عن الدين ومساراته المنحرفة في تفسيرات البعض، وعن الفلسفة ومنطق العالم المعوجّ، ستخلق بكلمات العالم لغة خاصة عسى أن تصير يومًا لغة بديلة لهذا الكلام الخالي من المعنى، ستحاول تسليط قلمك على كل ما تعيشه الناس وتلامسه روحك وستبقى دائمًا وأبدًا ذاتًا مختلفة عن الطبيعيين.

ستصرخ باستحالة تواصلك مع الواقع الحالي وأنك في معركة دائمة معه، إما أن تهزمه بكلماتك المتواضعة وإما أن يبلعك بمعانيك وكتاباتك ويرميك إلى مزبلة التاريخ، أن تكون كاتبًا في هذا العالم العربي يعني أن تخلق الأحلام لمن تعوَّد الكوابيس، وأن تشحن قلوب اليائسين ببعض الأمل حتى وإن كنت فاقدًا له.

بكونك حامل رسالة يعني أن تتكلم باسم العاجزين عن الكلام والمُتكلمين باللغة الخشبية المقرفة، بصفتك تلك تصنع لهم فنًّا يلامس مشاعرهم بما يفهمون، تهذب ذوقهم وتحيي الميّت فيهم، أن تعطي الروح لقلوب شارفت على الموت من كثرة الوجع، أن تكون شعلة في عالم منعدم من الأكسيجين.

وفي خضم معارك العالم، تخلق معاركك الخاصة وفيها تكون جثة حرب فقدت قلبها ولا زالت تخوض المعركة بما تبقى من أمل شعب، في ذلك تكون وردة أينعت وسط «كوم زبالة» وتوصف حالتها بتفصيل يُدمي، وفي ذلك تأخذ هيئة عامل يدق الحديد بشدّة ليونة قلبه من فرط المعاناة، وأن تكون قادرًا على قراءة دواخله بتفاصيلها السرية.

أن تكون كاتبًا يعني أن تعيش في أشد مواضع المرأة سريّة وأن تبسط لها ذاتها بصورة أوضح من انعكاس ظلّها بمرآة، أن تكون كاتبًا يعني أن تنجح في تدْيِين الحب ورونقة البؤس وتجميل الحرب بأعْيُن المبتورين قلوبًا وأعضاء.

صفة الكاتب تعني قدرتك على فهم نفسك عبر كل التفاصيل المحيطة بك، وتعني قدرتك على مخاطبة الله بلغته الخاصة، لغة البسطاء، لغة الروح، يعني أن تكون مختارًا نفسك على هذه الأرض، وأن تكتب دونما رهبة، دونما خوف.

أن تبحث لتكتُب، وأن تكتب لتبحث..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عالم, كاتب, معاناة
عرض التعليقات
تحميل المزيد