دعونا وقبل أن نبدأ نتحسس التغير النوعي والجذري التي تشهده وتتمتع به الدوله القطريه حاليًا من مراكز قوى وتأثير وثقل دولي في شتي أنواع المجالات، ونرجع إلى بداية الدولة القطرية، كيف ومتي بدأت تلك القنبلة الموقوتة التي انفجرت لتزدهر وتعيش أزهى عصورها الحالية؟

 

قطر عبارة عن قطعة أرض صغيره تقع في الخليج العربي بمساحة تقدر بأقل من 10 عشرة آلاف كيلو متر مربع.

عندما نالت قطر استقلالها من بريطانيا سنة 1971 كانت عباره عن بقعة أرض مهمشة صحراء جرداء فقيرة جدًا، درجة حرارتها تصل لأكثر من 50 درجة مئوية، وواحدة من أفقر الأماكن التي لا تصلح للمعيشة والمسْكن، وكانت تعتبرها بريطانيا من أفقر المقاطعات التابعة لها آنذاك، ولكن هل دام ذلك الوضع؟ بالطبع لا، حيث تحولت قطر من كل هذا البؤس إلى أغنى دولة في العالم، حيث وفقا للتصنيفات العالمية الـ(per capita) (وهي كلمة لاتينية معناها حرفيا لكل شخص – فرد) التي يتمتع بها المواطن القطري من الـ(gdp) اختصارا لمصطلح الـ(gross domestic product) أي (الناتج المحلي الإجمالي) هو 125000 دولار سنويًا مما يعني تقريبًا أنها أكثر من الضعف بثلاث مرات للدخل الفرنسي! ويبقى السؤال الأهم كيف بدأت قطر؟

 

يعتقد الجميع أن سر الثراء الفاحش لدولة قطر يرتكِز علي عمودين رئيسين، وهما البترول والغاز الطبيعي، وهذه بالطبع أسباب لا يمكن لأحد إنكارها، وواضحة وجلية للجميع، ولكن المال وحده لا يجلب النجاح، وصناعة الأمم يا صديقي، فدعنا نضع الأمور في نِصابها ومسارها الصحيح، وننظر لها من زاويا أخرى، لا يجب علينا تهميشها؛ حتى تتضح الصورة أكثر.

 

يعتبر أول حقل غاز اكُتشِف في قطر كان سنة 1940، ولكن أول تفجير حقيقي وملموس لحقول البترول الذي يؤخذ في الاعتبار، وكان ملحوظًا، ولكن أيضا لم يكن بالشكل الكافي الذي نعتبره كثراء لقطر، كان سنة 1960، ولكن الكنز الأكبر والبداية الحقيقية كانت في 1970، وهو اكتشاف أكبر حقول الغاز في العالم (الحقل الشمالي)، وفي هذا الوقت ده تحديدًا لم يكن الغاز الطبيعي مُربحا بالشكل الذي عليه الآن؛ لأنه في ذلك الوقت كان الغاز ينُقل عن طريق الأنبوب، وكانت قطر بعيده تماما عن أي مكان من الممكن أن يستخدم فيه، ولذلك كان أكتشافة كنزًا، ولكن لم يُستغل بعد.

 

ولكن في 1996 الأمير حمد بن خليفة آل ثاني كان لديه رؤية واضحة وخطط مستقبلية له ولبلاده عن والده، حيث كان يري مستقبل قطر في تفجير حقول الغاز الطبيعي الذي يجب استغلاله على أمثل وجه، وبشكل أكثر احترافيه حتى يتمكن من الثراء المرجو حينها، وبالفعل حدث ذلك، حيث قرر هذا الأمير أن يستثمر في تكنولوجيا نادرة جدًا في وقتها، وهي ما تسمي بالـ(liquefaction) التي لها القدرة على حمل الغاز الطبيعي في شكل سائل، وتنقل في سفن كبيرة جدًا كما لو أنها بترول، ولكن لفعل هذا تحتاج أن تبقى في حرارة منخفضة جدًا وهي 161 درجة سيليزيوس تحت الصفر، ومن أجل هذا قررت قطر أن تستثمر كميات هائلة من المال لتطوير هذه التقنية بالفعل، حدثت تلك النقلة المذهلة لقطر حتى أصبحت أكبر دولة مصدرة للـ(LNG) أو (liquefied natural gas) أو الغاز الطبيعي المسال.

 

والآن قطر تنعم ببحار من هذا الغاز الواعد، والذي مازال يحفظ وضعه حتى بعد انخفاض تكلفه البترول ما زال وفقًا لبعض الخبراء له مستقبل لا يقل عن 100 عام تقريبًا، وحاليًا تستطيع قطر أن تصدر كميات هائلة للعالم كله؛ لأنها بهذه التقنية المعقدة وعلى نطاق واسع أصبحت هي الأرخص في العالم في هذه التقنية، ولتوضح مدى نجاح هذه التقنية فإن الـ(tanker) في قطر يتم استخراجه أرخص بأربع مرات عن نظيره في الولايات المتحدة.

 

ولكن هذا أيضا ليس بالسر الأعظم، لنقول ونجزم بأن قوة قطر وثقلها في المنطقة، وربما في العالم الآن، مُستمد من هذا الغاز فقط، والذي حالفت الطبيعة قطر ومنحتها إياه! فالمعادلة تحتاج لاستثمار تلك الأموال الهائلة لتوليد أموال أكثر وأكثر، والدخول في مجالات مؤثرة لإسهام البشرية وتطويرها وتقديم الأفضل لها جنبا إلي جنب في مصاف الدول المتقدمة لكي تحظى باحترام العالم، وتصبح ذات شأن، ويعترف بك حتى لا ينتهي بك المطاف كأنجولا أو فنزويلا مثلًا.

 

كانت تطلعات وطموح الأمير حمد بن خليفة آل ثاني أن يكون له تأثير وثقل دولي، ولم ينس غزو العراق للكويت، وبما أن قطر أخذت سنين وأشواط يُتحَكم بها سياسيًا في واقع الأمر من قِبل أل سعود، قرر الأمير الجديد أنه أن أرادت قطر البقاء على قيد الحياة، فلابد أن تحدد استقلالها وسيادتها وكسب التأثير الدولي لسياستها الخاصة في شتي أنواع المجالات، ولذلك في عام 2003 عندما طلبت السعودية من القواعد الأمريكية أن تخرج من البلاد لم تتردد قطر للحظة لعرض غرضها لاستضافة القوات الأمريكية على أراضيها، وباستضافة القاعدة الأمريكية المكونة من 11 ألف جندي في جنوب غرب الدوحه تكون قطر قد أمنت نفسها تمامًا على الصعيد الدولي، وأصبحت حليفًا لأقوى دولة في العالم، وهي الولايات المتحدة، وحتى بعد مقاطعة أغلب الدول العربية لقطر حاليًا طورت علاقتها بتركيا، واستضافت بعض القواعد العسكرية التركية، وطورتها حتى مع إيران الند المعادي لآل سعود دائمًا وأبدًا في المنطقة.

 

ورجوعًا للوراء قليلًا فقط لنبرز أكثر الأعمدة في بناء دولة قطر الحديثة، وهي الشبكة الإخبارية العربية (الجزيرة) كيف بدأت الجزيرة؟

 

في عام 1995 قامت شبكه الـ(bbc) بقفل قناتهم العربية؛ بسبب إلحاح وإصرار تدخل الحكومة السعودية في العملية التحريرية للقناة، وهذا ما كان يرفضه تمامًا فريق الإعداد بالكامل، ولذلك تم حينها فصل حوالي 150 صحافي جميعهم كفء عرب، وتدربوا في واحدة من أكفأ المؤسسات الإعلامية في العالم كله، وهنا يظهر دور الامير حمد آل ثاني، ويقتنص الفرصة ليعرض عليهم فتح شبكة إخبارية جديدة عالمية ناطقة باللغة العربية بالمعايير الغربية، وبأية تكلفة، حيث أعطت الحكومة القطرية حينها قرضًا بـ147 مليون دولار ليتم التجهيز والإعداد بأعلى المستويات لانطلاق تلك الشبكة.

 

لا شك أن شبكة الجزيرة هي أكثر شبكة إخبارية مؤثرة في العالم العربي وواحدة من الأكثر متابعة في العالم أيضا، وهي مؤسسات إعلامية تتمتع بالاستقلالية التامة وتحظى باحترام بالغ من قبل الجميع وشبكاتها تغطي أكثر أحداث العالم الجارية، وتأتي بالمعلومات والحقائق من قلب الحدث، وفي أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي قلبت رأس العالم على عقب، كانت هي المصدر الوحيد للمعلومات على الساحه العالميه  لدرجة أن شبكة الـ(CNN) نفسها كانت تشتري الفيديوهات الحصرية الخاصة بها في هذا الحدث منها لعرضها على قنواتها! وحاليًا هي من أفضل الشبكات الإخبارية المتابعة لمعرفة، وفهم ماذا يجري في العالم أجمع من أسرار، ولا ننسى دورها العظيم المساند للشعوب العربيه ضد حكامها فيما يسمى بالربيع العربي، حيث كانت الجزيرة المصدر الوحيد لنقل ما يحدث من تنكيل وقتل للمتظاهرين وتطورات الحدث لحظة بلحظة.

 

وكما ذكرنا آنِفا في بداية التسعينات كان للأمير حلم ورؤيا بأن يكون له ولبلاده السيادة والاستقرار،  ولكن كيف يحدث ذلك لدولة مساحتها وعدد سكانها وموقعها الجغرافي لا يؤهلها نوعًا إلى ذلك، فكان لابد من وجود استراتيجيه للوصول لذلك الحلم، وكانت كلمة السر تكمن في القوة الناعمة، وهانحن وبالفعل بعد اثنين وعشرين سنة من صدورها، انظروا كيف نجحت، وأصبحت من أكثر الأدوات التي تلمع سياسه قطر للعالم أجمع.

 

ولمعرفة ميزانية وزارة الدفاع، وعلى خلاف أغلب جيرانها تبقي قطر غير مهتمة بتجهيز الجيش القطري بالمبالغة المهولة المبالغ فيها، فيعتبر جيشها معتدلا إلى حد كبير في استغلال الأموال الطائلة، حيث يبلغ عدده 12000 ألف شخص فقط، وتعبر هي الأقل في المنطقة، حيث إحصاءات 2010 تقول إن قطر تنفق 1.5% فقط من إجمالي الناتج القومي لوزارة الدفاع في حين أن جارتها السعوديه تُنفق أكثر من 14% من ناتجها القومي على الجيش السعودي، ومن هنا يتضح مدى الفرق المهول في السياسة والاستثمار بين البلدين.

 

منذ وصول الأمير حمد بن خليفة آل ثاني وتوليه السلطة عام 1995 والأمور تغيرت بشكل كبير وملحوظ حيث خلال فترة حكمه الـ18، عدد سكان قطر تضاعف حوالي 5 مرات، وبدأت بالاستثمار على الجانب القومي والدولي.

فقطر حاليا عبارة عن ناطحات سحاب ومولات وفنادق فاخرة ومطارات فائقة الجمال وسيارات فارهة من اللمبورجينز والفراريز والبوجايتيز، وكل شيء فيها تقريبا مترف وباذخ، حيث لا توجد البساطة في داخلها، فكل شي فيها بالغ الإسراف، ووفقا للمقاييس العالمية في كل شيء، وهي مصممة بالكامل كخليط من موناكو وفيجاس، ولكن بدون كحول وقمار ونواد ليلية، كما يحدث في فيجاس.

 

ومن جانب الاستثمار، فقطر عبارة عن إمبراطورية هائلة باستثمارات عالمية، وذلك بعض من استثماراتها الخارجية: في لندن فقط جزء كبير منها ينتمي لقطر متمثلا في استثمارات هائلة، حيث في 2014 استثمارات قطر في بريطانيا وصلت لـ35 مليار دولار من عقارات وفنادق وناطحات سحاب مولات وغيرها ده غير 20% من مطار هيثرو الدولي و20% من الشركة المالكة للخطوط الجوية البريطانية نفسها، لدرجة أن البريطانيين اشتكوا وتأففوا من اكتساح قطر اقتصادها، وأصبحت متحكمة في جزء كبير منه.

 

وفي الولايات المتحدة أيضا في العام الماضي 2016 قطر كانت أكبر رابع مستثمر فيها، وتقدر الأموال المستثمرة في منهاتن وحدها في آخر عامين 2015 و2016 بـ 5 مليار دولار أمريكي. وأيضا  الخطوط الجوية القطرية أخذت المركز الأول عالميا، كأفضل خطوط جوية في العالم.. هذه الجائزة تحديدا كأنها الأوسكار في عالم الطيران. وتلك المرة الرابعة للخطوط الجوية القطرية للحصول على تلك الجائزة خلال 10 سنين فقط، وهذا التقييم أخذته بعد استطلاع آراء 19.87 مليون مسافر من 105 دولة مختلفة؟ qatar-airways-skytrax-best-airline-world-2017-6

 

قطر أكبر مساهم في شركة فولكس فاجن الألمانية. Volkswagen-

24% من مطار سانت بطرسبرج الروسي مملوك لقطر.

شركة Miramax الأمريكية استحوذت عليها قطر، وتحديدا مجموعة BEN Sport، ولها أسهم في شركات عالمية عملاقة – barclays bank – tiffany and co – rosneft  iberdrola، غير استثمارات كثيرة جدا في الصين وآسيا عموما، وتقريبا لها أياد واستثمارات في أغلب دول العالم بثروة تقدر بـ350 مليار دولار.

هي أيضا لها  استثمارات داخلية، حيث إنها تنفق عشرات المليارات علي المراكز والأبحاث العلمية والأنشطة الرياضية والفنية والبنية التحتية والجامعات، حيث إن تعليم قطر الجامعي مصنف من الأعلى في العالم العربي، وتسوق نفسها خارجيا لجذب السياحة داخلها، وذلك باستضافة كاس العالم 2022 على الأراضي القطرية، وهذا حدث يعتبر غير مألوف لنا في العالم العربي.

 

وحاليًا قطر تعتبر من أكثر الدول الآمنة في المنطقة، حيث لا يوجد فيها بطالة، وخالية من مخاطر الإرهاب الذي سبب ذعُرا في المنطقه حاليا، وأيضا وفقا لتقارير أخرى، فهي آمنه من الكوارث الطبيعية.

كل هذا وما زالت قطر مستمرة في النجاح والتفوق، وأثبتت أزمتها الأخيرة مع جيرانها وكيفية التعامل معها كياستها وسياستها الحكيمة، ونضج وفطنة قادتها، وعلاقاتها مع الدول الخارجية، وخاصة بعض الدول الأوروبية التي أثبتت قوة وصلابة تلك العلاقه معهم، وأنها ليست كما يعتقد الجميع قطعه صغيرة بعدد سكان لا يُذكر، بل مُستمرة في نجاح، وتقدم، وطموح، لا تحده السماء، وتأثيرها أقوى وأعظم مما يعتقد الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد