محمد إلهامي
محمد إلهامي

7,350

هذا هو المقال الثالث الذي نفتح فيه هذا الباب غير المشتهر عن دور محمد علي باشا في تأسيس دولة إسرائيل، وقد التزمنا فيه بأمريْن: ألا ننقل معلومة بغير مصدر، وألا ننقل عن مصدر له موقف سلبي من محمد علي، فكل مصادر هذه الدراسة إما كتب مؤرخي بلاطه وبلاط أسرته الموضوعة أساسًا لمدحه والثناء عليه، وإما وثائق دولته المحفوظة بالأرشيف، وإما مصادر أجنبية معجبة بمحمد علي.

وضعنا في المقال الأول تمهيدًا للموضوع وعلاقة محمد علي القديمة بالأجانب -ومنهم اليهود- والاستكثار بهم في أعمال الدولة، وذكرنا في المقال الثاني كيف بذل محمد علي جهده لجذب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وأسس لهم اقتصاديا وقانونيا –وبالتالي: اجتماعيا- ما يشجعهم على البقاء فيها.

والآن نفتح بابًا آخر، وهو التسهيلات السياسية والاقتصادية والقانونية التي قدمها محمد علي لترسيخ الوجود الأجنبي في الشام مما جعل فكرة الدولة اليهودية تنتقل من أحلام المتدينين والدراويش والأدباء اليهود لتصير مشروعًا سياسيًّا تتناوله أروقة الساسة والمفكرين والصحافة.

ثانيا: تقديم التسهيلات للأجانب

كان من أول ما فعله إبراهيم في الشام أن «أذن للتجار الأجانب بأن يبتاعوا ويبيعوا في داخل البلاد، وقد كان محظورا عليهم الاتجار مع غير بعض المواني في الساحل»[1]، وتظهر الوثائق أن محمد علي سمح للإنجليز ولغيرهم من الأوروبيين بتجارة التنباك بغير تدخل ولا إشراف من الدولة، برغم أن مستندهم في هذا فرمان مبهم غامض[2]، كذلك فقد فتح إبراهيم باشا «أبواب دمشق للأوروبيين، وكان دخولها محرمًا عليهم»[3].

ويروي داود بركات، في كتابه الذي ألفه لمدح إبراهيم باشا، أن الحكومة المصرية «سَهَّلت قدوم الإفرنج من مرسلين وتجار وسواهم، فأنشأوا المدارس»[4]، لكن الذي كتمه ولم يظهره كشفته دراسات يهودية أخرى تحدثت عن المدارس التي أسسها اليهود الأوروبيون أمثال موسى مونتفيوري وأدولف كريمييه وسلومون مونك الذين قصدوا إلى إنشاء مدارس حديثة يتعلم فيها الشباب اليهودي بالمعايير الحديثة[5]، ليتحقق لهم نوع الاستقلال التي تجعلهم «ليسوا بحاجة لليهود الغربيين للدفاع عنهم»[6].

وبعد أن كانت الوظائف العليا الحساسة محظورة على غير المسلمين، قلدت الحكومة المصرية «من المسيحيين الوطنيين والإفرنج الوظائف في الجيش والدولة، ومنحتهم الرتب والألقاب»[7]، حتى في بيت المقدس صار الأجانب مشاركين في الحكم والإدارة، فقد رُتِّب «مجلس شورى القدس» الذي يتولى التنظيم الإداري فيها على نمط لا سابقة له، إذ صار مكونًا من أربعة عشر عضوًا فيه ممثل عن اليهود «الخواجه رونه»، وممثل عن الأجانب «يوسف» وممثل عن الأرمن «ياقوب حاسر»، وكان القائم على خزينة بيت المقدس «الخواجه أنطون أيوب»[8].

وصاروا يطالبون بالترخيص بمشروعات اقتصادية، وقد سُمِح للحاخام الإسرائيلي بإنشاء طاحون كبير، كما سُمِح لليهود بتعليم الجنود صنع العباءات[9]، وطلبوا كذلك الترخيص «لهم بمشترى الأملاك وأراضي الزراعة وتعاطي الحرث والزرع وتعاطي البيع والشراء وبيع الأغنام والأبقار، وتعاطي مَصَابِن ومعاصر[10] بناء يدفعوا المرتب للميري مثل الرعايا، هذا مضمون استعلامهم» وأرفق بهذا الطلب رأي مجلس شورى القدس الذي يرفض الموافقة على هذا المطالبات التي «ما سبق لها أمثال» والتي هي تصرف في أراضي «ميرية ووقفية، فالتماسهم بذلك لا يوافق حكم الشريعة ما عدا تعاطي البيع والشرا بالتجارة التي يجلبوها من بلادهم من أنواع التجارة»[11].

ثالثا: إنشاء مشاريع لترسيخ النفوذ الأجنبي

لا شك أن المآل الطبيعي لانفتاح دولة محمد علي على الأجانب ثم حربها الدائمة مع العثمانيين كان يميل بالاقتصاد والمشاريع في منطقة الشام إلى كفة الأجانب، وفي الوقت الذي سمح إبراهيم باشا بكل ما سبق من تسهيلات للأجانب، فإنه اتخذ قرارًا بمنع السفن التركية من النزول بمواني الشام، ومنع القوافل الآتية من الأناضول من دخول الشام تخوفًا من أنها تحمل البارود مددًا للثائرين عليه، مما سبب أزمة تجارية شديدة[12]. هذا مع أن القناصل سيمدون الثوار على إبراهيم باشا في مرحلة لاحقة حين أريد طرده من الشام، ولن يستطيع أن يفعل معهم مثلما فعل مع سفن العثمانيين.

لكن المحاولة الأخطر كانت مع رجل المال اليهودي الأشهر موسى مونتفيوري، الذي استقبله محمد علي بالبشاشة والترحاب في القاهرة، وهذا الرجل هو صاحب أهم وأقوى محاولة لتوطين اليهود في فلسطين قبل هرتزل، وكان له طموح واسع ومعلن[13] نحو استيطان اليهود لفلسطين من خلال شراء الأراضي الواسعة لزراعتها، وكانت أمانيه المنشورة تدل على ضخامة الآمال التي فجرتها سياسة محمد علي لدى اليهود، فهو يريد منه «أن يؤجر لنا مائة أو مائتي قرية لمدى خمسين سنة في مقابل عشرة أو عشرين في المائة تدفع في الإسكندرية من قيمة الإيجار تدريجيا، ويجب أن تكون هذه القرى حرة مجردة من كل مانع ومحذور، أي طليقة من قيود الضرائب والإتاوة كل مدة الإيجار. وللزارعين الحث في بيع تلك الحاصلات في أي بلد من بلدان العالم»[14]، ومع هذا فإن الرواية اليهودية تقول بأن استعداد محمد علي كانت أعلى من طموحات مونتفيوري نفسه لكن المشكلة كانت في أن السلطان هو وحده المخول بالتصرف في الأراضي على هذا النحو، أما محمد علي فقد تعهد لرجل المال اليهودي «بالترخيص لليهود في شراء أية مساحة يستطيعون أن يجدوها في ربوع سورية[15]. ويرغب السلطان في أن يمنحها لهم بمجرد طلبهم. وقال: يمكنكم والحالة هذه أن تنتخبوا حكاما يقع اختياركم عليهم للإشراف على مقاطعات فلسطين بأسرها. وإنني لا أدخر وسعًا في سبيل معاونتكم وشد أزركم في إنجاز هذا المشروع الحميد المفيد»[16].

كذلك أراد مونتفيوي تأسيس عدد من البنوك في سلطان محمد علي باعتباره جزءًا من خطته لإعادة توطين اليهود في فلسطين[17]. وكان بالمرستون –وزير الخارجية البريطاني- صاحب النفوذ الواسع في حكم محمد علي حريصا على تحقيق أوضاع مريحة لليهود في الشام، وكان يرتب لمونتفيوري اللقاءات بالشخصيات التي يمكنها أن تحقق له أحلامه[18].

كان غرض مونتفيوري «توفير وضع متميز لليهود وقدر كبير من الاستقلال الذاتي وتنمية المشاريع الزراعية والصناعية في فلسطين حتى يحقق اليهود الاعتماد على الذات. وفي المقابل اقترح مونتفيوري تأسيس البنوك في المدن الرئيسية في المنطقة لتقدم التسهيلات الائتمانية للمنطقة بأكملها، وقد ساهم مونتفيوري في تأسيس بعض المستوطنات الزراعية في الجليل ويافا، وأسس أول حي يهودي خارج أسوار مدينة القدس، كما أسس بعض المشاريع الصناعية»[19].

لكن مشاريع مونيفوري قُضِيَ عليها مع انتهاء الحكم المصري للشام وعودته تحت سلطة الخلافة العثمانية[20]، إلا أن ما أسس له من مشاريع عمليًّا، وما تمتع به من نفوذ لدى الإنجليز، وما نشأ في الأذهان من خطة توطين اليهود، كل هذا جعله ينجح في «إقناع السلطان العثماني بمنح الامتيازات التي كان يتمتع بها الأجانب لليهود في جميع أرجاء الإمبراطورية، وهو ما ساهم بدون شك في تحويلهم إلى عنصر أجنبي منبتّ الصلة بالمنطقة وذي قابلية خاصة للتحول إلى جماعة وظيفية استيطانية»[21].

ولم يكن مونتيفوي وحده الذي أيقظت أحلامَه سياسةُ محمد علي، بل لقد نشر شارل فورييه كتابه «الصناعة الزائفة» عام (1835 – 1836)، وهو يقترح فيه التخلص من المشكلة اليهودية بطردهم إلى بلاد الشام وتوطينهم في فلسطين وسوريا ولبنان، وكان شارل فورييه من أهم المفكرين الاشتراكيين، وهو يرى أن التجارة هي مصدر شرور العالم وأن اليهود تجسيد للتجارة وأنهم بلا ولاء ولا انتماء إلا للمال، ولا بد للمجتمع أن يتخلص منهم بالدمج أو بالطرد[22].

كذلك فقد نشر شافتسبري (1838م) في مجلة كوارترلي ريفيو (وهي من أكثر المجلات نفوذاً في ذلك العصر) عرضاً لكتب أحد الرحالة إلى فلسطين، ليتوصل منه إلى القول بأنها أرض مناسبة يُنقل إليها اليهود كأيدي عاملة ومهارات تمارس زراعة المحاصيل التي تحتاجها انجلترا، ويكون القنصل الإنجليزي في القدس هو المشرف على هذا الشأن وهو الوسيط بين اليهود وبين السلطان العثماني، وبعدها بعامين كتب هو نفسه وثيقة قدمها إلى بالمرستون (25 سبتمبر 1840م) يسهب فيها في فائدة هذا المشروع لبريطانيا[23].

إن تأمل تاريخ تلك الفترة يقضي بأن فكرة إنشاء وطن لليهود في فلسطين لم تكن لتتوقد لولا ما أتاحته سياسة محمد علي من آمال، فلقد فكرت أوروبا –وعلى رأسها بريطانيا- في ذلك الوقت أن تتخلص من مشاكلها الثلاثة الكبرى دفعة واحدة بهذا الحل «توطين اليهود في فلسطين»، فتتخلص بهذا من المشكلة اليهودية الداخلية، ومن الدولة العثمانية «المسألة الشرقية» بتقسيمها وزرع كيان معاد في قلبها، وقطع الطريق على التمدد الروسي في الشرق. وحاول بالمرستون تسويق المشروع عند السلطان العثماني بدعوى أن إيجاد كيان يهودي يقطع الطريق على أطماع محمد علي أو أي من خلفائه في التمدد نحو الشام!

ولهذا ففي تلك الفترة انتشرت مسألة الصهيونية بين السياسيين حتى من غير اليهود من بعد ما كانت منحصرة في الأدباء والعاطفيين والمبشرين الإنجيليين، وكتبت التايمز أن المسألة «أصبحت قضية حقيقية مطروحة على المستوى السياسي، كما «نشرت جريدة جلوب اللندنية (القريبة من وزارة الخارجية) مجموعة مقالات عام 1839/1840 تؤيد فيها مسألة تحييد سوريا (وضمنها فلسطين) وتوطين أعداد كبيرة من اليهود فيها. وقد حازت المقالات موافقة اللورد بالمرستون. وقد نوقش في مؤتمر القوى الخمس الذي عُقد في لندن عام 1840 مسألة تحديد مستقبل مصر. وفي ذلك العام، كتب بالمرستون خطابه إلى سفير إنجلترا في الأستانة يقترح فيه إنشاء دولة يهودية حماية للدولة العثمانية ضد محمد علي. وقدَّم الكولونيل تشرشل عام 1841 مذكرة لموسى مونتفيوري يقترح تأسيس حركة سياسية لدعم استرجاع اليهود لفلسطين لإقامة دولة محايدة (أي في خدمة الدول الغربية)»[24].

[1] داود بركات، البطل الفاتح إبراهيم، ص133.
[2] أسد رستم، المحفوظات الملكية المصرية، 3/135، (رقم الوثيقة 4642 بتاريخ 22 ربيع الأول 1252هـ = 7 يونيو 1836م).
[3] داود بركات، البطل الفاتح إبراهيم، ص132.
[4] داود بركات، البطل الفاتح إبراهيم، ص189.
[5] Stanford J. Shaw‏, The Jews of the Ottoman Empire, p. 158.
[6] Jonathan Frankel, The Damascus Affair: ‘Ritual Murder’, Politics, and the Jews in 1840, (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), p.376.‏
[7] داود بركات، البطل الفاتح إبراهيم، ص189.
[8] أسد رستم، الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا، (بيروت: منشروات كلية العلوم والآداب، الجامعة الأمريكية في بيروت) 5/224، 226.
[9] أسد رستم، المحفوظات الملكية المصرية، 2/326، (وثيقة رقم 3012، 3015 بتاريخ محرم 1249هـ).
[10] جمع مصبنة من صناعة الصابون ومعصرة.
[11] أسد رستم، الأصول العربية لتاريخ سورية، 3/65، 66. (وثيقة بتاريخ 24 محرم 1253هـ)
[12] محمد فريد، البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية، تحقيق: د. أحمد زكريا الشلق، ط2 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2005م)، ص165.
[13] أفصح عنه بوضوح في جريدة تصدر في صفد 24 مايو 1839 (أي في ظل الحكم المصري) كما نقل ذلك إيلي ليفي أبو عسل.
[14] إيلي ليفي أبو عسل، يقظة العالم اليهودي، ص144 وما بعدها.
[15] كان يُطلق اسم سورية في ذلك الوقت على جميع الشام.
[16] إيلي ليفي أبو عسل، يقظة العالم اليهودي، ص150، 151.
[17] Ben Halpern and Jehuda Reinharz‏, Zionism and the Creation of a New Society, (Oxford: Oxford University Press, 1998), p. 43
[18] Jonathan Frankel, The Damascus Affair, p.376.
[19] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ط1 (القاهرة: دار الشروق، 1999م)، 6/177.
[20] إيلي ليفي أبو عسل، يقظة العالم اليهودي، ص171.
[21] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 6/177.
[22] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 3/167.
[23] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 6/161.
[24] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 6/153 وما بعدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك