نقلت الجماعة المسلمة الأمة الإسلامية من الحكم النبوي إلى الحكم المدني بسلاسة وهدوء، فهذه النقلة الحضارية التي لم يسبق للبشر أن خاضوها من قبل تمثلت في الفهم الصحيح لتعاليم «لا إلا إله إلا الله»، فموت النبي صلى الله عليه وسلم نزل كالصاعقة على المجتمع المسلم، فاضطرب مجتمع الصحابة اضطرابًا لم يسبق له مثيل، حتى ذهل بعضهم فعجزوا عن التفكير، وقعد بعضهم لا يستطيع القيام، وسكت بعضهم لا يقدر على الكلام، وأنكر بعضهم لا يستطيع التصديق، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسُّنْح (يعني بالعالية مسكن زوجته، ميل إلى المسجد النبوي)، فقام عمر يقول: «والله ما مات رسول الله»، يقول ذلك وهو يعتقد بعدم موته تمام الاعتقاد، حتى إنه يقول في رواية أخرى: «والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، أي لا أعتقد إلا أنه لم يمت فعلًا»، ثم قال عمر: «وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات»، وفي رواية يقول: «إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله تُوُفِّي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات».

ويروي الترمذي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يتحدث عن أصحابه فقال: «أَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ»، ويروي لنا البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ».

يقول الله عز وجل: {وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وعد الله الذين جاهدوا فيه حق جهاده هدايتهم سبيله، والقرب منهم وقت الشدة، وحمايتهم من الزلَل، و النجاة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

أمّا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حق الله عليه فأنزل الله عليه سكينة كانت بردًا وسلامًا على أهل المدينة.

بكى أبو بكر بكاءً مريرًا، فخليله، وونسه ورفيق دربه، وقرة عينه، فارق الحياة، وانتقل إلى دار الخلود بجوار ربه تاركًا حمْلًا ثقيلًا أبت الجبال أن تحمله، فأنشد معزيًا نفسه وهو منكبٌ على رسول الله مُقَبِلًا ويضع يديه على صدغي الرسول: «وانبياه، واخليلاه، واصفياه!». غادره من كان له كل شيء، لكنَّ سكينة الله عمَّت قلب وعقل أبا بكر، فاتزن جسده مع حرارة احتراق قلبه على نور عينه وصفيه قائلًا: «بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها». فأسرع مُقْبِلًا على صحب رسول الله الذين أصابتهم سكرات لسكرات رسول الله، فلقي عمر يقول ما يقول، ويقسم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، فقال: «أيها الحالف على رِسْلِك». وفي رواية قال له: «اجلس يا عمر»، لكنَّ عمر من هول المصيبة فقد القدرة على التفكير، فخطب أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال كلمات خُلّدت في قلوب بني الإنسان لأنها كانت تمثيلًا حقيقيًا لتعاليم «لا إله إلا الله» فأصبحت قاعدة راسخة رسوخ الجبال في قلوب بني الإنسان : «ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

وإذ بإلهام من الله يتلو آيات من الهدى والنور: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية، حتى تلاها أبو بكر -مع أنها نزلت منذ أكثر من سبع سنوات- فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها»، حتى أن عمر رضي الله عنه يقول: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعُقِرْت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات». حتى أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة تقول كما جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: «مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، وفي دولتي (أي: يومي) لم أظلم فيه أحدًا، فمن سفهي وحداثة سني -كانت في التاسعة عشرة من عمرها- أن رسول الله قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمتُ ألتدم (أضرب صدري) مع النساء، وأضرب وجهي».

إلا أن أوامر «لا إله إلا الله» غشيتهم بها رحمات الله وعفوه ولطفه فسكنت المدينة لتعاليمها واستسلمت القلوب لربها.

هذا حال المهاجرين مع وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمَّا حال إخوانهم الأنصار فكان كحال المهاجرين قلوبهم تتفطر دمًا على رحيل رسول الله، لكنهم أهل مدينة، تمرسوا على سياسة أمور دنياهم، فعلموا أن الدولة بلا رأس مصيبة لا يقل ضررها كمصيبة مفارقة النبي لدنياهم، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعده للبحث عن خليفة لرسول الله، وهم بذلك بلغوا من الدهاء السياسي منازلا، فهم قطعوا على الشيطان سبيله إلى ضعاف النفوس، وأخمدوا نارًا كانت ستشتعل من الحاقدين والمتضررين ممن حولهم من قبائل العرب بعد أن دانت الجزيرة العربية لدين الله، فبدون الرأس تنهار أركان الجيش، ولنا في توصية النبي لقواده من الصحابة رضوان الله عليهم في غزوة مؤته مثال على ذلك، فلا انتظار لخلو الجسد من الرأس، يحدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمرو بن الحكم، عن أبيه قال: جاء النعمان بن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله مع الناس فقال رسول الله: «زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلًا فليجعلوه عليهم».

نتج عن هذا الاجتماع تطبيق تعاليم «لا إله إلا الله». إنها سنة الشورى في أمر المسلمين، فهؤلا هم نواب الأمة الإسلاميه بما يتوافق مع مجتمعهم القبلي، فلو كان هناك ما يخالف نيابة كبير القوم عن قومه لما أقره القرآن بل لأنزل الله آيات بينات، تفكك هذا الكيان إن كان فيه ظلم للإنسان وتعد على حريته، فاختيار سيد القبيلة كان برضا من غالبية أهل القبيلة.

انعقد أول مجلس نواب حقيقي يمثل كيان الأمة في تاريخ الإنسان، انعقد بنواب استسلموا لتعاليم «لا إله إلا الله» وأذعنوا لقول الله عز وجل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، لكنهم مع إذعانهم لأمر الله لم يضيقوا على أنفسهم المساحة التي تركها الله لإنسان في النقاش والأخذ والرد، بل مارسوا إنسانيتهم بما تربّوا عليه من القرآن يقول الله عز وجل {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد