كلنا نؤمن بأفكار ونشعر بميول وننتمي إلى انتماءات مختلفة. تجدنا في الأفكار والأيديولوجيات ما بين إسلاميين وعلمانيين وإخوان وسلفيين ومحافظين وليبراليين وقوميين ويساريين وشيوعيين واشتراكيين ثوريين إلى آخر تلك المسميات التي لا تنتهي.

وتجدنا في الرياضة أهلاوية وزملكاوية وفي السياسة فلول وثوريين وإصلاحيين، وفي الجنسية مصريين وخليجيين وشوام وغير ذلك. وحتى داخل الوطن الواحد تجدنا صعايدة وبحراوية وسواحلية وسيناوية. وفي الفن والطرب ما بين كلاسيكيين يعشقون كوكب الشرق والعندليب أو وسط يعشقون الهضبة وجيله أو معاصرين يعشقون الراب والمهرجانات.

إلى غير ذلك من التصنيفات بأنواعها المختلفة. وكل تصنيف له أفكاره وميوله وآراؤه. ولكل أصحاب تصنيف انحيازات لتوجهات ورؤى وأفكار تختلف عن الآخرين. يدافعون عن هذه الأفكار ويهاجمون مخالفيهم. تدور النقاشات والجدالات كل حين بين هذا وذاك لنجد كلًّا منهم يحمي انحيازاته المسبقة تلك بكل سبيل. وما نحن إلا أناس من قومنا. كلنا إذًا لنا انحيازاتنا المسبقة وكلنا ندافع عنها بشكل أو بآخر. فكيف نفعل ذلك في الواقع؟

نحن دائمًا نطلب معايير عالية جدًا لمساندة الاتجاه الذي نختلف معه مسبقًا، بينما نطلب معايير متهاونة جدًّا لتأكيد صحة الاتجاه الموافق لانحيازاتنا المسبقة. تجد العلماني مثلًا يعد الإسلاميين فاشلين لأنهم لم يحققوا كذا وكذا وكذا وكذا، لكنه فى الوقت نفسه يعد العلمانيين ناجحين جدًّا إذا نجحوا في نصف أمر واحد من عشرات الأمور التي يشترط نجاح الإسلاميين فيهم مجتمعين حتى يعدهم من الناجحين في وجهة نظره.

نحن أيضًا ننتقي ونركز على الأدلة التي تدعم انحيازاتنا المسبقة، ونؤكد أهميتها ومكانتها ونسلط الأضواء عليها. حتى تلك الأدلة الضعيفة فإننا نجبر كسرها ونقويها وربما حتى نلوي عنق المنطق بما يوافق أهواءنا. تجد الإسلامي في الانتخابات مثلًا يسلط كل الأضواء على شروط الإخلاص والتقوى والورع والصدق في المسؤولين والمسؤولية، لأن كل تلك الشروط تتوفر بسهولة في كل مرشح إسلامي. لكنه لا يركز على عنصر الخبرة والكفاءة لأن تلك الأخيرة لا تصب في مصلحة الكثير من المرشحين الإسلاميين في أغلب الأمثلة.

نحن نسفه ونقلل من شأن الأدلة التي لا تدعم انحيازاتنا المسبقة. تجد الداعمين للنقاب وتحريم كشف الوجه والكفين يقللون من شأن كل النصوص الدالة على إباحة كشف المرأة لوجهها وكفيها، حتى إنهم يبررون عدم جواز تغطية الوجه والكفين في العبادات مثل الصلاة والحج والعمرة بتأويلات لغوية يرفضون مثلها إذا لجأ إليها معارضوهم. فتراهم يدعون إلى الأخذ بظاهر النص فيما يدعم رأيهم، ويرفضون ظاهر النص أيضًا إذا خالفهم. وفي الحالتين يصورون للسائل أن أدلة مخالفيهم واهية لا قوة لها، وهو ما يخالف الحق فكلا الرأيين له وجاهته وقيمته ولا تبرير لتسفيه رأي الآخر. وكذلك يفعلون في كل الأمور الخلافية فيسفهون آراء المخالفين ويقللون من شأنها وقيمتها العلمية.

نحن كذلك ندافع عن انحيازاتنا المسبقة عن طريق الاستدعاء الانتقائي للأدلة والبراهين. ربما يكون الاستدعاء الانتقائي مبررًا مقبولًا إذا كان تلقائيًّا مخلصًا غير متعمد من قبل صاحبه. لكنه إذا انتقائيًّا عن قصد وعمد فهو دفاع عن الانحيازات المسبقة بطريقة غير مقبولة. فلا يجوز أن نتذكر فقط المواقف والأحداث التي تدعم رؤانا وأفكارنا وننسى أو نتناسى ما يخالفها.

وربما يكون لدينا ميل فطري للتقليد خلقه الله سبحانه وتعالى فينا للمصلحة. به نتصرف في الأمور اليومية التي تستدعي ذلك. فنتبع المعتاد والدارج من الأمور والأنشطة في بيئتنا دون تدقيق أو تفكير عميق. وهذا التقليد يساعدنا أن نتأقلم ويمهد الطريق لكي تسير الأمور في يسر ومرونة. ويكون هذا التقليد مقبولًا في بدائيات الحياة مثل معرفة الطريق الذي نسلكه نحو مكان ما وكيفية الحصول على الطعام والماء وتعلم مهارات البقاء وكيفية إنجاز الأعمال اليومية العادية.

لكن التقليد لا يكون حسنًا ولا مقبولًا إذا تعدى ما خلق له. تحدث المشاكل عندما ينحدر الوعي المجتمعي إلى درجة تجعل الناس يستسهلون التقليد في كل شيء وفي كل نشاط حتى تلك الأمور التي يؤدي التقليد فيها إلى كوارث. فتكون النتيجة أن ينحاز المجتمع كله أو قطاع كبير منه إلى فكرة باطلة أو مشوهة أو سلوك تستهجنه الفطرة والعقل. وفي هذا النوع من التقليد الذي يضر ولا ينفع يحذرنا الرسول، صلى الله عليه وسلم: «لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا..» ضعيف سندًا صحيح معنىً.

وبناء على هذا التقليد ندافع عن انحيازاتنا المسبقة من باب التقليد لا من باب الاقتناع بالحق. فترانا ندافع عن موروثاتنا الثقافية والسلوكية فقط لأننا اعتدنا عليها ولا استعداد لدينا لمراجعة أنفسنا. ويكون سندنا ودليلنا في الدفاع عن موروثاتنا تلك منحصرًا في الاستناد إلى عمل الجميع جيلًا بعد جيل والتبرير باستحالة أن يكون هذا الإجماع على خطأ. وهي حجة واهية لا تدل على صحة أو عكس ذلك. فكم تم توارث أفكار واهية وسلوكيات خاطئة فهل يعني ذلك أن ننتصر لها؟ تلك بعض الأساليب التي نتبعها للدفاع عن انحيازاتنا المسبقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد