إن مفهوم التنمية البشرية، يشمل التنمية الاقتصادية والسياسية والسكانية وغيرها، وأخيرًا يأتي العامل النفسي الذي يهيّء الإنسان للتنمية، جميعها عناصر تتكامل معًا مع عناصر أخرى لإحداث تنمية شاملة كما حدث في  مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكننا نرى في الوقت الحالي أن التركيز على التهيئة النفسية للتنمية آخذ بالازدياد، بمقابل عدم وجود تنمية حقيقية في المجالات الأساسية ذات الأكثر أهمية، فأن نقنع الشخص أنه سوبر مان خارق على أرض الصومال أي في بلاد الفقر الاقتصادي،  نعبئ معدته الجائعة بالهواء، ونقنعه أنه تكّرَّش من الرخاء والسعادة، وهي في الحقيقة مجرد نفخة!

زاد الحديث عن التنمية البشرية في بلادنا على يد الراحل إبراهيم الفقي وغيره من الرواد الأوائل، بعد انتهاء حقبة الفقي – رحمه الله – بدأت الأمور في الانحدار شيئا فشيئًا، حتى وصلت إلى مستوى الدجل وتجارة الدجل.

في تعريفه للدجل على أنه “اللعب على آمال وطموحات البشر” كان أحمد زكي الفنان المصري القدير يحدّثنا عن التنمية البشرية دون أن يدري، فلم يكن الدجل تطور في عصره إلى مرحلة الخروج إلى العلن وممارسة طقوسه أمام العامة على اختلاف مستواهم التعليمي والثقافي.

نعم لقد تطور الدجالون، وأصبحوا يرتدون البذلات الأنيقة والساعات الثمينة ويتوّجون بكم هائل من الشهادات العلمية التي لا يمكن استيعاب تواجدها مع من هم في سن هؤلاء! في المتوسط ستجد مدربي التنمية البشرية يحملون ما لا يقل عن 3 شهادات دكتوراه و4 ماجستير من جامعات ستانفورد وأكسفورد وميتشغين وكامبريدج، نعم فنحن نتحدث عن القواسم المشتركة بينهم وهذا أبرزها وأعجبها في نفس الوقت.

على الصعيد الشخصي لست مستعدا لأضيع نقودي ووقتي على محاضرة يردد فيها شخص أحمق جُملا بإمكان أخي الصغير إدراك معناها، جملا مثل “كن أكثر تفاؤلا”، و”ركز على الجانب الإيجابي من المشكلة”، وغيرها من الجمل المفرغة! زيف مفرغ من القيم السامية للعمل، يبيعون الوهم فقط لا غير!

في سياق آخر يحاول البعض ممن يمكن تسميتهم بالمتعاطفين مع التنمية البشرية، كانت التسمية هكذا لأن التنمية البشرية تعمل على تغذية الجوع الفطري لدى الناس في أنهم مركز الكون وأن بإمكانهم عمل كل شيء، وأن دورهم في الحياة يتعدى قيادة “التاكسي” أو بيع الفول، يحاول هؤلاء رمي التنمية البشرية في أحضان علم النفس أو علم الاجتماع في سعيهم لإضفاء الطابع العلمي على هذه الهراء. ولكن هل يمكن لهؤلاء أن يمدونا ببحث علمي واحد محكم؟ هل بإمكانهم أن يدلونا على مجلة علمية تبنت هذه الخزعبلات؟ هل هنالك أكاديمي واحد يعمل في جامعة مرموقة في هذا المجال؟ الإجابة هي لا!

أمام تعريف التنمية البشرية من قبل بعض المتابعين لها على أنها العلم الذي يجعلك تشعر بأنك إنسان رائع . وهل نحن بحاجة إلى علم أو مدربين مهمتهم ترتيب الكلمات والجمل برتم معين حتى نشعر أننا أشخاص رائعون؟ أمي تستطيع فعل ذلك معي دون الحاجة الى أي كتاب في التنمية البشرية أو أي دورة معتمدة من دوراتهم البائسة!

هنالك العديد من ممارسات التنمية المنتشرة والتي تتعدى حدود الصحة العلمية مثل البرمجة اللغوية العصبية والعلاج بالطاقة والتخاطر والإسقاط النجمي وغيرها من أمور النصب هذه والتي يتم صياغتها على أنها علوم حقيقية وهي في الأصل علوم مزيفة ليس لها أساس من الصحة. دعامة هذه العلوم الزائفة أشخاص مصرون على أن الأدلة العلمية تقف وراء ممارساتهم هذه، ونحن لا زلنا في حيرة من أمرنا، أين هذه الأدلة بحق الجحيم؟!

أما عن وجهة نظري في بعض النواحي من هذا الأمر فأنا قادر وبشكل جيد على تفهم بعض النشاطات مثل وجود دورات تعريفية أو تدريبية لطرح وسائل جديدة وممارسة جيدة من شأنها وضع الناس في الطريق الصحيح في شؤون حياتهم المختلفة والمتشابكة، نصائح عملية مجربة ومطبقة تهدف إلى تنمية معاني الأمل والنجاح والمغامرة في الحياة.

وفي النهاية إن كان ولا بد لوجود مثل هذه الأشياء فلا بد أن تكون على يد أشخاص خاضوا التجربة وعاشوا اللحظة، فليس من المعقول أن يحدثني شخص عن القيادة في الحياة وهو لم يتسلم أي منصب قيادي أو يخض تجربة قيادية واحدة في حياته كلها! أو شخص يسعى لغرس مفاهيم رجل البيع الناجح وهو لم يعمل في البيع ليوم واحد في حياته! هذا هو التعريف العملي للسخف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد