تضع الدول المتقدمة كافة الموارد والإمكانات لخدمة أهداف السيطرة والهمينة، سواء في إقليمها أو على المستوى الدولى، وقد اختلفت صورالهيمنة من عصر لآخر، ومن صورة لأخرى: في بداية التاريخ، كانت الهيمنة والسيطرة عن طريق العمليات العسكرية،  والحروب، وفي العصر الحديث، ظهرت عوامل أخرى للهيمنة والسيطرة، كالهيمنة الاقتصادية الأمريكية عن طريق الدولار، وكذلك الروسية عن طريق الغاز الروسي الذي يغطي ثلث احتياجات أوروبا.

انطلاقًا مما سبق، حاولت الدولة التركية توظيف كافة الموارد لتوسيع النفوذ، والدور الإقليمي، لتحقيق نظرية العمق الاستراتيجي «أحمد داود أوغلو»، والتي تنص على ضرورة «انتشار تركيا في مناطق البلقان، والشرق الأوسط؛ لتعزيز مكانتها الدولية»، واستخدمت في ذلك سلاح المياه؛ للوصول إلى تحقيق «النفوذ»، خاصة في الشرق الأوسط.

المياه في السياسة التركية

مثلت المياه في السياسة التركية عنصرًا هامًا لكسر حالة العزلة، التي كانت تعيشها تركيا، حتى الثمانينات، والبداية كانت بعد حرب الخليج الأولى؛ عندما صرح الرئيس التركي «تورجوت أوزال» بمقولته المشهورة «مثلما يبيع العرب البترول، يجب على تركيا أن تبيع المياه»، وبالفعل تم إدراج المياه في الأجندة التركية الخارجية.

سوريا

اتجهت تركيا إلى «سوريا»؛ لإظهار حسن نواياها، وضمان استقرار، ووحدة تركيا؛ إذ وقعت اتفاقية بين تركيا وسوريا، عام 1987؛ حصلت سوريا بموجبها على 500 متر مكعب من المياه التركية؛ مقابل تعهد دمشق بمكافحة العناصر الكردية عبر الحدود السورية.

إسرائيل

اتجهت تركيا إلى إسرائيل؛ لتحقيق النفوذ الإقليمي والخارجي، والاستفادة من ورقة المياه التركية، وكمبرر مقبول لدخول تركيا إلى «الاتحاد الأوروبي»؛ عن طريق مشروع «أنابيب السلام».

فكرة المشروع

الفكرة من الأساس فكرة «صهيو ـ أمريكية»؛ عندما دعا مركز «الدراسات الاستراتيجية» بجامعة «جورج تاون»، إلى عقد مؤتمر؛ لبحث مشكلة المياه في الشرق الأوسط، حضره مسئولون من أمريكا وإسرائيل وتركيا، وبعض الدول العربية، في فبراير1987؛ وكان من أهم نتائج المؤتمر: مشروع خط «أنابيب السلام»، وهو خط لنقل الفائض من المياه التركية إلى دول المشرق العربي، أو عن طريق الحاويات إلى إسرائيل.

ووقع اتفاق بين إسرائيل وتركيا لشراء 50 مليون متر مكعب، ولمدة 20 عام، وهو ما يوفر 3% من احتياجات إسرائيل من المياه، على الرغم من الفقر المائي للكثير من المدن التركية، بما فيها «إسطنبول».

أهمية المشروع

له العديد من الفوائد للدولة التركية، من أبرزها:

  • اقتصادية: وتتمثل في
  • تقدر الأهمية الاقتصادية لبيع المياه التركية إلى دول الجوار بحوالي 2 مليار دولار سنويًا؛ إذ يصل سعر المتر المكعب إلي 77. دولار.
  • توازن معادلة تركيا مع العرب، وتساوي ميزة البترول العربي مع المياه التركية؛ لتكوين دولة اقتصادية قوية.
  • سياسية:
  • وهي الفائدة الأهم لتركيا؛ إذ تريد تركيا توسيع دائرة نفوذها، والقيام بالأدوار الإقليمية والدولية، وقيامها كوسيط مهم بين العرب وإسرائيل.
  • تحكمها بالأمنين: المائي والغذائي للعرب؛ وبالتالي، الرضوخ للضغوط التركية، خاصة فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل.
  • توسيع دائراة العلاقات التركية الخارجية، والوصول ـ عن طريق سلعة المياه ـ إلى آفاق أوسع، فتقوم بالتصدير لأغلب قارات العالم، وأغلب بلدانه.

إن الاستخدام التركي «للمياه»، هو استخدام غير تقليدي، مثل باقي الدول، بل إنه ـ في سياسة تركيا ـ قد يضاهي «البترول» بالنسبة للخليج العربي، في مكاسبه الاقتصادية والسياسية، ولعل المياه التركية قد تصبح أهم العناصر الفاعلة في تشكيل الموقع «الجيوسياسي» للمنطقة بأكملها في المستقبل القريب؛ فمصر مثلًا تطل على بحرين، ولديها نهر «النيل»، لكن ذلك في السياسة الخارجية لمصر قد لا يعني أي شيء، ولم نر لهذه المسطحات المائية أي دور في السياسة الخارجية، وهو ما يوضح تخصص السياسة الخارجية التركية، وعبقرية القائمين عليها.

يقول «أنيس منصور» «العاقل يستفيد من أعدائه، والغبي لا يستفيد من أصدقائه»، تطبق تركيا هذه المقولة جيدًا؛ فعندما تخاطب الغرب ترفع الدستور العلماني، وهو ما تبلورت نتائجه من خلال المفوضية الأوروبية التي صرحت أنها بصدد السماح للأتراك بالتنقل في منطقة «الشنغن» (26 دولة)، دون تأشيرة، وعندما تخاطب المسلمين تبرز الهوية الإسلامية، وهو ما ساعدها في الوصول لرئاسة منظمة «التعاون الإسلامي» في هذا العام، وعندما تخاطب العرب تذكرهم بالتاريخ المشترك خلال الحقبة العثمانية،  وهوما ينعكس علي الوساطة التركية بين إسرائيل وسوريا، وكذلك محاولاتها الحصول على عضو مراقب بجامعة الدول العربية، وارتفاع أسهمها لدى الرأي العام العربي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد