كنتُ أودّ أن أكتب في الذكرى الرابعة للثورة، ونحن نخطو إلى عامنا الخامس عن الشهداء، عن الحلم الجميل وفيض المشاعر التي تعجب الجميع وتحمّس الجميع، كنت أود أن أكتب شيئًا أفضل مما سأكتبه، كنت أودّ أن أكتب عن الصعود والربيع الذي كان يروادنا، لولا أننا أضعناه، كنت أودّ، أو لأقول الصدق؛ كنت قد بدأت لتوّي بأن أكتب “الصباح على الشهداء”، قبل أن أمحوها وأبدأ من جديد، لم أرد أن أكتب مزيدًا من “المخدرات” باسم الشهداء!

وأبدأ من حيث لم ننتبه، أو لأقول من حيث لم أنتبه أنا، فلست أدّعي في ما سيأتي من كلامي الخلود وبدعة الحرف الذي لم يأتِ به أحد، ولكنّ أدّعي أن في بعضه ما نطقه البعض، ولكن لم يسمع أحد، وما سكت عنه بعض آخر في محاولة منه لعدم “حمل السلم بالعرض”، أو “لأنها ثورة وليس حركة منظمة”، أو “مو وقتو هالحكي”.

الثورة سُلبت حيث لم ينتبه أحد، ومنذ لم يشهد أحد، وليس من غريب، بل منّا نحن، منذ أن اختلفنا في العام الأول على 15 آذار و18 آذار – وما زلنا-. أذكر أحدهم ناقشني بعنف وقال لي: “لا تحاول تزوير التاريخ”، بينما كنّا نحاول أن نكتبه! سلبت منذ أن كانت حلب “خائنة” لمّا تأخرت، ثم نالها ما لم ينل أحد من براميل الموت وفقدت المدينة معالمها، سُلبت منذ أن كان فرق بين فرات الجزيرة وبردى دمشق، ومنذ أن أعطي سلاحٌ لحمص بينما حرمت دير الزور دون سبب.

الثورة سلبت لما تركنا علم الثورة ورفع كل رايته البيضاء الموشحة بالأخضر، أو السوداء المكتوب عليها بالأبيض، أو الحمراء أو البرتقالية أو الصفراء، لما تركنا الأصل وراح كل منّا يبحث عن مذهبه ونسبه وعرقه وأيديولجيته، لما تفرقت الأعواد وكُسرت كلها.

الثورة سلبت لما أرسلت مئات بل آلاف بل عشرات الآلاف من الكاميرات، ثم تحوّلت هذه الكاميرات من خدمة الثورة إلى صنعة بيع الصور، ولما أرسلت عشرات الآلاف من أجهزة الإنترنت الفضائي ثم تحوّلت إلى صنعة “كافيهات الإنترنت”، ولما أرسلت ملايين الأغذية وبيعت في “دكاكين الثورة”.

الثورة سلبت لما تحوّل الجندي الحرّ إلى مرتزقة، هذا اللفظ الذي قد يزعج البعض لكنه حقيقة، وليست هنالك حقيقة بالمطلق! لما تجرأ البعض على السرقة والنهب واسترزاق الحواجز وتشويل البيوت، أساء لنفسه وللجميع وللثورة!

الثورة سلبت لما انقسم الجيش الحر إلى فصيلين، ثم انقسم الفصيلان إلى اثنين، ثم أصبحنا كتائب متفرقة تحمل أسلحة بلا ذخيرة، ثم انقسم قائد الكتيبة على نفسه ما بين الصباح والمساء، ففي الصباح هو السياسي الشرس وفي المساء مقاتل (البعض تحوّل إلى أشياء أخرى في ساعات متأخرة من الليل على سكايب! لا داعٍ لذكرها).

الثورة سلبت لما تركنا الجبهات وتحوّل سلاحنا على العامة، وأصبحت حواجز الجيش الحرّ أشبه بحواجز جيش النظام، كيف يكون لـ”أبي عبده” حاجز، و”أبو محمد” لا يملك حاجزًا، أضحى التفاخر بالجنود والعتاد والذخائر على حساب الجبهات وتقدم النظام.

الثورة سلبت لمّا كانت مستودعات بعض الفصائل تعجّ بالأغذية والذخائر والأموال، وجارهم المدني/ العسكري جائع من كسرة خبز، أو خاسر معركة إلا من رصاصة انتصار وفك حصار، لما امتهنّا كنز السلاح للمعركة الأكبر بعد إسقاط النظام، فأسقطَنا النظام – إلا من رحمة الله ودعاء الأمهات ودم الشهداء!- قبل أن نتفرغ لقتال أنفسنا.

الثورة سُلبت لما تحولت “أسرارنا العسكرية” إلى رسائل “واتس أب” معنونة بسرّي للغاية، يقول نصّها: “أخي، الحر رح يطحش بكرة ع الشام .. وهالمرة قوية، بس هالكلام سري وما يطلع”، أو عندما أصبحت تفاصيل المعارك وغرف العمليات تُقرأ على صفحات فيسبوك وسكايب التنسيقية قبل المعركة بأيام.

أما سياسونا الأفاضل، أصحاب الجلالة والفخامة والجنسيات المتعددة، شهدت بعض المرات مناوشات وتحالفات وشتائم – أخجل من ذكرها-، كنت أقول في نفسي: ليس من عدالة الإله أبدًا أن يسقط النظام ليصبح بعضٌ منكم في السلطة!

الثورة سلبت لمّا اكتشفنا أن كل سوريّ هو قائد على نفسه، في بعض منه دكتاتور يسعى لحكم سوريين آخرين، وتعذيبهم، وسلبهم حقوقهم وتجريدهم من الوطنية، ثم الحكم عليهم بالإعدام باسم الدين والثورة والشعب الذي حكمه قبل أن يسقط نظامه.

الثورة سلبت لمّا ظننا أن الثورة صك غفران للجميع، فمن حاز شرف التظاهر أو “الشعب يريد إسقاط النظام”، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر!

الثورة سلبت لمّا ظننا أن الثورة تبرر أي شيء، وأن من ليس معنا فهو ضدنا، ومن بقي في مناطق النظام فهذا يستحق الاستهداف، وأن من لم يحمل السلاح فلا يحق له التكلم، وأن من لم يدخل إلى سوريا فليصمت.

الثورة سلبت لمّا اغتصبتها أصوات التطرف، واختفى “الشروال” واستبدل باللباس الباكستاني، في سوريا الآن؛ بإمكانك الحصول على أي سلعة كانت بأي ثمن كان، لكن تختفي شفرات الحلاقة، سبحان الله!
وقبل أن أنتهي..

الثورة لم تُسلب، نحن سلبناها من أنفسنا، ومن أنفس كل من آمن بها وعمل لها بإخلاص، قبل أن نلوم الثورة وأنه “كنا عايشين” و”شو جابتلنا الثورة”، فلنسأل أنفسنا نحن كيف أسأنا للثورة، وكيف سلبناها من نفس كل من آمن بها وعمل لها؟

الثورة لم تُسلب، ببركة الشهداء، وإخلاص المقاتل الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره، وحنكة السياسيّ الذي يسهر الليل يحاول أن يجد حلًّا أو يفضّ خلافًا، والعابد يدعو والإعلامي يصوّر، ونداء أمهاتنا بأن يحفظ الله هذا البلد، بثبات آبائنا وفتوّة شبابنا وبناتنا، بالروح التي ما زالت تسري في شعب لم ييأس يومًا الحياة.

ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد