الشعب المصري متدين بطبعه؛ أحد أشهر المقولات التي تصف نمط حياة وعقلية المصريين أنهم متدينون ومحافظون في النمط الذي تسير عليه حياتهم، وهو ادعاء جرى تأكيده من معهد جالوب الأمريكي في استطلاع أجراه شمل 143 بلدًا وأقليمًا حول العالم، حيث أجاب تقريبًا 100% من المشاركين المصريين في الاستطلاع بنعم على سؤال هل يمثل الدين جزءًا مهمًّا في حياتك اليومية؛ وهي معطيات إن ألقيت عليها نظرة على أرض الواقع تجدها أقرب للصحة، حيث فكرة نفي وجود الخالق لا تجد لها أرضًا خصبة في المجتمع؛ وأيضًا ما زالت المظاهر الدينية تلاحظ في حياة المصريين اليومية.

لكن ليس معنى أن نسبة كبيرة من الناس تصل لـ100% متدينة أن فلسفة وسلوك هذا التدين بالتبعية صحيحة قياسًا بمضمون الدين وأهدافه، فالأديان لم تأت لتكون مجرد فرائض روحية تقودك للجنة أم النار؛ بالأخص الإسلام الذي أتى كمفهوم وفلسفة شمولية للوجود دنيا وآخرة؛ وهو ما لم يصل على الأغلب لأغلب المتدينين من المصريين؛ فمفهوم التدين في مصر اجتماعي بحت أي ما اتفق عليه أنه تدين فهو تدين، وما اتفق عليه أنه مخالف للتدين فهو مخالف.

من هو المتدين في مصر؟

كلفظ متجرد المتدين هو المؤمن بدين ما باختلاف درجة إيمانه وممارسته لتعاليم هذا الدين أو مخالفتها؛ أي بشكل عام المؤمن بوجود خالق ووجود دين ومنهج مسلم به يعتقد فيه أنه الحق المطلق المقدس، الذي يؤخذ منه ولا يرد وبشكل أو بآخر يتبع الأوامر ويتجنب النواهي ويرى الأمور قبل كل شيء إما حلالًا وإما حرامًا؛ يختلف الناس ويتباينون فيما بينهم بدرجة التزامهم بالانضباط الديني من السكير المقر بحرمة الخمر لأكبر عالم معتبر جميعهم يطلق عليهم لفظ متدينين.

في مصر وحتى في غيرها الأمر يختلف، فلفظ أن فلان متدين هو مدلول أنه أصبح ينتمي لفئة ما دونها هو خلاف التدين؛ و حتى تحصل على لقب متدين في مصر يكفيك أن تداوم على الصلاة في المسجد ولا تفعل الكبائر كالخمر و الزنا، حتى إذا كنت تشترك مع المجتمع في رزائله الجماعية كالكذب والغيبة والنميمة والنفاق، فهذا لن ينفي عنك لقب متدين أبدًا.

إلا أن الدين منهج حياة متكامل يرنو إلى صلاح حياة الناس والنجاة في آخرتهم؛ فالمتدين يفترض به أن يكون الشخص المشهود له بالصدق والأمانة قولًا وعملًا، والبار بأهله والعدل في حكمه والرحيم بكل مخلوقات الله الضعيفة، كالطفل والحيوان، حتى الاهتمام بالشأن العام لرفع الظلم وتحقيق العدالة هو تدين في حد ذاته، بل هو قمة التدين؛ المجتهد لفهم الحقيقة هو متدين والفنان متدين؛ إن كل قول أو عمل ينبع من روح الحق والخير والجمال والحرية والفضيلة ويواجه ما عكسهم من القيم هو تدين.

غلق المجتمع باب التوبة في وجه أبنائه

هناك سخرية من الشخص المداوم على ذنب معين أو فسدت أخلاقه وما زال يصلي أو مثلًا يزني ولكنه لا يسكر أو العكس؛ فتجد السخرية من ذلك السلوك بوصف صاحبه بالمتناقض؛ وهذا هو أكبر مداخل الشيطان للإنسان أنه يبعده عن الصلاة بحجة أن الإنسان أصبح بعيدًا وعليه الاتساق مع نفسه والالتزام بمعسكره من الفسق، وعليه أن يخجل من نفسه ولا يصلي حتى لا يدعي شيئًا ليس فيه؛ غير أن ترك الفرض معناه ترك الصلة القائمة مع الله التي هي طريق التوبة والرجوع؛ ودينيًّا ترك الصلاة عمدًا وإنكارها يخرج من الإسلام، فلا نصحح ذنبًا بترك فرض يخرجنا من الملة؛ فلا أرى أي أشكالية أن يكون الشخص داعرًا ويصلي الفروض في أوقاتها في الوقت نفسه، وهي قمة المجاهدة مادام لا يستحل ما يفعل.

كيف شوهت السينما المصرية فلسفة المصريين الدينية؟

أجمعت السينما المصرية في كثير من أعمالها، إن لم تكن الأغلب، أن المتدين هو شخص يظهر الالتزام ويبطن الفجور؛ لا يتوقف عن إعطاء خطب الوعظ لغيره، بينما هو في سريرته شخص شهواني يتمنى فعل كل ما يدعو لتجنبه، فذلك المفهوم الطفولي السطحي هو مفهوم النفاق والإفك الذي شكلته السينما المصرية داخل الوعي المصري؛ لكن  هل لنا أن نعيد تعريفه مره أخرى؟

إن نظرنا نجد أن لب التدين هو أنك تشتهي ولكنك تمتنع، وبدون الشهوة لا يصبح للعفاف معنى؛ فلا زهد للفقير ولا عفة للعاجز جنسيًّا؛ حتى نكون فضلاء يجب أن يكون لدينا القدرة على الرذيلة ولكننا نمتنع وهذا هو لب الفضيلة، وهذا ما يؤجر عليه الإنسان.

أيضًا يشار إلى أن الشخص الذي يأتي ذنوب الخلوات ويدعو للابتعاد عنها في العلن منافق، وهنا أيضًا مغالطة وتدليس متعمد؛ فليس معنى أني مدخن فبالتبعية يجب أن أؤمن بأن التدخين غير ضار، ولا يحق لي أن أنهى غيري عنه؛ فالإنسان يتعلق بالذنوب تقدر عليه و يقدر عليها؛ يقع فيها ويستغفر ويغفر الله له؛ حتى المحتجين بقول أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؛ فمن قال لك إن من أمر الناس بالبر لم يأمر نفسه، هناك فرق بين أن آمر نفسي وأن أقدر عليها.

أما النفاق يعني أن الشخص يظهر عكس ما يبطن، أي يبطن الكفر ويظهر الأيمان مثلا، أو ازدواجي تحلل لنفسك ما تحرمه على غيرك؛ لكن الذي يأتي الكبائر في السر مقرًّا بحرمتها ويدعو لتجنبها في العلن لا يقال له منافق أبدًا ولكن يؤجر على دعوته مثله كمثل الراهب.

السلفيون وصك الملتزم

ولننتقل أعلى نجد طبقة السلفيين، وهنا صلاتك المنتظمة حتى واجتنابك الكبائر لا يجعلك من الملتزمين إن كنت تسمع الموسيقى، أو لا تؤمن بفرضية النقاب؛ وبما أنك لست على نهج محمد بن عبد الوهاب ومعظم منظري السعودية الأصوليين كابن باز وابن عثيمين وصالح الفوزان؛ ويا حبذا إذا كنت تلبس الجلباب القصير على الصندل والبنطال وتناضل من أجل قضايا النقاب وتجادل في فقه الطهارة وعذاب القبر، هذا يلقيك مباشرة في حضن تلك الفئة؛ والالتزام هو اللفظ الذي يستخدمه السلفيون لتصنيف المسلمين لصنفين ملتزم وعامي؛ الذين هم على نهجهم ومن هم على غير نهج محدد أو نهج آخر، غير أن تلك الجماعات السلفية لا تعد حرية الناس ورفع المظالم عنهم، وتوفير الحياة الكريمة لهم قضية تشغلها، بل هي في معظمها فئه تؤمن بأن الحاكم ظل الله على الأرض لا يجوز مجادلته أو مطالبته بحق في العلن؛ وقول ياسر برهامي يبين لك تلك العقلية، حينما قال إنهم قبلوا انقلابًا عسكريًّا حتى يوافق سائق التاكسي على الوقوف للأخت المنتقبة، أي يخوض معركه ضحى فيها بالوطن والدين من أجل النقاب الذي منع فيما بعد.

برأيي إن فلسفة الدين تشكلت عند المصريين من خلال الأفلام والإعلام، وليس من خلال صحيح الدين نفسه الذي نجده في القرآن والسنة وكتب الشريعة وأصول الدين؛ أضف إلى ذلك مرض المجتمع المصري العضال، وهو عدم الموضوعية، فصاحب المائة فضيله رذيلة واحدة أمامها قادرة على أن تجعل المجتمع يرجمك؛ أيضًا بدائية الحاضنة الفكرية للمجتمع لا ترى إلا أبيض أو أسود، فإنك إماتكون فاسقًا وإما راهبًا، غير أن الفلسفة القائم عليها الذنب وما تلاه من عقاب أو مغفرة هو ما بني عليه فلسفة الغفران كما قال النبي محمد، والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم؛ أي إن الإنسان سيذنب ويظل يذنب ويظل جهاده لذنوبه يغلب فيها مرة ويهزم أخرى؛ فدعونا نفصل بين أن فلانًا زانٍ لكن هذا لا يمنعه من الصلاة، كفانا نظرًا إلى الأمور من خلال تابوهات دينية اتفق عليها المجتمع في حين أن لا علاقة لها بالنهج الديني نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد