يرجع نسب أسامة بن منقذ إلى عرب كنانة من يعرب بن قحطان، وكان بنو مُنقذ أمراء قلعة شـيزر إبان الحروب الصليبية، وكان أسامة فارسًا شجاعًا من أشهر فرسان عصره، تميز بشجاعة قلّ نظيرها، حتى صارع الأسود والسباع فقتلها واحتزّ رأسها، وخالط الفرنجة وعلم من أخبارهم وأحوالهم كما لم يخالطهم أحدٌ غيره، وقد شهد أسامة وشارك بنفسه في تحرير القدس مع صلاح الدين الأيوبي عام 583 هـ، ويعد كتاب «الاعتبار» مادة وثائقية موثقة، تنقل لنا الحياة الاجتماعية في عصر الحروب الصليبية، تناولت «المسكوت عنه» في ذلك العصر، سواء طبيعة حياة الإفرنج في المشرق العربي، أو ما كان يجري في دهاليز القوى الإسلامية المتصارعة، والجانب الإنساني من التفاعل بين العرب المحليين والمستوطنين الإفرنج. ومما نستفيده من هذا الكتاب ما يلي:

1 – تقديم الانتماء للدين عند المسلمين والصليبيين

يحكي أسامةُ بن مُنقذ قصةَ رجلٍ اسمه «علي ابن أبي الريداء» انتقلَ إلى خدمةِ الصليبيين، فكان يَنهضُ بالإفرنج إلى المسلمين يَغنمهم، ويُبالغُ في أذى المسلمين وأخذِ مالهم وسفكِ دمهم، حتى قطعَ سبيلَ المسافرين، وله امرأةٌ تُنكرُ عليه فِعلَه وتنهاه، فلا ينتهي. قال فأرسلت إلى أخيها وأخفتْه في البيت إلى الليل، واجتمعتْ هي وهو على زوجِها فقتلاه واحتملا جميعَ مالها، وأصبحت عندهم في قلعة «شَيزر» وقالت: «غضِبتُ للمسلمين مما كان يفعلُ بهم هذا الكافرُ، فأرحتُ الناسَ من هذا الشيطان». قال: ورَعيْنا لها ما فعلتْ، وكانتْ عندنا في الكرامةِ والاحترام. (صفحة 215).

كما يحكي الأميرُ أسامةُ عن امرأة من الصليبيين فضّلت أن تعيش مع «صانع أحذية» بين قومها على أن تكون أميرةً في ديار المسلمين، فقال:

«فصار إلى والدي عدةٌ من الجواري من سبيهم، وهم لعنهم اللهُ جنسٌ ملعونٌ لا يألفون لغيرِ جنسهم، فرأى منهم جاريةً مليحة شابة، فقال للخادمة: ادخلي هذه الحمَّامَ وأصلحي كُسوتَها، واعملي شُغلها للسفر، وأرسلها إلى صديقه شهاب الدين مالك بن سالم صاحب قلعة جَعْبَر وكتب إليه يقول: غَنِمْنا من الإفرنج غنيمةً وقد نفَّذتُ لك سهمًا منها فأعجبتْه واتخذها لنفسه، فولدتْ له ولدًا أسماه بدران فجعله أبوه وليَّ عهدِه، وكبِر وماتَ والدُه، وتولى بدران البلدَ والرعية، وأمه الآمرةُ الناهية، فواعدتْ قومًا، وتدلَّتْ من القلعةِ بحَبلٍ، ومضى بها أولئك إلى سَروح (إحدى قلاع الفرنجة في الشام) فتزوجتْ بإفرنجي إسكافي (صانع الأحذية) وابنُها صاحبُ قلعة جعبر. (صفحة 217).

ويحكي أسامةُ عن أحد أسرى الصليبيين فيقول:

«فأسلمَ وحسُن إسلامُه فيما يُرى من صلاته وصومه، وتعلّمَ الترخيم (أعمال الرخام) من مُرخّم كان يُرخّمُ دارَ والدي، فلما طال مُقامُه زوّجه الوالدُ امرأةً من قومٍ صالحين، فرُزقَ منها ولدين، وكبِرا وصار لكلّ واحدٍ منهما خمس، ست سنين، وأبوهما مسرورٌ بهما، فأخذهما وأمَّهما وما في بيته، وأصبح بأفامية عند الإفرنج! وتنصّر هو وأولادُه بعد الإسلام والصلاة والدين، فالله تعالى يُطهرُ الأرضَ منهم». صفحة (218).

2 – مدى تخلف علم الطب لدى الصليبيين

يحكي أسامةُ بنُ مُنقذ هذا فيقول:

«ومن عجيبِ طِبهم أن صاحبَ المُنَيْطِرَة كتب إلى عمي يطلبُ منه إنفاذَ طبيبٍ يُداوي مرضى من أصحابه، فأرسلَ إليه طبيبًا نصرانيًّا يقال له ثابت، فما غاب عشرةَ أيامٍ حتى عاد! فقلنا له: ما أسرع ما داويتَ المرضى! قال: أحضروا عندي فارسًا قد طلعت في رجله دُمّلة وامرأةً قد لحقها نُشاف (مرض عقلي) قال: فعملتُ للفارس لَبخةً ففتحتُ الدُمّلةَ وصَلُحتْ، وحمَيْتُ المرأةَ ورطّبتُ مزاجَها، فجاءهم طبيبٌ إفرنجي فقال لهم: هذا ما يعرف شيئًا يداويهم، وقال للفارس: أيُّهما أحبُّ إليك: أن تعيشَ برجْلٍ واحدةٍ أو تموتَ برجلين؟ قال: أعيشُ برِجْلٍ واحدة! قال: احضروا لي فارسًا قويًّا وفأسًا قاطعًا، فحضرَ الفارسُ والفأس، وأنا حاضر، فحَطَّ ساقَه على قُرمة خشبٍ، وقال للفارس: اضربْ رِجْلَه ضربةً واحدةً اقطعها! فضرَبَه وأنا أراه ضربةً واحدةً ما انقطعتْ، ضربَه ثانيةً فَسَالَ مخُّ الساقِ ومات من ساعته. وأبصرَ المرأةَ فقال: هذه امرأة في رأسِها شيطانٌ قد عشقها! احْلقوا شعْرَها! فحلقوه! وعادتْ تأكلُ مأكلَهم: الثوم والخردل، فزادَ بها النُّشافُ. فقال: الشيطانُ قد دخل في رأسِها! فأخذَ المُوسَى وشقّ رأسَها صليبًا، وسلخ وسطَه حتى ظهرَ عظمُ الرأس وحَكّه بالملح فماتتْ في وقتِها، فقلتُ لهم: بقيَ لكم إليّ حاجة؟ قالوا: لا. فجئتُ وقد تعلمتُ من طِبهم ما لم أكنْ أعرفه!». (صفحة 220).

كما يحكي أسامةُ بن مُنقذ مثالًا آخرَ على تخلف العلوم والطب لدى الصليبيين، فيقول عن كليام دبور، صاحب طبرية الصليبي:

«كان عندنا في بلادنا فارسٌ كبير القدر، فمرض وأشرف على الموت، فجئنا إلى قسٍ كبير من قُسوسنا، قلنا: تجيء معنا حتى تُبصر الفارسَ فلانًا؟ قال: نعم. ومشى معنا ونحن نتحققُ (أي نعتقد) أنه إذا حطَّ يدَه عليه عوفيَ! فلما رآه قال: أعطوني شَمعًا، فأحضرنا له قليلَ شَمعٍ، فليَّنه وعمله مثل عُقَد الإصبع. وعمل كلَّ واحدةٍ في جانب أنفه (أي سَـدَّ أنفَه بالشمع) فمات الفارسُ! فقلنا له: قد مات! قال: نعم. كان يتعذبُ، سددتُ أنفَه حتى يموتَ ويستريح!» (صفحة 226).

3 – الاعتراف للصليبيين بالشجاعة العظيمة

لم تمنع العداوةُ أسامةَ بنَ مُنقذ من تحليل شخصية الصليبيين تحليلًا عادلًا، لا غلوَ فيه ولا تقصير، فيشهدُ لهم بالشجاعة ويعيب عليهم انعدام الغيرة فيقول:

«والإفرنج – خذلهم الله – ما فيهم فضيلةٌ من فضائل الناس سوى الشجاعة، ولا عندهم تَقدِمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناسٌ إلا الفرسان، فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم، فالفارسُ أمرُه عظيمٌ عندهم، وإذا كان الفارس دقيقًا (غير سمين) طويلًا كان أعجبَ لهم».

ويقول: «سبحان الخالق البارئ! إذا خبِرَ الإنسانُ أمورَ الإفرنج سبّح الله تعالى وقدّسه، ورأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحَمْل… فكلّ من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقًا من الذين قد تبلّدوا (سكنوا البلاد) وعاشروا المسلمين». (صفحة 135 – 219 – 222).

4 – انعدامَ الغَيرة على النساء عند الصليبيين

ومع اعترافه لهم بالشجاعة يعيب عليهم أسامةُ بن مُنقذ انعدامَ الغَيرة فيقول:

«وليس عندهم شيءٌ من النخوة والغَيرة، يكون الرجلُ منهم يمشي هو وامرأتُه، يلقاه رجلٌ آخرُ يأخذُ المرأةَ ويعتزلُ بها، ويتحدثُ معها، والزوجُ واقفٌ ناحية ينتظرُ فراغها من الحديث! فإذا طوَّلت عليه خلَّاها مع المتحدث ومضى! قال: ومما شاهدتُّ من ذلك: أن رجلًا كان يبيعُ الخمرَ فجاءَ يومًا ووجدَ رجلًا مع امرأته في الفراش! فقال له: أيُّ شيءٍ أدخلك عند امرأتي؟ قال: كنتُ تعبانًا دخلتُ أستريح! قال: فكيف دخلتَ إلى فراشي؟ قال: وجدتُّ فراشًا مفروشًا نمتُ فيه! قال: والمرأةُ نائمةٌ معك؟ قال: الفراشُ لها، كنتُ أقدرُ أمنعها من فراشها؟ قال: وحق ديني إن عدتَّ فعلتَ كذا تخاصمتُ أنا وأنت! ثمّ يعقبُ أسامةُ فيقول: فكان هذا نكيرَه ومبلغَ غَيرته!» صفحة (224).

ويضربُ لنا أسامةُ بن مُنقذ مثالًا آخرَ على انعدامِ الغَيرة لدى الصليبيين فيقول:

«ومن ذلك أنه كان لدينا رجلٌ حمامي (يعمل في حمامات الاغتسال) يُقال له: سالم، من أهل المَعرة، قال سالم: فتحتُ حمامًا في المَعرة أتعيشُ منها، فدخل إليها فارسٌ منهم، فمدَّ يدَه فجذبَ مئزري من وسطي رماه، فرآني وأنا قريبُ عهدٍ بحَلْقِ عانتي، فمدَّ يده إلى عانتي وقال: سالم! جيد وحق ديني اعمل لي كذا! واستلقى على ظهره، وله مثلُ لحيته في ذلك الموضع! فحلقْتُه، فمـرَّ يده عليه فقال: سالم بحق دينك اعمل للداما (يعني زوجته)! وقال لغلامٍ له: قل للداما تجيء، فمضى الغلام وأحضرها وأدخلها، فاستلقتْ على ظهرها، وقال: اعمل كما عملتَ لي! فحلقتُ ذلك الشَّعرَ وزوجها قاعدٌ ينظرُني! فشكرني ووهبني حقّ خدمتي! ثمّ يعقبُ أسامةُ فيقول: فانظروا إلى هذا الاختلاف العظيم، ما فيهم غَيرةٌ ولا نَخوة، وفيهم الشجاعة العظيمة!». (صفحة 225).

وهكذا تتضح لنا النظرة الموضوعية التي يتمتع بها هذا الفارس المسلم النبيل، الذي لم تمنعه العداوة والبغضاء على معايشة الصليبيين، والنظر إلى أحوالهم، ومعرفة ما لهم من صفات وميزات، وما عليهم من مآخذ وسلبيات، وإن كانوا يظلون في نظر أسامة العدو اللدود الذي لا يفتأ يدعو الله دائمًا عليه في كتابه بالخذلان والانكسار والبوار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد