تختص كلمة contingency، التي لا أعرف لها مرادفاً دقيقاً في العربية، بوصف الحاضر كاحتمال، أي أن الواقع لم يكن أمراً حتمياً وأنه كان من الممكن وقوع حدث بديل يصبح هو واقعنا. هنا يفقد الواقع شئ من قوته. لا يخضع للحتمية الصارمة التي توحي بها كتب التاريخ التي تصف العالم كسلسلة أحداث تلت بعضها البعض بشكل يستحيل معه افتراض وجود ثغرة في جدار التاريخ كان من الممكن أن ينفذ منها حدث آخر بديل لما حدث فعلاً.

 

يمكن ملاحظة صحة الفكرة التي تنطوي عليها الكلمة من خلال مثال مر به كل من قرأ المقال: الأفلام. يكتسب الفيلم تشويقه نتيجة لعدة أسباب، من ضمنها إنفتاحه على عدة احتمالات. لكل احتمال وجاهة معينة، وإلا تم استبعاده. قبل وقوع أحد الاحتمالات فعلاً، تبدو كل الاحتمالا متساوية، بمعنى أنه من الممكن لأي منها أن يقع دون أن يفقد الفيلم معقوليته.

 

تتقدم أحداث الفيلم وتقع أحد الاحتمالات، أو احتمال آخر لم يدر ببال المشاهدين. تعمل عقولنا بطريقة غريبة هنا: تبدأ في تبرير وقوع الحدث، ترى المنطق فيه الذي جعل حدوثه حتمياً، مع أنه لو كان كذلك فعلاً لاعتقدنا بحدوثه منذ البداية واستبعدنا باقي الاحتمالات. ليس هذا فقط، لكننا أيضاً نفند، بنفس القدر من العقلانية، الاحتمالات الأخرى التي لم تحدث.

 

تلك الاحتمالات التي كنّا نراها منطقية للغاية منذ دقائق معدودة، انسحب منها فجأة كل المنطق. تغيرت قناعاتنا عن منطقية الاحتمالات، ليس لاكتشافنا وجود عيب في المنطق نفسه، وإلا لكنّا إكتشفناها وقت التدبر فيها، ولكن لتتكيف قناعاتنا مع الواقع أمامنا.

 

صك عالم النفس الأمريكي ليون فيستنجر مصطلح cognitive dissonance في خمسينيات القرن الماضي نتيجة تجربة شديدة الطرافة: يدخل موضوع التجربة المعمل ويطلب منه تكرار مهمة شديدة الملل لمدة طويلة من الوقت. قبل إعطاءه الاستبيان الخاص بانطباعه عن التجربة، يعطيه الممتحن دولاراً واحداً ويطلب منه التالي: في الغرفة المجاورة شخص آخر على وشك أداء نفس المهمة التي قمت بأداءها، سنعطيك دولاراً واحداً في مقابل إخبار هذا الشخص أن المهمة المطلوبة كانت ممتعة للغاية.

 

يطلب منك الممتحن باختصار أن تكذب. أنت تعلم، حتّى الآن، أن المهمة شديدة الملل، صممت التجربة بالأساس لتنقل هذا الشعور. يأخذ الشخص الدولار ويخبر زميله عن مدى استمتاعه بأداء التجربة. يعطي الممتحن شخصاً آخر 20 دولار مقابل نفس الكذبة: أن تخبر زميلك في الغرفة المجاورة أن التجربة كانت مثيرة للاهتمام. الشخصان اللذين أعطيا الدولار وال20 دولار طلب منهم أن يقيموا مدى استمتاعهم بأداء المهمة.

 

هنا تظهر المفاجأة: الشخص الذي أعطي دولاراً واحداً أفاد بأن التجربة بالفعل كانت ممتعة، بينما الشخص الذي أعطي ال20 دولار قرر أن التجربة مملة، وهي كذلك بالفعل.

 

ما الذي حدث هنا تحديداً؟ طُلب من الشخص أ الكذب مقابل دولار واحد. مقابل ضئيل للغاية مقارنة بأنه على وشك الكذب على شخص لا يعرفه. ينشأ توتر عند هذا الشخص نتيجة لعدم وجود مبرر كافي للكذب، هنا يحدث السحر: لكي يتخلص من هذا التوتر، يغير الشخص قناعته عن التجربة تماماً. يقنع نفسه بأن التجربة كانت ممتعة بالفعل، وبالتالي هو لم يكذب أبداً. وينقل ذلك الانطباع بالفعل في الاستبيان الخاص بالتجربة. الشخص الآخر الذي منح ال20 دولار عنده مبرر كافي للكذب فبالتالي لا مشكلة لديه في أن يكذب وتوتره الناجم عن الكذب قد أسكته المبلغ الكبير نسبياً بمقاييس ذاك الزمن. من الممكن قراءة البحث الذي نشره ليون فيستنجر هنا

 

تثير هذه التجربة سؤالاً مهماً: هل يعرف الناس ما يريدونه حقاً؟ هل الشخصية، كمجموعة صفات أو مواقف، هي أمور ثابتة بالفعل كما نحب أن نعتقد عن نفسنا؟ هل نحن، في الحقيقة، نتصرف أولاً ثم نعدل قناعاتنا لتتناسب مع ما فعلنا؟ أن قناعاتنا تملي علينا ما يجب أن نفعله، كما نعتقد؟

 

تستمر التجارب في تحدي هذا المفهوم. يعطى الشخص صورتين لفتاتين أ وب، ويطلب منه تقييم أي الفتاتين أجمل. يختار الشخص الصورة أ. بخفة يد بسيطة، يعطيه الممتحن الصورة ب ويطلب منه تبرير اختياره: لمّ قرر أن ب أجمل من أ. هو لم يقرر أن ب أجمل، لكن في معظم الحالات لا يلاحظ الشخص ذلك، ليس هذا فقط، بل إنه يشرع في تبرير لمّ اختار ب وما هي نقاط تفوقها على أ بالتحديد.

 

يجعلنا هذا نتشكك ليس فقط في صدق التبرير، ولكن بصلته بشخصياتنا كمجموعة تفضيلات لها جذر عميق في نفوسنا. التجربة تثبت أن معظم الناس تشرع في اختراع تبريرات في اللحظة التي يطلب منها ذلك. الادعاء بوجود أسباب عميقة وراء اختياراتنا وتفضيلاتنا تدحضه تلك التجربة تماماً.

 

قد يجادل البعض أن تقييم الجمال هو تقييم في أساسه ذاتي تماماً ولا يخضع لأي وجهات نظر موضوعية وبالتالي يسهل على الأشخاص أن يرتبكوا بإزاءه. حسناً. تكررت التجربة مع أحد أخطر الأشياء: الآراء السياسية. يتم إختيار أشخاص بشكل عشوائي تماماً، يتم إعطائهم إستبيان لتوضيح آرائهم السياسية وإلى أي معسكر ينتمون (اليمين-اليسار) وفي نفس الوقت، يقوم الممتحن بتزوير نسخة أخرى من الاستبيان ويعطيها لموضوع التجربة على أنها إجاباته هو نفسه.

 

وكما حدث في إختبار تقييم الجمال، يفشل الشخص في تمييز التزوير الحادث في إجاباته. ويعطي، كما المثال السابق، تبريرات كلامية لاختياراته. ليس هذا فحسب، وهنا مكمن الخطورة، بل إنه يقتنع، بناءاً على النتيجة المحسوبة من الورقة المزورة، بأنه يجب عليه التصويت لأحزاب اليسار، لو تم تلفيق إجاباته لتبدو وكأنه مؤيد لسياسات اليسار. تعرف هذه الظاهرة بChoice Blindness، يمكن مشاهدة فيديو لهذه التجربة من صفحة الجامعة التي أجرتها هنا

 

تفترض نظرية فرويد عن المكونات الثلاث للعقل: الهو، الأنا، والأنا العليا، تفترض درجة من التعقد غير موجودة في الواقع. يتم التعامل مع فرويد اليوم بوصفه فيلسوفاً صاحب نظريات عن النفس أكثر منه عالم نفس بالمعنى الحديث للكلمة. معظم الدارسين لفرويد يعتبرون أن قراءة فرويد جيدة للتفكير فيما يقول، لكنها لا تخبرنا بأي حال من الأحوال عن الواقع أو تمدنا بمعلومات عن النفس يمكن الوثوق فيها.

 

تمدنا التجارب بأسباب كثيرة للاعتقاد في الضحالة المدهشة لعقولنا. الضحالة هنا ليست سبة بقدر كونها تعبير دقيق عن الحالة العقلية عند معظم الناس، لا نعرف في معظم الوقت أسباب سلوكنا، وننسب السلوك في معظم الوقت لأسباب غير حقيقية من أجل الاتساق مع الذات.

 

يخضع الناس في معظم الوقت لسلطة الموضوعية، كوسيلة لاستبعاد المشاعر من الأحكام النهائية على الأشياء. تنبني آراء معظم الناس، عكس ما يعتقد الكثيرون، على إنطباعاتهم الشعورية ناحية المواضيع، ومن ثم يظهر المنطق لمنح تلك الانطباعات صبغة منطقية تجعل الانطباع الشعوري قابل للنقل والتداول.

 

تثبت التجارب السابق ذكرها هذه النقطة وبالتالي تعيد تلك التجارب النظر في سلطة الموضوعية أو المنطق الكلامي، هي ليست قوة مطلقة، وليست هدفاً في حد ذاته بقدر كونها مثل النقود: وسيط مقبول لتداول الآراء والانطباعات.

 

الحجة الكلامية في حد ذاتها ليست دليل صحة، والمنطق الصحيح لقضية لا يعبر بالضرورة عن صحة ما تدعو إليه. المنطق الداخلي لنظريات فرويد شديد الاتساق بشكل يصعب على أحد دحضه من داخل النسق المعرفي لنظريات التحليل النفسي. لكنه ببساطة ليس صحيحاً في معظمه.

تستند آراء دارسي العلوم الاجتماعية، ومن ضمنها السياسة، إلى المنطق الكلامي بشكل يجعل الاقتناع بإحداها دالة في القدرة على التعبير والصياغة اللغوية، وهي موهبة لا شأن لها بصحة القضية نفسها.

 

تكمن خطورة التبرير المنطقي والقدرة عليه كوسيلة وحيدة في نفيه للواقع، يستند لذاته فقط كدليل على صحة القضية التي يشرع في تبريرها منطقياً. لا أدعو هنا للاستسلام للواقع وتقبله كما هو، أو تقرير سلطة العلم على الأخلاق.

 

في النهاية، يختص العلم بوصف العالم كما هو كائن، وتختص الأخلاق بإخبارنا عما يجب أن يكون عليه العالم. لكي تستطيع الأخلاق أداء دورها بفاعلية، وتعني الفاعلية هنا تحسين العالم بما هو ممكن، يجب عليها أن تنظر للواقع أولاً، ثم تبدأ في حبك نظرياتها عمّا يجب فعله، وليس العكس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد