رأينا في الجزء الأول كيف استطاع عبد العزيز بن سعود استصدار غطاء ديني شرعي لتقويض أوّل معارضة داخلية واجهته، بعد ذلك جمع ابن سعود كل السلطات في يديه، السياسية منها والشرعية ولم يعد يجرؤ أحد على معارضته وأصبح لا يستشير العلماء في قراراته، كيف لا وهو الذي أعطى حق التنقيب للشركات البترولية الأمريكية (سميت أرامكو لاحقًا) مطلع الثلاثينيات، زيادة على ذلك وقع اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 تنص على بناء قاعدة عسكرية جوية في الظهران لصالح الولايات المتحدة الأمريكية (استغلتها الولايات المتحدة الأمريكية من 1945 إلى 1962).

(1) صعود الأمير سعود للحكم

الأمريكان يُصلحون في الأرض ولا يُفسدون، وقد عمروا أرضنا بعد أن كانت خرابًا. – الشيخ محمد بن إبراهيم.

توفي عبد العزيز بن سعود سنة 1953، وتولى الحكم بعده ابنه سعود وواصل على خطى أبيه، لا يولي كثير اهتمام للعلماء فقد قام بإعدام المعارضين الذين حاولوا تنفيذ انقلاب 1955 فيما يسمى بحركة الضباط الأحرار دون الرجوع إلى العلماء (لم تصدر أي فتوى بإعدامهم، بل عكس ذلك فقد تمّت تبرئتهم في المحكمة لنقصان الأدلة إلا أن الأمير فيصل – ولي العهد آنذاك – أمر بإعدام قائدهم عبد الرحمن الشمراني متعديًا على قرار المحكمة)، وأمر الملك أيضًا بإعدام ناصر السعيد قائد الاحتجاجات العمالية في شركة أرامكو، الذي هرب من البلد قبل إعدامه (اغتيل لاحقًا)، ويذكر هذا الأخير في كتابه «تاريخ آل سعود» أنه لما التقى مفتي المملكة آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – وعرض عليه مشكل العمال قال الشيخ: «إنه لا دخل له في السياسة وقضية العمال هي قضية سياسية لا يجوز لعلماء الدين الخوض فيها»، وأضاف ناصر السعيد مستفتيًا عن حكم سرقة خيرات المملكة من طرف الأمريكان فرد الشيخ: «الأمريكان يُصلحون في الأرض ولا يُفسدون، وقد عمروا أرضنا بعد أن كانت خرابًا».

واصل سعود تجاهله العلماء وأنشأ الاتحاد السعودي لكرة القدم سنة 1956 مع أنّ مفتي السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – له فتوى طويلة في حكم الألعاب يرى فيها أن كرة القدم بالطريقة التنظيمية التي هي عليها محرمة (كان يقول إن الأصل فيها الإباحة لكن تنظيمها يفضي إلى الكثير من المحرمات لذا حرّم تنظيمها)، إضافة إلى ذلك كان الملك سعود يريد أن يعمم التعليم فقام بإنشاء مدارس تعليم البنات، ولاقى هذا القرار معارضة كبيرة من طرف المجتمع ولكن الشيخ محمد بن إبراهيم الذي وضعه الملك على رئاسة هذه المدارس كان يدافع عن هذا القرار بشدة.

(2) الصراع على السلطة بين سعود وأخيه فيصل

خلال هذه المرحلة من حكم سعود كثرت المشاكل والانتفاضات وانقسمت العائلة المالكة إلى ثلاث جبهات متصارعة؛ جبهة الملك سعود ومعه بعض الأمراء وشيوخ القبائل، جبهة الأمير فيصل ومعه أيضًا بعض الأمراء والتجار المتنفذين لكن الأمير فيصل كان حذقًا واستمال العلماء إلى جهته ليضفي الشرعية الدينية على أعماله وهو ما سنراه لاحقًا، الجبهة الثالثة في الصراع كانت جبهة الأمراء الأحرار بقيادة طلال بن عبد العزيز الذي كان يمثل التيار المثقف من خريجي الجامعات الأجنبية داخل الأسرة المالكة، نادى هذا التنظيم بمبادئ هامة جدًا كإنشاء حكم دستوريّ برلماني للبلاد وفصل أسرة آل سعود عن الملك والمساواة بين الرجال والنساء، ظنّ الملك سعود أنّ الأمير فيصل خلف هؤلاء الأمراء فأراد أن يكسب ودّه بتوسيع صلاحياته فضمّ له وزارة الداخلية ووزارة المالية إضافة إلى تقلّده منصب رئيس مجلس الوزراء سنة 1958، ومع ذلك ظل الأمراء الأحرار يطالبون بالإصلاح فأدرك سعود أن أخاه فيصل ليس وراء التنظيم خاصة مع تصاعد الخلاف بينهما، قام بعد ذلك الملك سعود بعزل فيصل من مسؤولياته وعيّن الأمير طلال قائد التنظيم وزيرًا للمالية وكان هذا بالتحديد سنة 1960.

كان تنظيم الأمراء الأحرار واحدًا من بين تحركات كثيرة طالبت بالإصلاح وتقاطعت كلها في مبدأ وضع دستور للبلاد، من بين هذه التنظيمات جمعية العلم للنضال، القوميون العرب، اتحاد الجزيرة العربية، والكثير من التنظيمات الأخرى، هذه الموجة من الحركات كان لها أثر كبير في أوساط المجتمع مما سبب هزة للأسرة الحاكمة ليصدر مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم سنة 1960 رسالته المشهورة تحت عنوان: تحكيم القوانين الوضعية، التي تحامل فيها كثيرًا على من يرضى بالقوانين الوضعية، وكان مطلع الرسالة كالتالي: «إنّ من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين».

(3) عزل الملك سعود وتولي فيصل الحكم

في سيناريو مشابه لما فعله أبوه، قام الملك فيصل باستغلال الدين من جديد لإضفاء الشرعية الدينية على انقلابه خاصة أمام المجتمع الذي كان يحب الملك سعود.

اشتد المرض على الملك سعود مما استدعاه للذهاب إلى الخارج للعلاج، مع اشتداد المرض اشتد الخلاف مع فيصل أيضًا وخسر الملك سعود كثيرًا من المؤيدين داخل الأسرة الذين مالوا إلى جهة فيصل، استغل فيصل الموقف وأرسل إلى أخيه محمد يأمره باستدعاء العلماء والأمراء وكان على رأسهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد العزيز بن باز وعبد الله بن محيميد وعمر بن حسن بن حسين آل الشيخ وامتنع الشيخ العثيمين عن الحضور، اجتمعوا يوم 29 مارس 1964، وأصدروا فتوى تنصّ على بقاء سعود ملكًا على أن يقوم الأمير فيصل بتصريف جميع أمور المملكة الداخلية والخارجية بوجود الملك في البلاد أو غيابه عنها، وبعد صدور الفتوى أصدر أبناء الملك عبد العزيز وكبار أمراء آل سعود قرارًا موقعًا يؤيدون فيه فتوى العلماء وطالبوا فيه الأمير فيصل بكونه وليًا للعهد ورئيسًا للوزراء بالإسراع بتنفيذ الفتوى. وفي اليوم التالي اجتمع مجلس الوزراء برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الأمير خالد بن عبد العزيز واتخذوا قرارًا بنقل سلطاته الملكية إليه وذلك استنادًا إلى الفتوى وقرار الأمراء، رفض الملك سعود هذا الأمر واتسع الخلاف أكثر فأكثر مع الأمير فيصل، فاتفق أهل الحلّ والعقد من أبناء الأسرة المالكة أن الحل الوحيد لهذه المسائل هو خلع الملك سعود من الحكم وتنصيب فيصل ملكًا، وأرسلوا قرارهم إلى علماء الدين لأخذ وجهة نظرهم من الناحية الشرعية، فاجتمع العلماء لبحث هذا الأمر، وقرروا تشكيل وفد لمقابلة الملك سعود لإقناعه بالتنازل عن الحكم، وأبلغوه أنّ قرارهم قد اتُّخِذ وأنهم سيوقعون على خلعه من الحكم وأن من الأصلح له أنْ يتنازل، إلا أنه رفض ذلك.

وفي 1 نوفمبر 1964 اجتمع علماء الدين والقضاة، وأعلن مفتي المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ أنه تم خلع الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود من الحكم، وأنه سيتم مبايعة الأمير فيصل ملكًا، وفي يوم 2 نوفمبر 1964 بويع فيصل ملكًا.

نعم لقد قام العلماء بإضفاء الشرعية الدينية على انقلاب أبيض على الملك سعود لصالح الملك فيصل ضاربين عُرض الحائط كلَّ الفتاوى التي تغنوا بها في حرمة الخروج على الحاكم.

في سيناريو مشابه لما فعله أبوه، قام الملك فيصل باستغلال الدين من جديد لإضفاء الشرعية الدينية على انقلابه خاصة أمام المجتمع الذي كان يحب الملك سعود، لقد كان الملك فيصل يتبع سنن أبيه شبرًا بشبر وذراعًا بذراع إلا أن أباه دخل جحر بريطانيا ودخل فيصل جحر الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت في صدام مع أخيه سعود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد