تطور عِلم الاجتماع الإنساني بصورة أسّرع من إمكانيات استيعابنا لشكل وأنواع المجتمعات التي تنشأ وفق الإمكانات البرمجِية والتكنولوجِية المتوفرة لمجموعات كبيرة من البشر. ونحن هنا بِصدد فحص ومُراقبة المجتمعات الإلكترونية وتحديدًا في مجتمعات الوسائط الاجتماعية وتوصيلاتها الإلكترونية في عمليات تشكل الرأي العام الرقمي، «فيسبوك» أنموذجًا.

الرأي العام الإلكتروني هو من المصطلحات السائلة التي يصعب إمساكها وتحريرها وضبطها لمطاطية الفضاء الإلكتروني نفسه، وتسهيمات كل مكوناته في جذب الجماهير بنسب مختلفة؛ لذا سألجأ إلى اجتهادي في تعريفه بأنه:

هو اعِتقاد جماعي مؤقت لمستخلص الأفكار التي يتم تداولها بين فرد أو أكثر من رواد ومستخدمي المواقع الإلكترونية كإجابة مُؤقتة للمُشكل أو السؤال الذي بصدده التداول.

كيف يتشكل الرأي العام؟

في معرض إجابتنا عن هذا السؤال، من المفيد جدًا استعراض لمحة سريعة نرجو أن لا تكون مخلة عن الرأي العام التقليدي ونظرياتهُ وعناصرهُ وتأثيراتهُ، كمدخل وتأسيس لفهم وإدراك عملية تكوين الرأي العام الإلكتروني. الرأي التقليدي يختلِف عن الرأي العام الشبكي أو الإلكتروني من حيث المصدر والوسيلة والسرعة والانتشار، حيث إنه عادة ما تقوم المصادر التقليدية المرئية أو المقروءة أو المسموعة ببث رسائلها وتكرارها والتأكيد عليها حتى تشكيل الصورة الذهنية المراد تكونيها لدى الجمهور المُستهدف.

المنصات الإلكترونية عمومًا، و«فيسبوك» على وجه الخُصوص مُتنوع جدًا من حيثُ المضمُون والمحتوى، وبالتالي هو حاضنة مشبعة للمستخدين والرواد في مختلف موضوعات الحياة اليومية والأحداث الآنية. وفلسفة هذا الموقِع تحديدًا تقوم على المشاركة في التعبير وإتاحة طيف واسِع من أشكاله حتي تلك العاطفية منها.

يتكون الرأي العام عمومًا من عدة عناصر أساسية، وهي الأفراد، الرأي المشترك، الأفكار والإتجاهات. بطبيعة الحال الفرد دائمًا هو الوحدة التي ينطلق منها الفعل الاجتماعي، في صيرورة اجتماعية مع فرد أو جماعة أخرين وعبر هذا التفاعل في الرأي والرأي المضاد أو شِبه المضاد ينتج رأي عام مشترك، يتبلور في فكرة أو اتجاه وبمرور الوقت تتكون كتله مجتمعية مُحمَلة بهذا الرأي.

هنالك عدة مناهج إزاء عميلة تكوين الراي العام، يمكن إيجازها في منهج العامل الواحد، كالعامل الاقتصادي مثلًا، ومنهج المراحِل المتعددة: وهو نفسه يتكون من عدد من المراحل ابتداءً القضية المعينة، ثم بداية الوعي بها والعمل عليها، ثم بلورة القضية بناءً على المناقشة فيها، وعرض أوجه النظر المختلفة،ثم أخيرًا مرحلة الحكم واتخاذ القرار وهي المرحلة الأخيرة. ومنهج ثانٍ، المنهج الثالث هو منهج العوامل المتعددة وهو تراكم مجموعة من العوامل الإقتصادية والسياسية والمجتمعية تتحالف جميعها في تشكيل الرأي.

تشكُل الرأي العام الشبكي فيسبوك: من منظوري يتكون هذا النوع من الرأي بطريقتين تعمل بديناميات يمكن رصدهما وملاحظتها والتحقق منها بِسهولة، الطريقة الأولى: هي بداية التفاعل مع قضية ما بالاتفاق أو الاختِلاف، ثم يأتي أحدهم معلقًا موافقًا، ثم يأتي ثانيًا مثنيًا وثالثًا للتأكيد، ومن هنا تتكون الكتلة الحرجة الصغيرة ومعظم من يأتي بعدهم يتبنى هذا الرأي أو الاتجاه، ويصبح رأيا عامًا مبدئيًا، وذلك على طريقة الناس على دين ملوكهم. وهنا أستطيع أن أقول إن الناس على دين أوائل المتفاعلين أو المعلقين.

والطريقة الثانية هي طريقة مركبة تتكون من: منتجي للرأي، ووسطاء للرأي، والمستخدمين.

تبدأ القضية بالظهور في المجتمع ثم تنتقل إلى المحيط من خارجه، ثم تخضع لعملية معقدة وغامضة، تنتهي بتبنيها من قِبل مجموعة من الناشطين أو وسطاء الرأي كما أسميهم، والذين يبثون هذا الرأي أو ذاك عبر منصاتهم، ثم تبدأ مجموعات المستخدمين في تبنيه والتسويق له في مجالهم، وربما ينقلونه لبيئتهم الخارجية في المنزل أو المقاهي أو حتى العمل عبر عمليات صغيرة أخرى يمكن تسميتها ثرثرات الجماهير.

هذه العملية تخضع لمجموعة من المحددات للمشاركين فيها، إذ تعتمد بالأساس على الحرية المتاحة والمعتقدات ونمط الثقافة السائد والمصلحة الاقتصادية.

تساهم جميعها في تحديد اتجاهات الرأي وفعاليته وتأثيراته، هذه التأثيرات لن تقف بالطبع في حدود الفرد، بل تتعداه لكل المجتمع الإلكتروني في بعده النفسي والمعرفي فضلًا على تأثيراته السلوكية!

يخبرنا علماء الاجتماع بأن أنواع الراي العام تختلف بحسب الفضاء الذي تتشكل فيه، إذ إن الراي العام التقليدي غير الرأي الإلكتروني في امتداداته المجتمعية وشرائحها، ولكنهما ربما يتفقان في الأنواع التي ينتجانها ويمكن إجمالها في:

الرأي العام العفوي وهو الذي يتكون من غير ترتيب مسبق، أو دفع من أي اتجاه ويكون عادة تجاة القضايا العامة وُمدته تكون طويلة.

الرأي العام الفعال وهو الذي خُطط له وُرتب له لمصلحة مُعينة أو جِهة معينة.

الرأي العام المؤقت وهو الذي يتشّكل بسبب حدث معين عرضي، يختفي بِظهور السبب.

وخِتامًا، يمكنني أن أُلاحظ أن العنصر الحاسِم في عملية تكوين الرأي العام في وسائط التواصل الاجتماعي، و«فيسبوك» على وجه الخصوص هم النشطاء أو المدونون، إذا كان عبر حساباتهم أو عبر الصفحات والمجموعات الكبيرة. وأن ارتدادات الفعل الأولى لقضيةٍ ما هي ما سيحدد مسارها المجتمعي وتغلغلها إلى الفئات المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد