كان للإنسان منذ بداية حياته على الأرض حاجات فطرية استلزمت سعيه وراءها، وقد مر نشاطه الاقتصادي المبني على تلك الحاجات بعدة مراحل، لم يتم التعرف على حدود فاصلة زمانية أو مكانية تفصل بين كل مرحلة وأخرى.

مرحلة الاكتفاء الذاتي

يُحدثنا تاريخ الفكر الاقتصادي الغربي بأن الإنسان البدائي بدأ حياته على وجه الأرض معتمدًا على فكره وسواعده في الحصول على السلع والخدمات التي يحتاجها لإشباع حاجاته وحاجات من يعولهم، وكان التعاون وقتها قاصرًا على أفراد الأسرة الصغيرة، ثم تطور ليشمل تعاون جميع أفراد الأسرة الكبيرة «القبيلة»، حيث كانت وقتها متطلبات الحياة بسيطة بحكم بساطة المعيشة نفسها، فقد كان يتم استهلاك ما يتم إنتاجه.

مرحلة المقايضة

بمرور السنين عرف الإنسان ميزة التخصص وتقسيم العمل، وبدأت آثارها تظهر في تحسين نوعية الإنتاج وزيادة كميته، وكان من آثارها ظهور الحاجة إلى عملية تبادل السلع والمنتجات، وقد كان على من يرغب في إتمام عملية التبادل «المقايضة» أن يبحث عن ذلك الشخص الذي تتوافق رغبته معه حتى تتم الصفقة، وفي ظل هذا النظام كان على الكل أن يُسلم فائض إنتاجه إلى التاجر المختص ثم الانتظار حتى يتولى التاجر عرض جميع المنتجات على جميع الراغبين، ثم تكون عملية المناقشة حتى تتم الصفقة.

مرحلة اكتشاف النقود

واجه التجار صعوبة في الاحتفاظ بإنتاج كل فرد على حدة كأمانة لديهم لحين إتمام عملية التبادل، ووجدوا أنه من الأفضل خلط جميع أنواع السلع المتماثلة في النوع بحيث تكون الملكية مشاعًا لجميع المنتجين، وحتى يمكن تقدير قيم السلع المتماثلة أو غير المتماثلة، تم التعارف والاتفاق بين الناس على اتخاذ سلعة معينة كنقد يُستخدم في قياس قيم جميع السلع الأخرى.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الإغريق استخدموا الماشية كنقود، بينما تعارف أهل جزيرة سيلان على استخدام الأفيال كنقود، واستخدم الهنود الحمر التبغ، بينما كانت نقود أهل الصين السكاكين.

بداية استخدام النقود المعدنية

ومع ازدياد ظاهرة التخصص وتقسيم العمل، زاد عدد الصفقات التي يُبرمها الناس فيما بينهم وحجمها، وبتكرار التجارب اكتشفوا أن استخدام المعادن كنقود لتعبر عن قيم السلع والخدمات أفضل مما سواها، ذلك أن المعادن تمتاز بأنها لا تمرض ولا تموت كالحيوان، كما يتم تجزئتها وتشكيلها بالحجم والشكل المطلوبين لتعبر عن وحدات القيمة لمختلف السلع والخدمات، كما أن حجم النقود المعدنية أصغر بكثير من النقود السلعية، كما أنها لا تتطلب تكلفة للاحتفاظ بها.

وقد انتشرت النقود المعدنية في التعاملات خصوصًا مع التجار، حيث كانت هذه النقود تُمثل إيصالًا يعطيه التاجر لصاحب السلعة، هذا الإيصال يعطيه الحق في أن يأخذ في أي وقت شاء ما يحتاجه من إنتاج الآخرين بالقدر الذي يحدده مجموع القيم المذكورة في مجموع الإيصالات «النقود» التي معه.

وبمرور الوقت تعوّد الناس على التعامل باطمئنان بهذه النقود المعدنية، فزادت ثقتهم فيها واكتسبت صفة القبول العام، وبذلك أصبحت مقياسًا معبرًا عن قيم جميع السلع والخدمات ومخزونًا لها في الوقت نفسه.

 

استخدام الذهب والفضة نقودًا

كانت صفة القبول التي اكتسبتها النقود المعدنية سببًا في قيام مصاصي دماء الشعوب وآكلي عرقهم بالباطل إلى قيامهم بتقليدها واستخدامها في شراء ما يحتاجونه، وبهذه الطريقة تمكنوا من الحصول على جانب كبير من إنتاج المجتمع من السلع والخدمات دون أن يقدموا أية مساهمة من جانبهم في هذا الإنتاج، وقد تسببت وفرة المعادن التي صُنعت منها هذه النقود في تسهيل عملية التزوير وجعلها قليلة التكاليف.

وبالتركيز على نقطة التزوير نظرًا لأهميتها القصوى، نجد أنها جعلت عددًا من الأفراد غير المنتجين في المجتمع من العيش في بحبوحة ورغد على حساب باقي أفراد المجتمع، وذلك من خلال النقود المعدنية المصنوعة من الحديد أو النيكل أو ما شابهها، كما أنها تستوي مع النقود الورقية المستخدمة في جميع بلاد العالم اليوم، وكلها قابلة للتزوير.

ومع كثير من التجارب تعلمت المجتمعات أن النقود الوحيدة التي يُمكن أن تعبر عن كمية من السلع والخدمات بسهولة ويسر ودقة دون أن يتمكن أحد من تزويرها هو ما صنع من الذهب أو الفضة، فسرعان ما ظهرت وانتشرت لتفوقهما على جميع المعادن الأخرى في المواصفات، وانفرادهما بصفات خاصة.

أقوال بعض المفكرين القدامى فيما يختص بالنقود

يقول أرسطو «322 ق.م» عن النقود: «إنها نشأت لمواجهة احتياجات التجارة والتبادل فهي الواسطة التي يتم بها تبادل السلع والخدمات، وهي في الوقت نفسه مقياس لقيم هذه السلع والخدمات».

وقد تكلم اكزونوفون «335 ق.م» عن النقود فميزها عن الثروة؛ حيث إن الثروة تُمثل مجموع الأموال في مختلف الصور من السلع والخدمات، وربط الثروة بإشباع الحاجات، بينما النقود من الذهب والفضة لا تشبع حاجة وكلها تعبر عن قيم الثروة وفي الوقت نفسه قادرة على التحول إلى أي شكل من الأموال.

ثم جاء من بعدهم جيل مكون من بليني «79 ق.م»، وسنكا «65 ق.م»، وشيشرون «42 ق.م»، والتي نجد في كتاباتهم جميعًا تحليلًا على البلاء الاجتماعي الذي يصيب المجتمع من انحراف النقود عن تأدية وظائفها والتحول إلى الإقراض بالربا، وقد تكلم «بليني» عن مزايا الذهب النقدية من حيث دوامه وعدم قابليته للتلف مع سهولة تشكيله وقابليته للتجزئة.

مميزات الذهب والفضة كنقدين

مما سبق نجد أن النقود المصنوعة من الذهب والفضة تربعت على عرش النظام النقدي العالمي قرونًا طويلة دون منازع، حتى أوائل القرن العشرين، وقد قال آدم سميث -أحد أكبر خبراء الاقتصاد العالميين في أوائل القرن العشرين- إن الجنيه من الذهب يعتبر سندًا إذنيًا مسحوب على التجار بكمية معينة من السلع الضرورية والكمالية، والزيادة التي حدثت للشخص الذي تسلم الجنيه هي عبارة عن الأشياء التي يُمكن شراؤها بالجنيه، وليست الجنيه نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد