توقعت دول الحصار أن غلق الحدود البرية والجوية على قطر سيؤدي إلى انهيار سريع للاقتصاد، ويدفع قطر لتقديم تنازلات فورية والخضوع لها، لكن ما حدث هو العكس. فكيف صممت قطر اقتصادها لينجح في اختبار مثل هذا؟

في عام 1971 مساحة صغيرة تنال استقلالها عن بريطانيا، واحدة من أكثر المساحات القاحلة في العالم، عدد سٌكان قليل جدًّا وصيَّادون يعيشون على صيدِ اللؤلؤ ولا شيء آخر، مكانٌ بلا آمال، ولكن خمسة عقود من الزمن كانت كفيلةً لتطمس ناطحات السحاب وجه الصحراء، ولتتحول تلك الدولة لأغنى دولة على وجه الأرض، مع نصيب فردٍ يُقدَّرُ بنسبة 130 ألف $ من الناتج الإجمالي المحلِّي في البلاد، فكيف حدثَ ذلِك؟

اعتمد الاقتصاد القطري الوليد قبل النفط على تجارة اللؤلؤ وصيده من أعماق الخليج العربي، وكانت تلك التجارة مُزدهرة بفضل أوروبا وأمريكا، ولكنَّ اللؤلؤ لم يعد بتلك القيمة بعد انخفاض سعره وفي عام 1929 ضرب الكساد الكبير أمريكا، لِيُدقّ آخر مسمار في نعش تجارة اللؤلؤ، لتقوم قطر بالاتجاه نحو النفط الذي اكتُشف في البحرين المُجاورة.

وفي شاطئ منطقة دُخان القطرية اكتُشف النفط لأوَّل مرة عام 1939، لتتشكل حقبة جديدة للاقتصاد القطري، حينما بدأ التصدير عام 1949، وبالصدفة مع تزامن استقلال قطر عن بريطانيا، بدأت شركة «شل» الهولندية التنقيب عن النفط في منطقة القبة الشمالية الغربية قبالة السواحل، اكتُشف الغاز الطبيعي ولأول مرة عام 1971، لم يكن خبرًا سارًّا وقتها، وكانت الأمنيات بالنفط فقط، فلم يكن استخراج الغاز باهظ التكاليف ذا أولويَّة في ظل صادرات النفط التي تجلب مليارات الدولارات.

وانتظر غاز حقل الشمال المُكتشف 26 عامًا ليبدأ تصديره عام 1997، وقبل التصدير ببضعة سنوات، راهن والد الشيخ تميم أمير دولة قطر – حفظه الله – حمد بن خليفة آل ثاني  بِحاضر البلاد ومستقبلها، إذ تتطلب مشروعات الغاز المُسال فترات زمنية طويلة وتكاليف مُرتفعة، ويعني فشل المشروع تحوُّل قطر إلى دولة غارقة في الديون وبلا أمل في السداد، صبَّ الأمير الوالد جهده في هذا المشروع ودفع مليارات الدولارات، ونجح بذكاء في جلب عملاق النفط الأمريكي «موبيل» لتقوده في وقتٍ عسير.

في تلك الفترة كانت حرب استهداف الناقلات النفطية في الخليج في بدايتها، بين العراق وإيران، ما أدى لهروب المستثمرين اليابانيين الموجودين لشراء الغاز القطري، وانسحبت شركة «بي بي» لمُشكلات سيولة لديها، إلَّا أنَ حضور موبيل أحيا المشروع من جديد، ولأن الأخيرة تمتلك قدرات مالية وتقنية شديدة الضخامة أعطت إشارةً للمستثمرين حول أمن المكان واستقراره للمشروع، كما جلبت معها مزايا أمنية كونها شركة أمريكية.

علم أمير قطر السابق الشيخ – حمد بن خليفة آل ثاني – حفظه الله – أنَّ وضع العلم الأمريكي على الناقلات سوف يقيها الاستهداف من طرفي الصراع، كما يحدث مع ناقلات النفط الكويتية، وجلب القوات الأمريكية للبلاد بعد حرب الخليج، مما أدَّى لطمأنة المستثمرين اليابانيين وعودتهم، ليكسب الأمير الرهان أخيرًا، على عكس توقُّعات وربما أمنيات دول الجوار، وبهذا أصبحت قطر المُصدِّر الرئيسي للغاز المُسال حول دول العالم، بمليارات الدولارات سنويًّا.

ومع فائض النفط والغاز في البلاد كان التحدي الجديد للأمير حمد في الطريقة المُثلى لإدارتها، ورسم استراتيجية اقتصادية للتنويع في الاقتصاد بعيدًا عن النفط والغاز، بعكس مسار دول الجوار آنذاك، وفي عام 2005 جرى إنشاء «جهاز قطر للاستثمار» الأداة الاقتصادية والسياسية التي شكلت فيما بعد مصدر قوَّة قطر الصُلبة، باحتياطات تَخطّـت 360 مليار دولار، ويمتلك هذا الجهاز خمسة أمور أساسية، الديار للاستثمار العقاري والقابضة، والاستثمارات الرياضية، ومجموعة قطر للرفاهة، وحصاد الغذائية، كما يُهيمن على العديد من المشروعات الداخلية.

شكَّل هذا الجهاز مع استثماراته في القطّاع العام والخاص في قطر، قوَّة استثمارية كاسحة في كل العالم، ولدى جهاز قطر للاستثمارات التالي، في قارة آسيا، ستجد استثمارات ضخمة في كلٍّ من روسيا، والصين، واليابان، وسنغافورة، وماليزيا، والهند، وإندونيسيا، فيتنام، وهونج كونج، تركيا، وكوريا الجنوبية، أمَّا في القارة الأوروبيَّة، في بريطانيا، وفرنسا، سويسرا، وألمانيا، وأوكرانيا، واليونان، إيطاليا، وإسبانيا، أمَّا في أمريكا الشمالية ،أمريكا وكندا والمكسيك، وفي أمريكا الجنوبية، البرازيل، والأرجنتين، وتشيلي، وفي أفريقيا أيضًا، هناك السودان، وكينيا، ونيجيريا، وجنوب السودان، وجنوب أفريقيا ومعهم توجو، والمغرب أيضًا.

يكشف فحص أنماط الاستثمار القطري في جميع أنحاء العالم عن هذه الاستراتيجية الفريدة من نوعها مكَّنت قطر من تمييز نفسها عن دول المنطقة ورسم مسارها الخاص، كونها دولة صغيرة تعتمد على مورد طبيعي سينضب عمَّا قريب، فقد طوَّرت نمطًا فريدًا من أنماط الاستثمار، حوَّل اقتصادها لاقتصاد مرن ومُستدام لا يعتمد على النفط والغاز فقط والواردات الغذائية ومن خلال محفظة استثمارية رأسية وأفقية، أصحبت الاستثمارات القطرية نفطًا لا ينضب.

معتمدة على استراتيجية متشابكة تركِّز على الاستثمارات الاستراتيجية من خلال شرائها حصصًا في شركات متعددة الجنسيات، وبالتّالي الوصول للقدرات والمعرفة العالمية، وبناء العلامة التجارية لِقطر دوليًّا ومنها الاستثمارات الانتهازية، وهي استثمارات تحقِّق عوائد مالية ضخمة بعد فترة زمنية، وكذلك الاستثمارات ذات الآفاق طويلة الأجل، لتعزيز العلاقات مع حكومات شعوب الدول الأخرى، لتتمكن قطر في نهاية المطاف من تعزيز علامتها التجارية، وتعزيز علاقاتها مع الدول الأخرى لأبعد من السياسة، وتوليد إيرادات مُستدامة ودعم أمنها القومي، وبالتالي استطاعت الصمود أمام التحدِّيات الاجتماعية والاقتصادية وآخرها الحصار الخليجي الغاشم، دون أن يرجف لها جفن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد