على أرض لبنان كل شيء، الدموع والألم، الدم والعرق، المدافع والجنود، الزعماء والمؤامرات، المذاهب والشعارات، هنا منطقة سعودية وهنا أرض تركية وهنا خلية يهودية وهذه إيرانية، ولكن لم يعد موجودًا هذا المواطن اللبناني، تقلص حجمه إلى أن اختفى في موجة الصراعات، لم يعد يفكر فيه أحد كيف يعيش، كيف يدبر أموره، ضباب الأزمة السورية قد غطى المجتمع اللبناني، فلم يتبق من لبنان سوى ذكرى ستكتب في أروع القصص الأدبية والأعمال المسرحية بعنوان «كيف اختفى الشعب؟».

نعود إلى حقبة تاريخية سوداء أخرى في تاريخ البلد اليتيم، سأحكي لك مشهدًا، احتل «سعد حداد» جنوب لبنان واندلعت حرب أطرافها مسيحيين ومسلمين، واستخدم «حداد» سلاحًا يهوديًا، قوات سورية تتوغل في العمق اللبناني مخلفة دمارًا هائلًا، اقتتال في كل مكان، آلاف اللاجئين، آلاف القتلى «انتهى المشهد في 1990 بعد أن دام صراع الحرب الأهلية 15 عامًا، لم تدم استراحة العرض المسرحي طويلًا، فهذه الأيام صارت لبنان ساحة لحرب أممية وليست أهلية، لا رئيس ولا صوت يعلو فوق صوت الفرقة، انتُزع من الدولة القانون وصار المتحكم لغة السلاح، انقسمت الحكومة اللبنانية فيما بينها لصالح دول إقليمية عدة ونسوا الشعب، نسوا كيف صارت جبال «القمامة» بركانًا سيثور بالأمراض والأوبئة على البلد الممزق، يحدثنا قائد ائتلاف أو جماعة من سويسرا عن مصلحة الوطن، وهو لا يعرف من أين يأتي القمح وكيف يصنع الخبز لسد جوع ملايين البشر، دولة مقوماتها الطبيعية والإنسانية تؤهلها إلى أن تصبح واحة للنعيم في المنطقة من حيث السياحة والتجارة، لا تعرف لها عملة، فأموال الدخلاء كثيرة من دولارات أمريكية إلى روبل روسي أو ريال سعودي، فالجميع ينفق على رجاله، كرة الثلج في لبنان «نار» ستحرق كل هؤلاء، كل مدعي الوطنية، كل من فرط في آدمية هذا الشعب وترك الأمر يسير بسرعة جنونية إلى الهاوية، حين تقرأ عن لبنان، وتقرأ أن مليشيات الجنوب تقاتل مليشيات الشمال، وأن الشيعي يقتل المسيحي والمسيحي يقتل المسلم والمسلم يقتل الأرمني، تقول في نفسك ألم يمت «سعد حداد»؟ ألم يتوقف القتال مع الفلسطينيين؟ ألم يحل السلام؟ ولكنك في لبنان، هناك ألف «سعد حداد» وهناك ألف حركة وألف تيار.

على صعيد آخر، الحراك السعودي الأخير المدعوم بتأييد خليجي، سيزيد آلام لبنان، سيزيد عدد المشارط في الجسد الذي أوشك على الموت، لن تترك «إيران» الفرصة لتملأ الفراغ ولن تضيع الفرصة أيضًا أن تطلب من لبنان أن يسلم عرضه «لولاية الفقيه»، فكل يغني على ليلاه.

لا أظن أن «الهدنة السورية» ستهدئ الأوضاع في لبنان بل ستزيد الوضع مرارة، فمليشيات حزب الله ستلجأ إلى إعداد العدة والتجهيز لجولة جديدة من القتال في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل ولكن للطائفية أحكام، فسيستنزف ما تبقى من موارد البلاد في تجييش جنوده، وأمامه السّنة يعدون عدتهم أيضًا، فالوضع الطائفي صار في الأفق بدرًا، ولن يخسر أنصار مذهب أمام الآخر فالجميع هنا يريد أن يذهب إلى الجنة، وليس منهم رجل رشيد يعلم أن لبنان جنة إذا قرروا العيش معًا بسلام، وبناء دولة ووطن يحترم الجميع ويحبه الجميع ويحتضن الجميع، ولكن قول «بيرون» – شاعر إنجليزي -: «لو كانت النساء كلهن فمًا واحدًا لقبلته واسترحت».

لكن على أرض لبنان كما قلنا كل شيء كثير، ولكن يبقى لبنان واحد حزين وفوقه سماء بها رب واحد قادر على حفظ أهل هذا البلد الطيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد