أرقام مفزعة ومشهد قاتم، أمة اقرأ لا تقرأ، وخطر الانقراض. هذه المقالات الكثيرة في بؤس الواقع الثقافي وتدني مستويات المطالعة في العالم العربي تتأسس جلها على إحصائية عجيبة وقديمة تدعي أن العربي يقرأ ربع صفحة في السنة، أي ما يعادل ست دقائق فقط، (هذا يساوي أقل من نصف كلمة في اليوم). من المؤكد أن هذه الأرقام، وهمية ليس فقط لأنها تنسب إلى مؤسسات وتقارير مختلفة ليست ذات مصداقية، دون توثيق أو إشارة إلى المراجع والمصادر (المجلس الأعلى للثقافة اليونسكو الألسكو موقع المستجدات السويسرية مؤسسة الفكر العربي)، بل لأنها أيضًا غير منطقية على الإطلاق. لنفترض أنك قارئ جيد تقرأ بمعدل 25 كتابًا في السنة، وأن كل كتاب يقع في 200 صفحة، هل تعلم أننا لو سلمنا بالربع صفحة، فانك تقرأ لـ20000 عربي.

ثمة دراسة قديمة نسبيًا تعود للعام 2005 بعنوان مؤشر الثقافة العالمي لم تحظ بالاهتمام أصدرتها منظمة نوب وورلد ليمتد البريطانية، ثم انتشرت بشكل كبير بعد أن حولها موقع روسي إلى خريطة. استجوبت الدراسة أكثر من 30000 شخص من 30 بلدًا كبيرًا حول العالم، وحملت مفاجآت كبيرة خاصة للمواقع الغربية التي تناقلت الخبر. احتلت الهند الصدارة بـ10 ساعات و 42 دقيقة قراءة في الأسبوع تلتها تايلندا والصين. فرنسا والسويد سجلتا نسبة تقل عن 7 ساعات، الولايات المتحدة أقل من 6 ساعات، واكتفت كوريا صاحبة أفضل نظام تعليمي في العالم بـ3 ساعات. المفاجأة الكبرى بالنسبة لنا هي تواجد بلد عربي هو مصر في موقع متقدم جدًا وبمعدل محترم جدًا 0 7.5 ساعة قراءة في الأسبوع.

إذًا كم يقرأ العرب فعلاً؟ في البداية يجب التنبيه إلى أن معظم الدراسات والاستبيانات المتاحاة، قطرية كانت أو اقليمية، ضعيفة التوثيق والمنجهية، و هو ما يفسر التباين حـتى التضارب في النتائج النهائية. لذلك سنكتفي بمصدر واحد هو مؤشر القراءة العربي 2016 الذي أعدته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم بالاشتراك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وشمل أكثر من 145 ألف من مختلف الدول العربية.

وإذ يحاول التقرير أن يبني مؤشرًا متكاملًا يرصد واقع القراءة في الوطن العربي، فإنه يقدم لنا على الأقل أرقامًا تناقض المتداولة. يقرأ العرب بحساب عدد ساعات القراءة سنويًا ما معدله 35.24 ساعة للفرد. تتراوح الأرقام بين 7.78 ساعة في الصومال و63.85 في مصر. وبحساب الكتب المقروءة سنويًا، لكن باحتساب الكتب ضمن نطاق العمل أو الدراسة فإن النسب تتراوح بين1.74 و28.67 كتابًا بمتوسط عربي يفوق 16 كتابًا. في مصر ولبنان أين تسجل أعلى مستويات القراءة فإن المعدل دون احتساب الكتب ذات الصلة بالعمل أو الدراسة يساوي 16 .10 دول عربية أخرى تتخطى المعدل العربي هي المغرب وتونس والجزائر وفلسطين والأردن والإمارات وقطر والبحرين والسعودية. من باب المقارنة فإن الفرنسيين المعروفين بنهمهم للجبن والكتب حتى الافتراس، كما تقول العبارة الفرنسية، يقرؤون بمعدل سنوي يتراوح بين 16 و20 كتابًا. أما الأمريكيون فيسجلون نسبة أضعف من هذه: 12 كتابًا في 2016 حسب مركز بيو للإحصاء.

يشير التقرير إلى رقم آخر مهم هو نسبة القراء. مرة أخرى تخالف النتائج الاعتقاد السائد، فالنسبة الأهم من العرب تقرأ، وإن بمعدلات متفاوتة، مصر 88 بالمئة، الأردن 65، سوريا 68، الجزائر 68، المغرب 49، تونس 44. على الجانب الآخر يقرأ 91 بالمئة من الفرنسيين، و 73 بالمئة من الأمريكيين، و75 بالمئة من البريطانيين.

الخلاصة من كل هذا ودون الخوض كثيرًا في الإحصائيات، لا وجود لأزمة قراءة ولا داعي للتباكي ونشر الإحباط. العرب ليسوا قارئين سيئين على الإطلاق، بل إن مؤشرات القراءة في تحسن ملحوظ، خاصة بين الشباب. الإقبال يزداد على مواقع تحميل الكتب ونوادي الكتاب الإلكتروني. الكتاب الإلكتروني هو معطى جديد يميز سلوكيات القراءة، و قليلًا ما يؤخذ بعين الاعتبار. صار يزاحم الكتاب الورقي لأسباب كثيرة، كثراء المكتبة الإلكترونية، وسهولة الحصول على العناوين مجانًا، والانتشار الواسع للتقنيات الحديثة. من المألوف اليوم أن تجد شبابًا يطالعون من كتاب ورقي أو لوحة ذكية في وسيلة نقل عمومي أو في مكان عمومي باللغة العربية أو باللغات الأجنبية. مع ذلك لا يجب التفاؤل كثيرًا بالواقع الثقافي العربي، ففي مقابل انتعاش مستويات القراءة، فإن نسبة إنتاج الكتب تبقى شحيحة جدًا ولا تليق بحجم المنطقة الديمغرافي والحضاري.

تخيل أن الولايات المتحدة أصدرت في 2013 304912 كتاب، والصين 440000 كتاب، فيما لم تنتج مصر، مكتبة الإسكندرية، بـ95 مليون نسمة، سوى 9000 كتاب، وقليل (9022). هذا أقل من دول صغيرة جدًا في السكان والمساحة، مثل سنغافورة هونغ كونغ أو سلوفاكيا. معظم الدول العربية لا تستطيع أن تتجاوز حاجز الألف كتاب في السنة: تونس 720، الجزائر 670، المغرب 918، الأردن 522.

ربما الأحرى بنا أن نقول: إن أمة اقرأ تقرأ، لكنها لا تكتب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة, عرب, مطالعة

المصادر

تحميل-مؤشر-القراءة-العربي
inde-pays-lecture
Books_published_per_country_per_year
book-reading-2016
عرض التعليقات
تحميل المزيد