التأثيرات السيكولوجية والسيسيولوجية للأدب

كثيرًا ما ينظر إلى الأدب باعتباره وسيلة من وسائل التسلية الفنية، والتي تخلق متنفسًا للإنسان وربما هروبًا من الواقع وتولد لدى الإنسان قدرًا من الذائقة الفنية والتسامي الروحي. وذلك بالفعل صحيح إلى حد ما؛ إلا أن هنالك أدوارًا جوهرية أخرى يساهم فيها الأدب في تشكيل معالم حياتنا عادة ما يتم التغاضي عنها أو إهمالها أو ربما لا يُلتفت إليها. ومن الطبيعي أن يتولد الأدب من التجارب الإنسانية ومن الخبرات البشرية المتراكمة في ذهن الأديب الذي يصورها باستخدام الأساليب اللغوية والكلمات المناسبة، ليجسد الواقع ويولد لدى الإنسان الصورة بتفاصيل حية تتجاوز تفاصيل الصور الفوتوغرافية فتصبح المناظر ناطقة والمساكن عامرة في رؤوسنا والشخصيات أكثر من مجرد أناس عابرين. ولكن السؤال هو كيف يعود التأثير القادم من المجتمع على الأديب إلى تأثير من الأدب على المجتمع؟ فهل يؤثر الأدب في حياتنا فعلًا؟ وما الأدوار التي يلعبها الأدب في مسار حياتنا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما مستوى ذلك التأثير؟ وتشكل هذه التساؤلات منطلقًا بحثيًا أكثر من كونه موضوع مقال، وقد تناوله الكثيرون بالبحث والتحليل إلا أن هذا المقال يلقي بالضوء على هذه التأثيرات من منظور التأثيرات النفسية الفردية وانعكاساتها على التأثيرات النفسية الجمعية.

لوحة من تصميم: شادي جعفر

ومن المفاتيح التي تساعدنا في فهم الأدوار التي يلعبها الأدب هو في تحليل العلاقة بين الثقافة والحضارة ومكانة الأدب بينهما. حيث يعرف البعض الثقافة باعتبارها «كل القيم المادية والروحية -ووسائل خلقها واستخدامها ونقلها- التي يخلقها المجتمع من خلال سير التاريخ». ومن هذا التعريف نستوحي وجود قيمتين في الثقافة أو لنقل نوعين من الثقافة، ثقافة مادية ترتبط بالعمران والإنتاج والتطور التكنولوجي… وثقافة روحية تشمل المنجزات في العلم والأدب والفن والفلسفة والأخلاق… إلخ.

وهذا المفهوم ربما يخلط في نظرنا بين الثقافة والحضارة. ففي حين أن الثقافة هي بناء معرفي يشتمل على الأدب والفنون والأخلاق والعادات والتقاليد وأساليب الحياة، تمثل الحضارة إحدى مراحل التطور الإنساني والتي تنتقل خلالها التجمعات البشرية إلى أشكال أكثر تعقيدًا في البناء والهياكل والروابط الاقتصادية كما تشتمل على تراكم مكونات الثقافة ولا تقتصر عليها.

ويرى علي عزت بيجوفيتش أن الثقافة هي «الخلق المستمر للذات»، كونها- كما نراها- تمثل صورًا للتعبير عن الأنا الجمعية والفردية، أما الحضارة فهي «التغيير المستمر للعالم» وهذا هو تضاد الإنسانية والشيئية، في نظره. وهو شيء جدير بالتمعن. ففي حين تمثل الثقافة الهوية والماضي في تجلياته الحالية تمثل الحضارة الحاضر في تراكماته التاريخية وتصوراته المستقبلية.

الأدب هو الرابط العجيب

أما الأدب فيمكننا أن نعرفه باعتباره أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطف الإنسان وأفكاره وخواطره وهواجسه بأرقى الأساليب الكتابية التي تتنوع من النثر والنثر المنتظم إلى الشعر الموزون مرورًا بالقصة والرواية وغيرها. وهو بكل تأكيد أبرز مكونات الثقافة بل يمكن القول أن الأدب أكثر مكونات الثقافة دفعًا نحو الحضارة. إذ أن العمل الأدبي سواء كان أدبًا واقعًا أو خياليًا يعبر عن أشياء في العقل والنفس، يؤثر بعقولنا مستخدمًا اللغة باعتبارها أداة سيكولوجية تلعب أدوارًا سوسيولوجية. وهنا مربط الفرس إذ أن الأدب والذي يعد جزءًا من الثقافة هو في الحقيقة وسيلة مؤثرة على عقولنا وتصرفاتنا وبالتالي وسيلة نحو دفع العقل الفردي ويليه الضمير الجمعي بالاتجاه نحو الحضارة.

وعلى عكس العمل الفني التصويري (الفوتوغرافي أو الفيلم أو اللوحة)، تؤدي الكلمات أدوارًا مختلفة في دماغنا كما يستطع من خلالها الكاتب أن يضع صورة أكثر دقة وتفصيلًا وجذبًا من المنظر نفسه، بعبارة أخرى يجعلك ترى ما لم تكن لتراه بعينيك. وكثيرًا ما نشهد مواقف إنسانية تمر علينا مرورًا سريعًا، لكن حين نقرأ عنها بأسلوب أدبي تظل تتقلب في رؤوسنا في صور ومشاهد مختلفة وتتفنن الكلمات خلالها بالتأثير بمشاعرنا وعواطفنا.

إن الأعمال الأدبية تتيح لنا أن نعيش لحظات لم نكن لنعيشها في الواقع، وعيش مواقف وتجارب بإمكانها أن تؤثر على تفكيرنا وطريقة اتخاذنا للقرارات، ونشعر من خلالها بمشاعر ترتبط بمواقف لم نعشها وعاشها آخرون وكنا معهم بشكل ما من خلال دفتي كتاب. ولكن كيف يمكن لتلك الحروف – التي لا تحمل أي معنى وهي منفردة – أن تجتمع في مخيلتنا لتخلق في عقولنا صورًا وانفعالاتٍ لأشياء وأشخاص وتجارب لم نعشها فعلًا وكيف ينعكس ذلك على صيرورة الحضارة؟

عقولنا تتعامل مع ما نقرأه كما لو كنا نعيشه بكل تفاصيله على أرض الواقع

في حقيقة الأمر ربما تغير إحدى الروايات تفكيرنا وبالتالي مسار حياتنا، إذ تشير الدراسات إلى أن الناس الذين يقرؤون الأدب عادة ما يكونون أكثر فهمًا لمشاعر الآخرين، والأشخاص ذوي الميول العاطفية عادة ما يميلون إلى الأدب. ويمكن أن تصنف هذه العلاقة باعتبارها تبادلية تفاعلية. كما ربطت الدراسات التي أجريت في هذا الصدد بين قراءة الأدب وارتفاع نسبة الذكاء. واعتمد العلماء في قراءة هذه المؤشرات على التصوير العصبي لتفاعل الدماغ مع أنماط وأشكال وسياقات قراءة مختلفة. مستفيدين من تصوير الرنين المغناطيسي لمعرفة المناطق المختلفة في دماغنا والتي تتأثر ببعض الجمل والعبارات.

وأظهرت هذه التجارب نشاط في عدة مناطق في الدماغ بناء على نوع وطبيعة النصوص من المناطق الأمامية والجانبية المسؤولة عن الاتجاه المكاني مروراً بالقشرة الحركية إلى الفص الجبهي المرتبط باتخاذ القرارات، وأظهرت تجارب أخرى زيادة في الاتصال بين مناطق المخ المختلفة وتحسن في وظائفها، بل واستمر هذا النشاط لعدة أيام بعد الانتهاء من قراءة رواية. كما لوحظ نشاط في الجزء الأيسر من القشرة المخية المسؤولة عن اكتساب اللغة، مما يظهر أن عقولنا تتعامل مع ما نقرؤه كما لو كنا نعيشه بكل تفاصيله على أرض الواقع. ومن الجدير بالذكر أنه لا توجد منطقة في الدماغ مسؤولة عن القراءة بل تخلق القراءة شبكة من التفاعلت بين أجزاء الدماغ المختلفة.

الأدب والصورة

ففي نظرة عابرة على ظهور الكتابة كجزء من اللغة، وبما أن الكتابة هي رموز مصورة للتعبير عن أشياء وأحداث بعينها، فقد ورد في كتب السير الإسلامية القول الشهير للأعرابي: «البعرة تدل على البعير، وأثار القدم تدل على المسير» هذه في الحقيقة -كما أراها- هي محاولات القراءة الأولية للإنسان، فعودة إلى تاريخ ما قبل اكتشاف الكتابة ندرك أن الإنسان الأول في سعيه للتواصل والصيد وربما لتحذير البعض، قد استخدم رموز الطبيعة كحروف تقرأ، فأثار العشب المنداس عليه وأثار الأقدام أو حواف الحيوانات أو الأغصان المكسورة وربما إشارات الدخان المنبعثة من مكان بعد اختراع النار، كلها دلالات اضطر الإنسان الأول ليوليها اهتمامًا وقراءة متمعنة في سبيل البقاء.

الأدب يخرجك من زاوية الأنا إلى فهم الآخر

ثم تحول الإنسان إلى الرسم في الكهوف – وهي من أوائل صور التواصل المبسطة والتي قد يفهمها البشر على اختلافهم- وانتهى لرموز لا يفهمها إلا مجموعة معينة من الناس الذين يتشاركون معاني هذه الرموز بصور أكثر تعقيدًا. فتحولت الصورة الفعلية إلى صورة مرسومة وانتهت برموز صغيرة وغريبة.

وفي مشهد مثير للدهشة والإعجاب انتقلت القراءة من منفعة آنية-لحظية لفهم الطبيعة والآخر في صراع البقاء، إلى آلة زمن، تسافر فيها عبر الماضي لتستمع من خلالها إلى أناس سبقوك وتجارب مرت دون أن تلحظها أو حتى تدقق فيها على الأقل، إن لم تكن بالفعل قراءة في آلاف السنين سابقة لوجودك، وجهاز لتخاطر أفكار بين الكاتب والقارئ في تفاعل دراماتيكي عجيب، ووسيلة لتبادل المشاعر والإحساس بالتعاطف مع الآخرين دون سماع أصواتهم أو معرفتهم أو حتى النظر في وجوههم. تنقلك بحرية وسهولة عبر الزمان والمكان.

وعلى خلاف كل ما هو مكتوب، فإن للأدب تأثيره الخاص في عقولنا، إذ أن اللغة الأدبية المفعمة بالقدرات التصويرية والجمل التشبيهية والألفاظ الغريبة تستفز أماكن مختلفة من دماغنا. ففي أحد أعمال الأديب الإنجليزي وليم شكسبير، يقول على لسان كوريولانوس: «this last old man whom with a cracked heart I have sent to Rome, loved me above the measure of a father; nay, godded me even» (مسرحية مأساة كوريولانوس) – «هذا الرجل المسن، والذي بقلب محطم أرسلته إلى روما، أحبني فوق مقياس الأبوة، وربما ألهني حتى» وبدل من أن يقول (Made God of me) أي «جعلني إلهًا»، يستخدم شكسبير أسلوب الصدمة للقارئ عن طريق الاستخدام الأدبي للألفاظ والتلاعب بها، بما في ذلك من تحويل مفاجئ للاسم إلى فعل. وبذلك يبتدع ألفاظًا جديدة لم تعهدها اللغة الإنجليزية.

«ليس من رأى كمن قرأ» ليست مقولة صحيحة تمامًا

ومن خلال استخدام هذه العبارات في تجربة لعلم الأعصاب، أثبتت أن «هذه الأشكال الموجودة أمام أعيننا لديها تأثير على الأشكال الموجودة خلف أعيننا» على حد تعبير فيل ديفز، أستاذ الأدب الذي ذهب للقيام بهذه التجربة بنفسه لدى أستاذ علم الأعصاب في جامعة بانجو، جيوم تيريا، والذي استخدم صورًا كهربائية، لمعرفة ما الذي يحدث داخل دماغ فيل حينما يقرأ تلك الكلمات لشكسبير، وأوضحت التجربة أن العقل عندما يرتبك بسبب معنى كلمة فإنه يتفاعل بإصدار نبضات كهربية بعد حوالي أربعمائة ملي ثانية من قراءة الكلمة، وإذا كانت الصدمة بسبب نحوي فإنه يخلق تفاعلًا مختلفًا بعد ستمائة ملي ثانية.

وهنا يكمن دور الأدب المتميز في بيولوجيا أدمغتنا عن غيره من الكتابات. فللأدب وحده القدرة على خلق الصور وسلاسة السرد والدخول إلى مكنونات النفس البشرية. الأدب وحده يستطيع أن يشعرك بالرحمة والشفقة والغضب والحب والسعادة والحزن والتحدي والاحتقار والاشمئزاز والتعاطف مع الغير، كما يجعلك تخرج من زاوية الأنا إلى فهم الآخر.

فعندما يقال أن القراءة تضيف حيوات إلى حياتك فإن ذلك الكلام حرفيًا صحيح، فكما أشارت الدراسات فإنك بالفعل تعيش التجارب وتعايش المشاعر مقاربة إلى حد كبير لتلك التي عاشها الأشخاص الذين تقرأ عنهم. وربما مقولات مثل: «الصورة أبلغ وأكثر تعبيرًا من ألف كلمة»، «ليس من رأى كمن قرأ» ليست صحيحة تمامًا.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من هذا المقال..

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد