التأثيرات السيكولوجية والسيسيولوجية للأدب

الأدب والتغيير في المجتمع

إن التغيرات التي يحدثها الأدب في العقل والنفس لدى الأفراد تنعكس في سلوكياتهم؛ إذ يعزز الأدب قيمًا لدينا، أو ربما يلغي قيمًا أخرى، ويبني لدينا تصورات وأفكار حول أنفسنا والآخرين، أو ربما يهدم تصورات سابقة، كما يناقش الأدب واقعًا فيلفت نظرنا ومشاعرنا إلى أشياء لم نكن لنلتفت إليها أو نشعر بها، فيساهم في تشكيل وعي فردي أولًا حول ما يجب تغييره أو تعزيزه. كما يلفت نظرنا إلى تجارب إنسانية سابقة تعزز لدينا فهمًا للواقع فيما هو كائن وما يجب أن يكون. ولكن كيف يصبح هذا التغيير الفردي – الذي يمارسه الأدب في عقولنا – ظاهرة اجتماعية؟

عصر النهضة استهدف بشكل أساسي بعث الأداب الإغريقية القديمة.

فيخبرنا علم النفس الاجتماعي أن هنالك ظواهر سيكولوجية يمكن أن تصبح ظواهر سيسيلوجية، أي من ظوهر نفسية فردية إلى ظواهر نفسية جمعية. مثل العصاب والشيزوفرنيا (انفصام الشخصية). بالإضافة إلى أننا يمكن أن ننظر إلى الموضوع من زاوية تأثير الفرد (القائد أو المفكر) على الجماعة. أي من قدرة الأفراد على التأثير في الوعي الجمعي. وهو ما يدعمه بكل تأكيد الواقع التاريخي.

وإذا ما حاولنا أن ننتقل الى أمثلة عملية، فيمكننا أن ندرك أن كثير من التحولات التاريخية أسهم بها الأدب بدور كبير، فعصر النهضة والحركة التي نشأت خلاله في إيطاليا استهدفت بشكل أساسي بعث الآداب الاغريقية القديمة والتي أطلق عليها اسم الآداب الإنسانية، وهو ناتج بطبيعة الأمر عن تأثر طبقة الأمراء بهذه الآداب، والذي لم يُعرّفهم على «ما كان» ويفسر لهم بشكل أو بآخر «ما هو كائن» فعلًا، بل خلق تصورات لـ«ما يجب أن يكون» عليه الحال، فانطلقت النهضة الأوروبية في كافة الفنون، وإن اقتصر دور الأدب في تلك الفترة على الطبقات القائدة للمجتمع بسبب انتشار الأمية وعدم اختراع الطباعة بعد، إلا أن الأدب ارتبط بالفنون الأخرى كالمسرح ليصل بقوة إلى الجماهير، كما أن التحولات التي شهدتها نهاية فترة الاقطاع وظهور الرأسمالية كان لطبقة البرجوازية الدور الأساسي والرئيس فيه، وهي الطبقة التي كانت مؤهلة باعتبارها المتذوقة للفنون والأدب والتي أسهم الأدب مع غيره من الفنون والمعارف في صقل مهاراتها وخبراتها كما أسهم في صياغة وبلورة وعيها لتقود هذا التحول. كل ذلك بقيادة الأدب بأشكاله الدرامية في أعمال لوب دي فيجا، كالديرون، سرفانتس، توماس كيد، مارلو، شكسبير، متيو بالمييري وحتى في أعمال شعراء الاغريق أمثال هوميروس ونحوهم، كان للأدب أيضًا دور في حياة وأعمال الكتاب والفلاسفة والسياسيين الذين ناقشوا قضايا متنوعة لعبت أدوار في خلق التصورات وتوليد الأفكار وتشكيل الوعي.

والحديث عن الأدب الروسي على سبيل المثال (إن أخذناه كنموذج قابل للتعميم عن جوهر الفكرة) هو واحد من الأمثلة التي توضح دور الأدب باعتباره وسيلة لتغيير الوعي وتبديل التصورات وقيادة التغيير. إنه أدب نابع من الناس، وصدق من وصفه بالأدب الإنساني. الذي انطلق ليناقش حياة المجتمع الروسي السياسية والثقافية وفي تحليل البنية الاجتماعية والتركيبات الطبقية والمأساة اليومية. أدب جعل المواطن الروسي يقرأ عن نفسه، وعن حياته بشكل لم يكن ليلحظه في دوامة الأحداث اليومية.

فعند قراءة أعمال انطوان تشيخوف الأديب الروسي الكبير، والملقب بملك القصة القصيرة، قد يجد البعض فيها شيئًا من الظلامية الواقعية، وتصويرًا لملل الحياة وقساوة الظروف، تجعل البعض يتساءل في خلجات نفسه عن سبب استخدام تشيخوف لهذا الأسلوب بدلًا عن أدب يسعد القراء ويحولهم عن الواقع وهمومه، فنجد تشيخوف يجيبنا: «لقد أردت فحسب أن أقول للناس بصدق وصراحة: انظروا إلى أنفسكم، انظروا كيف تحيون حياة سيئة ومملة. فأهم شيء أن يفهم الناس ذلك، وعندما يفهمون سيشيدون حتمًا حياة أخرى أفضل.. وستكون حياة مختلفة تمامًا، لا تشبه هذه الحياة». هكذا لعب الأدب الروسي أدوار مهمة في عصر القيصرية في توليد وعي بالمعاناة، ووعي بالواقع وضرورات تغيره.

فلو مررنا مرورًا سريعًا على قصة «الفلاحون» لانطوان تشيخوف، لوجدنا مثالًا واضحًا وقويًا لما نتحدث عنه. فيها يشرح أنطوان قصة الحياة اليومية للفلاحين، يصف فيها بشاعة الحياة التي تثير فيك الاشمئزاز والألم والإحساس بالضيم. حياة تملأها المعناة والمرض والفقر والقهر والظلم واحتقار المرأة والقذارة في الناس والألفاظ، قهر الرجال وهروبهم من الواقع المر بالشرب، التقسيم الطبقي الذي يظهر بالبنيان كما في الإنسان، والظلم الاجتماعي ورخص حياة الفقراء، ويوضح كيف يُسكن الدين الألم في قلوب الضعفاء، كما يفعل المخدر مصداقًا لمقولة الفيلسوف الألماني كارل ماركس: «الدين هو زفرة المخلوق المضطهد، القلب لعالم لا قلب له، مثلما هو روح لوضع بلا روح. إنه أفيون الشعوب». فلا تدري أتبجله لصنيعه أم تحتقره! لتثير هذه القضية لاحقًا نقاشًا في روسيا كلها.

إن أنطوان تشيخوف في هذه الصورة الواقعية المرة والفجة لا يقول للناس هذه ليست حياة فتخلصوا من حياتكم، بل يهزهم وهو ممسكٌ بتلابيبهم ويصرخ فيهم هذه ليست حياة فغيروها، إذ يقول: «الشمس لا تشرق في اليوم مرتين، والحياة لا تعطي مرتين، فلتتشبث بقوة ببقايا حياتك ولتنقذها».

ونقولاي غوغول الذي أبدع بروايته «المعطف» والتي وصفت الحياة المملة بطريقة لا تخلو من السخرية المليئة بالمرارة جعلت الروائي الروسي تورغينيف يقول: «كلنا خرجنا من معطف غوغول»، وبالفعل خرجت بعدها كل الروايات الواقعية في روسيا. كما سخر في مسرحية «المفتش العام» من النظام البيروقراطي الفاسد. ومُنعت لاحقًا واضطر إثرها إلى الرحيل عن روسيا. ونال غوغول شهرة واسعة النطاق حتى أصبحت رواياته أمثال «الأنفس الميتة» تُقرأ على الأميين.

ليو تولستوي، رواياته التي تنضح بالمعالجات الأخلاقية والاجتماعية والفلسفية تبدو ذات رسائل ناقدة. ففي روايته آنا كارينينا ينتقد التركيبة الاجتماعية والتفرقة بين الرجال والنساء، والتي أقل ما يقال عنها إنها ومن خلال القضايا الاجتماعية والأخلاقية التي ناقشتها قد حركت إن لم تكن هزت المجتمع الروسي.. كما شكلت روايته الشهيرة الحرب والسلام توصيفًا سياسيًا وعسكريًا للأحداث التي ضمت كل من روسيا وأوروبا 1805-1820.

كذلك الأمر مع فيدور ديستوفسكي، الذي يدخل إلى أعماق النفس البشرية، ويدرك قراءة أنه يعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم، فيسرد مشكلاتهم ويصور أوجاعهم ومعاناتهم وتناقضاتهم بشكل غاية في العمق وبعيد كل البعد عن السطحية. بالإضافة إلى أدباء أمثال فيساريون بلينسكي، وبوشيكن، إيفان غوونتشاروف، إيفان تورغينيف، نيكولاي تشيرنيشيفسكي، فلاديمير نابوكوف، مكسيم جوركي… إلخ، كلهم شاركوا في تشكيل معالم الشخصية الروسية وتوليد الوعي لديها بقضاياها ومشكلاتها، وخلقوا تصورات جديدة للوطن والمجتمع. قادت مثل هذه الأعمال إلى تغيير حقيقي في الوعي الجماهيري ووعي النخب على المستويين البرجوازي واليساري وساهم في إنتاج الحراك الذي أدى إلى انتفاضة الديسمبرين عام 1825 وثورة 1905 وصولا إلى مارس ونوفمبر (تشرين الثاني) وأكتوبر (تشرين الأول) من عام1917.

إن الأدب بما أبدعه كتابه العظام بغض النظر عن آرائهم قد أدى إلى خلق تصورات وقيادة تغيير ربما لم يكن ليخطر لهم على بال. هذا من ناحية التأثير الجمعي، لكن هل هناك صورة أكثر تحديًا في تأثير الرواية على الفرد القائد على وجه التحديد؟

تأثير الأدب على القائد

كان قائد الثورة البلشفية، فلاديمير اليتش إليانوف لينين، متأثرًا تأثرًا كبيرًا بالأدب بشكل عام والروسي بشكل خاص. لقد كانت مسرحيات شكسبير وأعمال غوته وبوشكين تقرأ في بيت العائلة بصوت عال، ما كان له دور في تشكيل هوية ذلك المفكر والثوري منذ طفولته. كما عرف عنه أنه كان يقرأ الأدب اللاتيني بلغته الاصلية. فقرأ لفيرجيل، وأوفيد، وهوراس، جوفينال، وغوته وغيرهم. وكثيرًا ما يستشهد لينين بمقولة «النظرية رمادية اللون، يا صديقي، ولكن شجرة الحياة خضراء إلى الأبد» والمأخوذة من «مأساة فاوست» لغوته. فتأثر لينين بالأدب وتفاعل معه ولا نبالغ إن قلنا إن الأدب قد صاغ كثيرًا من رؤى قائد الثورة.

تخبرنا مريم ناجي في مقال لها بعنوان: «لينين قارئًا»، عن مدى تأثر قائد الثورة برواية «أبلوموف» التي كتبها «إيفان غونتشاروف» في 1859، وعن كون تلك الرواية لم تضف نظرة جديدة لواقع طبقة ما، بل أيضًا مصطلحًا جديدًا إلى المعجم الروسي وهي «Oblomovism» الأبلوموفية. وهو ما أطلقه غونتشاروف لوصف نزعة الكسل والتراخي لدى بطل الرواية كرمز يصور من خلاله تبلد طبقة النبلاء في ذلك الوقت، أصبحت تلك الكلمة وسيلة لإهانة الفئة التي ساعدت في تدعيم ركائز الحكم المطلق في روسيا. أما لينين نفسه فقد استخدمها للإشارة إلى أن هذا المرض لم يكن متفشيًا فقط لدى الطبقة العليا، بل في مختلف قطاعات البيروقراطية القيصرية.

كما يظهر تفاعل لينين مع الأدب من خلال مقالاته حول قضايا الأدب والفن، وتأثير ذلك الأدب في التحليل السياسي لقائد الثورة، فقد كتب – على سبيل المثال – عن تناقضات تولستوي وانتقدها، ولكنه رآها أيضًا تعبيرًا عن التناقضات في الحياة الروسية. وهو ما تحدث عنه في مقال بعنوان: ليو تولستوي مرآة الثورة الروسية.

وصادفت في صغري إحدى كتب لينين في مكتبة والدي بعنوان: «ما العمل؟» (1902)، ولم أكن أدرك مدى تأثير الأدب في ذلك العنوان الجاذب. في الواقع قبل ذلك بكثير كتب نيكولاي تشيرنيشيفسكي رواية بعنوان: «ما العمل؟» ذات طابع طوباوي، أثناء احتجازه السياسي في سانت بطرسبرغ.

هوجمت رواية تشيرنيشيفسكي هجومًا لاذعًا، حتى وصل ذلك النقد للينين الذي قال: إنهم لم يقدروا عمقها، وأن الرواية مبنية على حقائق بسيطة، وهي أن أصولنا تنحدر من القردة، وليس من آدم وحواء، وأن الحياة من وجهة نظره عملية بيولوجية قصيرة الأمد. ومن هنا جاءت الحاجة إلى السعي ليكون كل فرد سعيدًا.

اللغة الأدبية في الكتب الدينية دليل على قوة تأثير الأدب.

كما كان لينين معارضًا لوجود فن بروليتاري تكتبه الطبقة العاملة لأفرادها، وهاجم بشدة دعوات جماعة البروليتكولت (الثقافة البروليتارية) للقطيعة مع أدب الحقبة القيصرية باعتباره أدبً برجوازي، بل ركز على ضرورة تمكين الجماهير من امتلاك الثقافة، وبالتالي امتلاك الآداب والفنون. وهو ما يفسر اهتمام الاتحاد السوفيتي ودور النشر فيه بالأدب الروسي وترجمته ونشره في تلك الفترة، وإن ببعض الانتقائية كما قد يأخذ عليه البعض.

هكذا لعب الأدب دورًا في الثورة الروسية على مستوى النخب والجماهير، ولكون الثورة ضرورة اجتماعية لا مناص منها فقد وجدت بتنوع صياغاتها في بادئ الأمر.

إن مثل هذا التأثير وإن اختلف في منطلقاته أو مداه موجود في نماذج عدة عبر التاريخ، ولعلنا ننظر إلى استخدام الديانات على اختلافها للغة وتعبيراتها وأساليبها الأدبية في كتبها دليلًا على قوة الأدب في خلق التغيير والتأثير على الوعي ومن ثم تغيير مسار التاريخ. ومن الثورة الفرنسية إلى التحولات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية، بل حتى في النظر إلى الواقع العربي وموقع الأدب فيه تجد أن معضلاته مرتبطة بالقراءة وبالأدب. وهو ما يبرز من خلال فجوات في نسب القراءة لدى المواطن العربي مقارنة بغيره كما نجد فجوات بين المثقفين ومعاناة المجتمعات العربية ومشكلاتها الحقيقة. وهو ربما موضوع مقال آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد