من منا لم يشاهد أيًّا من الأفلام الغربية الكلاسيكية التي تصف عصورًا مضت، والتي ننجذب إليها لموسيقاها الأنيقة، ولشاعرية أبطالها، ولسيطرة الريف على مشاهدها بطيوره وخضرته وبساطة معيشته، وهذه الأفلام المأخوذة من روايات رحل كتابها منذ قرون، لم يمل منتجو الأعمال الفنية من تحويلها لأعمال على الشاشة، بغض النظر عن جودة هذا الأخذ، وتعد الكاتبة الإنجليزية «جين اوستن» التي عاشت في الفترة بين عامي 1775-1815 – وهو ما يطلق عليه العصر الجورجي نسبة إلى أسماء حكام تلك الفترة- ولاقت رواياتها شهرة كبيرة، من أهم هؤلاء الكتاب الذين ما زال النقاد يغوصون في أعماق أعمالهم.

ففي مقال للكاتبة «هيلين إيمي» مؤلفة كتاب Jane Austen’s England على موقع «بي بي سي هيستوري مجازين» تتساءل بعد قرنين من وفاة «أوستن»: هل قدمت لنا روايات جين أوستن صورة حقيقية عن إنجلترا في تلك الفترة، إلى أي مدى لعب الخيال دورًا في رواياتها؟

ذكرت «هيلين» أن هناك سببين يدفعانا للقول بدقة الصورة التي نقلتها الروايات؛ أولهما أن «أوستن» كانت تكتب عما تعرفه فقط، تجنبًا للوصف الخاطئ؛ فرسمت الشخصيات بناء على تجاربها وملاحظاتها الشخصية، والدليل على ذلك أن أعمالها مليئة بأنواع الشخصيات والمجموعات المألوفة بالنسبة لها، السبب الثاني حرصها واهتمامها بالتفاصيل وبدقتها؛ لأنها على سبيل المثال لم تكتب مشاهد يتحدث فيها الرجال في غير حضور النساء؛ لأنها لم تعرف طريقة تحاورهم على انفراد، ولكن ترى أيضا أن كتابتها من وجهة نظر المرأة جعل رواياتها لا تعطي صورة حقيقية للرجال.

كما ترى «هيلين» أنه على الرغم من تصوير «جين أوستن» الصادق للريف الإنجليزي في العديد من الأشياء، إلا أنها ركزت على الجانب المترف منه، وأغفلت الطبقات الدنيا التي كانت تحتك بالطبقات العليا، وهو ما جعل الصورة غير كاملة.

كما صورت المجتمع في رواية «Emma» التي تدور أحداثها في ريف هيبري على أنه مجتمع مكتف بنفسه ومنعزل، في تجاهل لبدايات إقبال الناس على السفر والمغامرات في ظل تحسن وسائل النقل في تلك الفترة.

وتتفق الكاتبة مع النقد الشائع لروايات «جين أوستن» بأنها تصف عالمًا فاضلاً محت فيه جميع السلبيات، ولعل الرد على ذلك الانتقاد أنها لا تهوى الاسترسال عن تلك الأشياء، تناغمًا مع طبيعتها المتفائلة للحياة، على الرغم من أنها اضطرت لوصف مجتمع الفقر في روايتها «Mansfield park» حديقة مانسفيلد.

كما ترى الكاتبة أنها تجاهلت الأحداث السياسية والحربية الجارية آنذاك، ماعدا إشارات قليلة بشأنها ظهرت في Pride and prejudice» كبرياء وهوى»، Persuation» الإقناع»،«Mansfield park حديقة مانسفيلد».

وترى «هيلين» أن روايات جين نقلت الصورة الحقيقية للمرأة في ذلك الوقت؛ حيث كانت مواطنًا من الدرجة الثانية، ولا تعرف الاستقلال المادي، وتدور حياتها في فلك عائلتها، ويتلقين أغلبهن تعليمًا محدودًا أعد خصيصًا للإناث، دوره فقط جذب رجل مناسب للزواج، واقتصر هذا التعليم على معرفة أساسيات القراءة والكتابة ومهارات الزخرفة وأساليب اللياقة في التعامل.

كما ناقشت الروايات علاقة المال بالنساء في ذلك الوقت؛ فظهر كيف أن النساء غير المستقلات ماديًا لم يكن لديهن أي طموح سوى الزواج الجيد، الذي هو الطريقة الوحيدة للاستقلال عن سلطة الوالدين وكسب قدر من الاحترام والمكانة، ولتجنب العنوسة، ونقلت الروايات أيضًا أن النساء اللاتي يتأخر زواجهن غير مقبولات في المجتمع إذا لم يملكن ثروة.

كما أظهرت أيضًا الضغط الذي يقع على النساء اللاتي لا يملكن المال لتقديم المهر – طبقًا للعادة الإنجليزية حيث كان والدا العروس يدفعان المهر للعريس- هذا المثال ظهر بشدة في رواية «Pride and prejudice كبرياء وهوى» وهو ما جعل الأم تركز على مواصفات أخرى لجذب الرجال ليتزوجوا بناتها كالجمال والتفوق.

وأشارت «هيلين» أن أوستن عرضت كيف تمكنت بعض النساء أن تحارب تبعيتها وتفكر بنفسها، كما ظهرت في بعض شخصياتها مثل «إليزابيث بانيت» و«فاني برايس» اللاتين رفضتا عروض زواج على الرغم من رغبة عائلتهما.

وانتقدت «هيلين» إغفال أوستن للتطورات التي حدثت في ذلك الوقت في الإقبال على الدراسة الأكاديمية، وفي ظهور المجهودات النسوية التي قامت بها عدد قليل من النساء لتمكين المرأة من حقوق أكثر مثل الكاتبة ماري وليستونكرافت.

كما أنها أظهرت النساء في رواياتها يقضين أوقاتهن في الثرثرة والتسوق وحضور المناسبات الاجتماعية، أو قضاء الوقت الترفيهي على شاطئ البحر، أو في مدينة باث – المشهورة بالمنتجعات والحمامات الصحية آنذاك – إلا أن ذلك غير واقعي؛ فالنساء كن يقضين أوقاتهن في أمور أكثر فائدة، أهمها الانشغال بالمسئوليات الاجتماعية، أو المشاركة في الأعمال الخيرية، مثل ممارسة هواية الرسم أو الموسيقى أو الحياكة أو القراءة أو الكتابة، وهو ما قل وصفه في روايات أوستن.

كما أن في وصفها للطبقة العليا لم تعط صورة دقيقة عنها خاصة في «Mansfield Park» حديقة مانسفيلد؛ حيث جاء تكوين شخصية بطلة الرواية في هذه الرواية غير ملائم لتلك الفترة؛ فظهرت شخصية كسولة لا تتحمل مسئوليات المنزل الفخم ولا تفكر حتى للترفيه، ولا تحب القيام بأنشطة اجتماعية، ولا تسعى إلى أن تجد أزواجًا مناسبين لبناتها.

وناقشت «هيلين» علاقات جين أوستن بالمدن الإنجليزية؛ فذكرت أنها وصفت في رواياتها مدينة باث بدقة بالملامح الحقيقة للمدينة، وأظهرت دورها في القرن ال19؛ فقد كان يرتادها الأثرياء لأغراض صحية وترفيهية، وهو ما أعطى الروايات ملمحًا واقعيًا، إلا أن مشاعر جين السلبية تجاه تلك المدينة ظهرت في رواية Persuation» الإقناع» حين ذكرت إحدى شخصيات القصة «آن إليتون» عند وصولها المدينة بأنها تشعر بأنها حبيسة وعلى وشك الموت، والذي يتفق مع مشاعر «جين» الحقيقية تجاه تلك المدينة.

لندن أيضًا ظهرت في روايات «أوستن»؛ حيث جاءت في أربع من رواياتها على أنها المدينة الأنيقة المصممة على أحدث طراز، والتي يرتادها الطبقة الثرية ليتبادلوا الزيارات ويحضروا المناسبات الاجتماعية، ولكنها أيضًا نقلت بأمانة في رواياتها حقيقة لندن في ذلك الوقت بأنها مدينة التطرف؛ حيث يتواجه الجمال والأناقة مع الفقر والقبح والرذيلة.

وذكرت «هيلين» أن «جين أوستن» غيرت أسماء بعض المدن الموجود بالفعل رغبة في الابتكار مثل إطلاقها على «هيبري» اسم «دوركينج».

واختتمت «هيلين» المقال بأن رغم الدقة التي اتبعتها «أوستن» في وصف المجتمع الإنجليزي في تلك الفترة إلا أن الصورة أحيانًا لم تكن مكتملة؛ وذلك لاعتبارات إبداعية، وذلك لا يمنع أن مزجها بين الحقيقة والخيال قدم لنا صورة رائعة لإنجلترا في تلك الفترة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد