(1)

ربما أنت الآن أكبر من أرذل العمر بقرون، وربما تفكر في دواعي البقاء، إذ لم يعد هناك رفيق الصبا، ولا حبيبة العمر. كلهم رحلوا وتركوك وحيدًا ترافق الذكرى. تروح وتجيء مع الحنين ليقتلك كل ليلة ألف مرة، ممتنعًا عن التليفزيون والراديوهات خوفًا من أن تسمع صوت أحدهم أو ترى صورته وتبدأ من جديد رحلة الوجع.

تهرب إلى اللا شيء، وتنتظر الساعة علها قريبًا تريح قلبًا يتألم من شدة الوحدة والعجز، وتُقرّب المسافات بين الأحبة لتعود الأيام كما كانت وأجمل.

ستعيد وقتها بالتأكيد كل الحسابات؛ لن تبتعد عن أصدقائك سنوات طويلة بدافع البحث عن العالمية، ولن تهجر الحبيبة طمعًا في بعض الشهرة والمال. ستتنازل عن كل المجد والطموح في مقابل ساعة في قرب الحبيب، ونظرة من عينيها الفاتنتين، وضمة بين ذراعيها بالعمر كله.

تستعيد الآن مئات الذكريات، يوم التقيت عينيها أول مرة في منزلها، في لحظة عبرت عنها بجملة قصيرة قائلاً: “تسمرت في مكاني بضع دقائق”.

يومها، جلست تغازل غمازاتها، وتمدح أدوارها وبساطة ملامحها الشرقية، ثم صارحتها بتلقائية أنك تعشق بشرتها الخمريّة، وتتمنى لو تتزوج من امرأة تشبهها، بينما حاولت هي الهرب من كلماتك الرقيقة بإشارة تجاه بورتريه لها مُعلق على جدار في المواجهة تمامًا، رسمه الفنان صلاح طاهر، مؤكدة اعتزازها بريشته وخطوطه، لكنها لم تعلم أنك ستستغل الفرصة مجددًا وتبدأ في مدح ملامحها أكثر بإصرارك أنها أجمل من أي عمل فني مهما كانت قيمته ومهما كان جماله.

(2)

ــ آني مانعرفش نقول كلام حلو، الكلام الحلو بيقولوه في السيما.

ــ عرفتي السيما كمان! روحتيها؟

ــ روحتها.. البت اللي في السيما قالت للواد اللي بتحبه: “ياريتني حتة منك، عايزة أكون جوه قلبك وروحك”.. كلام فارغ، لكن لذيذ.

ــ والله كبرتي وعرفتي الحب.

ــ زي كل الناس.

ــ وبتحبي؟
ــ زي كل الناس.

“رجب وحميدة”

صراع في الميناء – 1956

عمر الشريف2
(3)

اليوم، يجلس العاشق على كرسي في الزاوية يقلب صورهما معًا في كلِ المشاهد التي جمعتهما على الشاشة وفي الواقع. يتذكر قبلتها الأولى على شفتيه في صورة من فيلم صراع في الوادي، وكلمة بحبك التي رددتها ببراءة ونقاء في أيامنا الحلوة، ورقصة الحياة التي جمعتهما بحديقة القصر في نهر الحب.

 

يسمع قلبها الرقيق وهي تعترف لأول مرة بحبها، وصوتها الفرح وهي تخبره بأنها تحمل في أحشائها طفلاً منه، ونظرتهما الأولى في عين “طارق”، وطريقهما الذي سلكاه معًا بينما الابن الوحيد يقف بينهما ممسكًا بأيديهم كرباط يجمعهما ليوم الدين.

يقرأ خطاباتها من جديد، ويشم رائحة عطرها الذي يملأ الأظرف حتى الساعة، ويتحسس خطوطها برفق على أمل أن يلمس دفء أصابعها الذي افتقده منذ سنوات طويلة.

تقع عيناه على أول حوار صحفي بعد طلاقهما، هذا الحوار الذي لخصتْ في سطوره كل روايات الحب الخالدة بقول: “شعرت أمام كلماته الرقيقة في أول لقاء أنني تلميذة صغيرة تستمع إلى أول عبارة إعجاب. تبادلنا الحديث وعرفت أنه ليس له خبرة كممثل محترف لكنه كان رئيسًا لفريق التمثيل في مدرسته. الحقيقة أن من أول لقاء تغيّر حالي تمامًا”.

 

وبعد أن تنتهي من كل ذلك، ستلتقط صورة تجمعكما لتخبرها أن الشاب الوسيم الذي أسر الفاتنة بذكائه وكلماته، اليوم بائس حزين، بعد أن عرف معنى اليتم والوحدة، الانكسار والندم على أيام كانت هي السعادة بعينها، وحضن كان من الأولى أن يحتوي حبيبته في آخر لحظة في عمرها.

(4)

ــ مكونتش بفكر في الجواز أبدًا، لكن حضرة الناظرة جابتلي عريس، سمكري أفرنجي يوميته 35 قرش، حمدت ربنا وقولت مش هتجوز أبدًا.. لكن لما شوفتك غيرت رأيي، وقولت لو تكون حتى سمكري بلدي ويوميتك 10 صاغ مافيش مانع.. واتمنيت يكون لي ولد صغير يشبهلك.

 

“أحمد وهدى”

أيامنا الحلوة – 1955

عمر الشريف3

(5)

عشرات الحكايات تُنقل على لسان “عُمر” عن فاتنته، لعل أهمها تلك التي رددها الكثيرون عندما يخبرونك أنهم سمعوه يومًا في إحدى اللقاءات التلفزيونية يؤكد أنه لم يندم على شيء في حياته إلا طلاقه من زوجته، مصحوبة ببعض التحليلات عن نظرته البائسة، وكلماته القليلة التي يرويها عنها التي تحمل كل معاني الدفء والحنين لأيام عرف فيها الحب بمعناه الحقيقي.

لم أرَ أو أسمع كلمات كهذه منه بنفسي، لكن أستطيع الجزمَ أن ما سبق ليس بعيدًا عن الحقيقة، خاصة أن في أغلب اللقاءات التي شاهدتها له – أكثر من 5 حوارات تليفزيونية بالمناسبة – كان إذا سُئِلَ عن علاقاته العاطفية وقصص الحب التي عاشها، لا يتردد في نفي كل الروايات، مؤكدًا أنه لم يهوَ في حياته سوى امرأة واحدة فقط اسمها “فاتن”، حتى لو ضغط عليه المذيع وحاول استفزازه بسؤال: “رغم أنك قابلت أجمل نساء العالم؟!”، تأتي إجابته واضحة: “محبتش غير الست اللي اتجوزتها”.

 

إجابته القصيرة كانت تحمل كل المعاني التي يمكن أن تُسرد في صفحات لو تم تفريغها، بدايةً من الثقة والوضوح البارزيْن في إجابته السريعة غير المترددة، مرورًا بنظراته ونبرة الحنين في صوته، خاصة إذا ذكر اسمها كأفضل شخص على الإطلاق يمكن أن تسمع منه اسم “فاتن”، وصولاً لتأكيده أنه رغم اختلاطه بجميلات العالم إلا أنها الوحيدة التي منحها لقب “حبيبة”، ليكون تفسير إجابته واضحًا دون أن يذكره “هي أجمل من أجمل جميلات العالم”.

(6)
ــ خالد! أنت إيه اللي جابك هنا؟!

ــ القدر أكبر مني ومنك، هو اللي خلاني ألقاكي في الكابينة اللي جمب مني علطول كأننا على ميعاد.. ماتحاوليش تهربي مني بعد كده، لأني هالقاكي.. هالقاكي دايمًا.

ــ أرجوك تسيبني في حالي وتبعد عني، أنا إنسانة متجوزة وليا ابن هو كل حياتي.

ــ أنتي ليكي ابن هو كل حياتك، وأنا ليا قلب أنتي كل حياته.

“خالد ونوال”

نهر الحب – 1960

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد