إذا نظرنا إلى تعريف الفساد طبقـًا لمنظمة الشفافية الدولية  فنجد أن الفساد: هو إساءة  استعمال السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصه؛ وهناك أنواع عديدة  للفساد، فهناك فساد سياسي واقتصادي واجتماعي ومالي وإداري وغيره متدرجًا من أعلى الهيكل الهرمي المؤسسي  والمجتمعي للدولة إلى اسفل الهرم.

 

وفي أساسيات بناء أية فكرة يجب أن تتحول الفكرة إلى شيء مادي لتصبح شيئًا واقعيًا ملموسًا؛ فمن هنا إذا نظرنا إلى الفساد في بلادنا نجد أنه لم يعد مجرد آفة أو أسلوب وحشي يحاول صُناعُه أن ينشروه في المجتمع، بل أصبح مُستشريًا في البنية المجتمعية على هيئة مؤسسات تنشر الفساد وتتغذى عليه وتحارب كل من يحاربه، عاملةً على حماية هذا الصرح لدرجة مكنت الفساد من تقنين نفسه ليصبح الفساد يتحرك من خلال أُطر قانونية تحميه والأشد رُعبًا هو أن الفساد أصبح في المجتمع أسلوب حياة  ومنهجية  في التعامل على جميع المستويات حتى على المستوى الديني، لننتقل من هنا بأن الفساد لم يعد فكره بل أصبح واقعًا مُتَشعِبًا إلى جذور تتوغل في أعماق وأساسيات تكوين بلادنا، فنجد بذلك أن الفساد في مضمونه النظري تحول لأسلوب عملي ولم يكن هذا ليَحدث نتيجة عن أن شخص ما أراد أن يصنع الفساد فصنعه، ولكن هو ناتج عن إيمان كل فرد بالفساد ومكنونته، ولم يقتصر الأمر على حد العمل به  فقط بل إن كل فرد يسعى بكل ما أؤتي من قوة نحوه وهذا الإيمان ليس حبًا فيه ولكن سعيًا خلف المصالح وتحقيق أكبر قدر من الربح الشخصي الذي يتحقق من هذا الفساد.

 

فما الأسباب الحقيقية الدافعة للفساد في مجتمعاتنا؟ تفتش عن إجابة بحثًا عن مدلول شاف فتصل إلى أن هناك شيئًا أشبه بالسحابة أو الغشاء يحول بينك وبين الحقيقة ولكن بإزالة هذا الغشاء تفهم أنه ربما لم يكن غشاء ولكن من كثرة الفساد أصبح يثور غباره عنه  فشَكل هذا الغشاء؛ فتجد أن أهم أسباب الفساد هو عدم توزيع الحقوق بشكل عادل يكفل للفرد حقوقه ويحافظ على كونه إنسانًا حيث إنه من يسقط في مجتمعنا يصبح ضحية على الفور ضحية للفقر والجهل والتشرد والمرض وأسير كل ما هو هلاك،  فبطبيعة الحال يتجه الفرد قبل المؤسسة إلى الفساد متعطشًا إليه مؤمنًا بأنه هو المنجي الوحيد من هذا الهلاك فأصبح الفساد عقيدة.

 

ليترتب على انتشار هذه العقيدة عدة عوامل هادمة للمجتمع تعمل على تآكل بناء مجتمعاتنا من انتشار البطالة ومحو للطبقة للمتوسطة والإبقاء على طبقتين فقط وهما الطبقة الفقيرة والطبقة المهيمنة والإخلال بالقيم وضعف الممارسة الديمقراطية بل ومحوها من الأصل وتحويل الدولة من مفهومها المؤسسي إلى كونها مجرد مجموعة من العصابات تسعى كل منها إلى مصلحتها؛ ربما أنا لست في حاجه  لسرد كل ما يترتب على الفساد فيكفي أن أخبرك أنت تنظر حولك في بلادنا فكل هذا الذي تراه هو المنتج النهائي للفساد.

 

وأخيرًا إن أردت أن تتشبع بالفساد فما عليك إلا أن تتجه صوب بلادنا؛ حيث إن الفساد أصبح غاية  يسعى لها الجميع متناسين أننا في صراع أممي تسعى كل أمه إلى إثبات نفسها والعمل على إدحاض باقي الأمم، فتناستنا باقي الأمم بعد أن خرجنا من السباق برمته واتجهنا إلى محو أنفسنا بأيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد