لم يتوقع السابقون يومًا أن يأتي اللاحقون ليتحدثوا عن أشياء لطالما كانت بديهية بالنسبة لهم (السابقون). فنحن الآن نشهد عصرًا ديناميكيًا يغلب عليه طابع السرعة والإنجاز مقترنين بمبدأ المنفعة أو كما يسميها البعض (المصلحة)، وذلك بغص النظر عما إذا كانت هذه المصلحة تخدم الصالح العام أم لا، لأن هدفها الأساسي هو خدمة الصالح الخاص (المصلحة الفردية) فهذا المبدأ يشبة تمامًا ما قد جاء به رواد الفكر البرجماتي منذ منتصف القرن 19 حيث صك لفظ برجماتي لأول مرة على يد المفكر تشارليز بيرس والذي جاء في عصره وليم جيمس، ليتطور هذا المفهوم وينشره في كتاباته ويختتم هذا الفكر مسيرته في التطبيق على أرض الواقع، وبالأخص في الولايات المتحدة على يد المفكر والتربوي جون ديوي.

لكن ما يلفت أنظارنا من أفكار هؤلاء المفكرين، هو ما اتفقوا عليه في هذا الفكر حيث رأوا أن هذا الواقع المعاش لا بد أن يدخل في دائرة التجريب، وذلك بعد إعطاء ظهرنا إلى القيم والأخلاق والدين والمضي قدمًا في اختبار كل ما يحقق مصلحة للفرد. وبالتالي فقد بدأ يظهر الفكر البرجماتي على أنه أشبه بالحالة النفعية للفرد، وذلك بعض النظر عما إذا كانت القيم المورثة تتفق مع المنفعة أم لا، فالهدف الأساسي هو تحقيق المنفعة الخاصة، ولكن هل الوسائل المستخدمة لتحقيق هذه المنفعة الخاصة تتفق مع القيم؟ هذا ليس ضروريًا. وإذا ما انعكس هذا المبدأ على واقعنا المعاش سوف نجد أنفسنا كمجتمع إسلامي عربي شرق أوسطي نطبق ما قد صك على يد هؤلاء الرواد السابق ذكرهم في مفهوم البرجماتية النفعية منذ ما يقرب من قرن ونصف بطريقة لا شعورية.

فإذا ما انعكس هذا المفهوم (النفعي) على المعاملات الاقتصادية بين الناس، سنجد أننا نسعى تجاه كل ما هو مربح وما هو أكثر ربحًا، ولكن هل نظروا ولو لحظة واحدة ما إذا كانت الوسائل التي يجلب بها هذا المال وهو الهدف بكل تأكيد، تتفق مع القيم والأخلاق والدين أم لا؟ وفقًا لهذا المبدأ هذا ليس شرطًا أساسيًا، فالطريق في تحقيق الهدف مباح له أي شيء بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى وإذا ما طبقنا ذلك بمثال معاش سنرى أن الناس يتسابقون في زيادة أرباحهم عن طرق عدة بغض النظر ما إذا كانت هذه الطرق مقبولة دينيًا أو أخلاقيًا وما أكثر الأمثلة الأخرى التي نصادفها يوميًا.

وإذا ما ألقينا الضوء على الجانب السياسي الذي لم يخل أيضًا من التشبع بهذا المبدأ، سيظهر لنا هذا المبدأ جليًا عندما نرى أناسًا يسعون جاهدين في التقرب من الأنظمة الحاكمة وبالأخص أصحاب السلطة والمناصب في هذا النظام، فالتقرب من هؤلاء الأشخاص (أصحاب المناصب)هو الهدف ولكن في حالة الوصل لهذا الهدف كم من شخص في مجتمع هذا النظام قد تضررت منفعته (مصلحته) في سبيل تحقيق هذا الهدف؟ وما أكثر الأنظمة السياسية التي يتقرب منها نخبها لتحقيق منفعة ما، وذلك في سبيل معاناة الشعب من سوء هذا النظام.

وإذا ما ذكرت الحالة الاجتماعية وكيف يطبق هذا المبدأ في نواحيها المختلفة سواء كان ذلك على المستوى الأسري أو حتى على مستوى إقامة العلاقة بين طرفي المجتمع (الرجل والمرأة) فعلى المستوى الأسري أصبحت فكرة وجود أسرة متماسكة الأركان والبنيان حالة تسحق الدراسة، بما يشير إلى أن الاتجاه السائد في المجتمع هو التفكك الأسري المتجه نحو التزايد، فلم تكن الأسرة كما كان يحكى عنها في الماضي، أصبح كل عضو في هذه الأسرة له هدفه الخاص الذي يسعى جاهدًا لتحقيقه، لكن هل هذا الهدف يتفق مع توجهات الأسرة وميولها أو بالأحرى هل الهدف مقبول اجتماعيًا أم لا، كل هذا لا يؤخذ في الاعتبار ما دام قد تحقق الهدف على الوجه المرجو منه.

وإذا ما لاحظنا على مستوى العلاقة بين الرجل والمرأة أو الكيفية التي يتم على أساسها التقييم بين الطرفين حتى تصلح عملية الزواج، سنرى أن ما كانت تبحث عنه المرأة في الرجل من الأخلاق والقيم الراسخة قد ولى بلا رجعة، واستبدلت بشيء جديد هو ما ساد حاليًّا (لأي مستوى اجتماعي ينتمي هذا الرجل؟)،(وما هو المستوى الطبقي لعائلته؟) وأضحى التقييم القديم للرجل ليس معيارًا للحكم عليه. بل كما يقال (لأي عائلة ينتمي وكم معه من الممتلكات؟).

أخيرًا أود أن أشير إلى أن مجمل حديثي عن انتشار الاتجاه النفعي لا يأخذ شكل التعميم، وبالتالي ليست كل الناس تلجأ لهذا الاتجاه، فربما الكثير لم يتسرب إليهم هذا المبدأ وما زالوا على ثبات ويقين في احترام القيم التي ورثوها قديمًا ولم ينحلوا منها.

ومن ثم ما وددت أن أنهي حديثي دون ذكر سؤال يراودني صباح مساء، وهو هل ما نحن بصدده الآن من الإقبال في الانغماس في هذا المبدأ (النفعي) مستمر دون رجعة، وبالتالي فالأكثرية الآن من الممكن أن تجلب معها الأقلية المتبقية؟ أم أن هذا المبدأ قابل للارتداد إذا ما قوبل بنشر توعية الحفاظ على القيم وزرع قيم جديدة محاكية للقيم القديمة في المجتمع، وبالتالي فالأقلية من الممكن أن تجذب إليها الأكثرية؟ هذا ما ستوضحه إجابتكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد