كلّنا يعلم أنّ الإنسان عبارة عن مكونين رئيسيين متكاملين، وهما الجسد والروح فالرُّوح هي محلّ المشاعر والإدراك والإيمان، وهي المكان الذي خُيِّر فيه الإنسان، أو بعبارة أخرى هي محلّ القصد والعزم في اختيار الارتقاء إلى كائنٍ أعلى من نفسه، أو النزول إلى أسفلِ سافلين. وأمَّا الجسد فهو الراحلة التي بها نشقُّ بها طريقنا في الدنيا ونجتاز الاختبار.
وبطبيعةِ الحال فإنّ الجسد يحتاجُ إلى الغذاء الصحّي والتمرين والرّاحة كي لا ينهار، وكذا الروح هي الأُخرى تحتاج الزَّاد للمضي قدُمًا في الطريق ولا تنهار، وتصيب صاحبها بالهواجس والخواطر والوساوس فتدفع صاحبها إلى الانتحار، أو الجُنون، أو حتى تجعل صاحبها يعيش كالبهائم والأنعام (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) مثل حال الكثيرين في هذا العالم اليوم، وخاصّة في العالم الغربي.
يقول الكاتب الأمريكي الشّهير «ديل كارنيجي» عن القلق: «عشت في نيويورك أكثر من سبع وثلاثين سنة، فلم يحدث أن طرق أحد بابي ليحذرني من مرض يدعى القلق، هذا المرض الذي سبب في الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف، نعم لم يطرق أحد بابي ليحذرني أن شخصًا من كل عشرة أشخاص من سكان أمريكا معرض للإصابة بانهيار عصبي مرجعه في أغلب الأحوال إلى القلق!»، وهذا كله بسبب السعار المادي الذي نعيش فيه في هذا القرن.
ونحن المسلمين نعلم أن أهم شيء يغذّي الروح هو القرآن. فكيف يعمل عليها ؟
بما أنّنا ذكرنا الروح ففي المقابل علينا أن نَذكُر النفس، التي هي محلّ الغرائز والشَّهوات. فإذا استَعْلَتْ الروح عن الأهواء وتشبَّعت بالإيمان، شعر الانسان بأنه يرتقي، ويهفو إلى محبوبٍ جميل واحد لا ثاني له هو الله. وإذا طغت النفس على الإنسان أثقلته حتى يلتصِق بالأرض، ويصبحَ صدره ضيِّقًا حرِجًا كأنما يصعّد في السّماء، وبذلك تحجُبه عن الاشتياق والحنين إلى الله سبحانه وتعالى.
فالروح في حقيقتها تعبّر عن الفطرة السليمة التي خلقنا الله (بها فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، فيها تعرف خالقها جيّدًا وتحن وتهفو إليه، وهذا ما أكاد أجزم أن كل شخص قد تعرض في حياته إلى لحظات صفاءٍ ذهني ذاق فيها هذا الحنين.
ولكن النفس وشهواتها، ووساوس إبليس عليها، تقف في وجه الروح وفي وجه معرفة خالقها، وتزين للإنسان جمال الدنيا ومتعها الفانية، وتسدّ الطريق المتجه إلى سدة الجمال العلوي.
وبهذا ينشأ صراعٌ بين الروح التي تهفو إلى العالم العلوي، والنفس التي تهفو إلى العالم السفلي (الشهواني).
فإن لم تتعرّض النفس لتربية دائمة وتزكيتها، فلا بد أن تكون الغلبة للغرائز والشهوات والوساوس على الروح في هذا الصرع، ولهذا يصاب الشخص بالهستيريا والأمراض العصابية والوسواس القهري وغيرها من الأمراض النفسية.
فتجد الإنسان حينئذٍ لا يشعُر بشيء من تطلُّعات الروح، وإنما يشعر بما تمليه عليه غرائزه من متطلباتها وأهوائها، فينخدع ببهرجها ويظنّ أنّ روحه تهفو إليها، ولكن الحقيقة تكمُن في أن الروح منكمشة على نفسها، ومغلوب على أمرها بسبب الضجيج الذي تصدره النّفس، والمطالبة المستمرة بحقّها.

وهنا يأتي عمل القرآن..

فالله سبحانه وتعالى في علمه المسبق، يعلم أنّ عصرنا سيكون ماديًّا لأقصى الحدود، ولذلك أكرمنا بالقرآن العظيم وحَفِظَه لنا، فهو الشفاء لما في الصدور بمعنى أن عمله يتركَّز أساسًا على تهدئة النفس وتزكيتها وتهذيبها (جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)، فهو صالح لكلِّ زمانٍ ومكان، ويحضرني هنا قول الشيخ محمد الغزالي في كتابه (نظرات في القرآن) فيقول: «…نعم السنوات الثلاث والعشرون التي استغرقت نزول القرآن يمكن حسبانها دورة اجتماعية كاملة، ثم فيها البيان الإلهي لسياسة الحياة والأحياء.. وما تفد به القرون بعد ذلك من أحوال نفسية واجتماعية لا يعدو أن يكون صورة مكررة لما سبق أن قال القرآن كلمته فيه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).
فإن استطاع الإنسان المداومة على تلاوة القرآن وتدبّره، ويجعل منه دواء يثابر عليه، فإن ذلك يكون خير غذاء لتقوية الروح، وأفضل وسيلة على الإطلاق للحدِّ من طموحات النّفس وأهوائها. (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
والمداومة على تلاوة وتدبر القرآن لا يقضي على الغرائز والشهوات تمامًا، وإنما يهذّبها فهي متأصِّلة في الإنسان، لذلك تبقى موجودة داخل النّفس، ولكن في اعتدال وبعيدًا عن التشويش على الروح ومقصدها الأخير (معرفة الله عزو جل حق المعرفة ونيل رضاه).
وتتحرر الروح من أسر الغرائز الحيوانية، والوساوس، التي كانت تحبسها عند صور اللذّات الزّائفة، والتي كانت تقيّدها ضمن عالم الأسباب الوهمية التي تحجب عن رؤية مسبب الأسباب كلّها.
وهنا فقط نستطيع الشُّعور بنفخة الله التي قال عنها سيد قطب في مقدمة الظلال: «وعشت – في ظلال القرآن – أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد، إنه إنسان بنفخة من روح الله: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض: وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، ومسخَّر له كل ما في الأرض: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا».
وها فقط يمكننا أن نتذكّر العهد الذي بيننا وبين ربنا عزوجل والذي يتجلى بوضوح في هذه الآية: (إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)).
ونختم بقول الأستاذ محمد سعيد البوطي رحمه الله في كتابه الحب في القرآن: «تلك هي حقيقة الحب القديم من الإنسان لله عز وجل، ولن يحجب الإنسان عن شعوره بهذا الحب، إلا ضجيج أهوائه وهياج غرائزه. وإنما يسكت ضجيج تلك وهياج هذه، ما سماه الله تعالى (التزكية)، فمن أخذ نفسه بها دون انقطاع، تجلّت أمامه لواعج الروح صافية عن شوائب غرائزه وأهوائه. ولا بد أن ينقاد، شيئًا فشيئًا لرغائب روحه، عن طريق الإكثار من مراقبة الله وذكره، والدوام على العبادات والبعد عن المحرمات».

كيف يعمل القرآن؟

كيف يعمل القرآن؟

كيف يعمل القرآن؟ ج(2).. «عقلية النجاح»

كيف يعمل القرآن؟ ج(2).. «عقلية النجاح»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد