“إن لم يستطع طفل التعلم بالطريقة التي نعلمه بها، فلربما يجب أن نعلمه بالطريقة التي يتعلم بها “إغناسيو إسترادا، يبدو أن عدم شيوع التجديد في عمليتي التربية والتعليم في بلادنا قد أكد في قرارة نفوس الكثيرين أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأننا قد وصلنا للشكل النهائي لهما،

 

 

 

 

رغم أن المتتبع لتاريخ التعليم النظامي يعرف عكس ذلك، ما زال أمامنا الكثير من المشكلات لتحل. والكثير من الابتكارات لتخرج للنور حتى لا تصبح التربية على هامش التأثير المجتمعي.

 

 

 

 

 

أقول لمن قد يستغرب أمر مطالبتي بالبدء في تدريس الكارتون كمنهج تعليمي لتدريس اللغة، قديما وضع الفرس الحكمة على ألسنة الحيوانات، وفي السنوات الثلاث الأولى الإبتدائية كنا ندرس نصوص الإنجليزية على شكل محادثات كاريكاتورية بين عدد من القطط “توم – كات – …”،

 

 

 

 

أعجبتني أيضا فكرة “طيور الجنة” التي تصنع محتوى تربوي إبداعي في قوالب فنية، أغنيات يحبها حتى الكبار. الفكرة راسخة منذ زمن إذا لكنها تحتاج لتحريك.
هل كنت تعلم أن أرمينيا تعلم الشطرنج كمادة أساسية في مدارسها منذ 2011؟ وهل تعلم بأن فنلندا قد ألغت نظام المواد الدراسية وقررت نظام دراسة الموضوعات حديثا؟

 

 

 

“فنلندا” احفظوا اسم هذه الدولة؛ سيقابلكم كثيرا خلال القراءة في مجال التعليم؛ هذا فقط البرهنة على أن مجالنا يحتمل التجديد والابتكار كغيره. كالتكنولوجيا والهندسة والطب وأكثر منهم لتعامله مع الإنسان، ولربما يستحق ذلك الإنسان أن ينفق عليه قليلا لمحاولة إسعاده ولراحته.
في مدارسنا يحفظ الأطفال الكثير من الأشياء التي لا يحتاجونها، ولا يتدربون على الأشياء المهمة أكثر! فالكتاب فقط لم يعد كافيا لتعليم الأطفال، وعلينا التحول بقوة للتعليم بنظم تفاعلية تبدأ بالاستماع والتحدث، قبل القراءة والكتابة!

 

 

 

 

 

 

 

تجربة عربية ناجحة

خلال بحثي في تعليم الأطفال العربية عن طريق الكارتون وجدت كنزا من التسعينات، له علاقة بذلك ويقوم على تعليم اللغة تفاعليا بالاستماع والمحادثة. تجربة “د. عبدالله الدنان” أستاذ المناهج وأستاذ العلوم اللغوية بكلية التربية في عدة جامعات عربية.

 

 

 

 

 

بدأ دراسته في بريطانيا على طرق تدريس اللغة الإنجليزية؛ وابتكر طريقته لتعليم العربية، وحصلت على تأييد الكثير من التربويين. قام بتنفيذها فأسس الدنان في الكويت 1988 “دار الحضانة العربية”، ثم في سوريا 1992 “روضة الأزهار العربية” لتعليم الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة، وكذلك عدد كبير من دور الحضانة والمدارس في دول عربية، كما أن حكومة سلطنة عُمان تبنت تجربته رسميا وبدأت تطبيقها في جميع مدارسها.

 

 

 

 

 

وتقوم التجربة على دراسات من الستينات لعلماء ولغويين نفسيين ك (تشومسكي)، و(إرفن)، و(لينبرغ) والذين قرروا أن تعلم اللغة يحصل بطريقتين:

 

 

 

 

 

 

1) من الولادة حتى السادسة “فترة البيت والحضانة”:

يتلقى الطفل الأصوات لتبدأ أرشفتها في منطقة خاصة باللغة في الدماغ، تبدأ باكتشاف دلالات الأصوات والروابط فيما بينها، وتمكن الطفل من كشف القواعد اللغوية بشكل ذاتي، وكذلك محاكاتها وإنتاجها “استماع-تحدث”

 

 

 

 

 

 

 

2) بعد السادسة “فترة المدرسة”:

تتراجع وتضمر تلك القدرة الدماغية ابتداءً من السادسة، وتتغير برمجة الدماغ من التعلم بالاكتساب الفطري والمحاكاة إلى التعلم بحفظ القواعد والأمثلة، وهو ما يتطلب جهدا كبيرا على عكس السابق.

 

 

 

 

أما عن الواقع التعليمي العربي فحدث ولا حرج، ففي مرحلة الاكتساب الفطري يكتسب اللهجة العامية بقواعدها، وعند السادسة يبدأ في اكتساب الفصحى كلغة التحصيل الدراسي التي من المفترض أن تستمر معه، وذلك بعد ضمور القدرة الدماغية لتحصيلها مما يؤثر عليه سلبا:

 

 

 

 

 

◀ يبذل جهدا ووقتا كبيرين لتعلم الفصحى والنحو دون الحاجة إليه، فيصل عدد حصص اللغة العربية التي يتلقاها طلابنا (في المرحلتين الإعدادية والثانوية) إلى 1250 حصة، مقابل 580 حصة لغة إنجليزية في بريطانيا في المرحلة ذاتها. هذا الفارق يقضيه الطالب العربي في تعلم قواعد العربية والنحو والإعراب، على حين تتاح للطفل الإنجليزي الفرصة لاستثمارها في تحليل النصوص، واستخلاص الأفكار، والتدرب على أساليب التعبير، ودراسة موضوعات أخرى غير اللغة. فمثلًا: إن الذي يهمني في (إذا) أنها تجزم أو لا تجزم، وليس غير ذلك؛ لكي يعرف الطفل كيف يتكلم ولا أحتاج للباقي على الأقل في البداية.

 

 

 

 

 

◀ يتعلم المعرفة ويدرس بلغة لا يتقنها، تخيل طفلا يتحدث الإنجليزية طوال حياته ثم يدخل المدرسة ليجد الدراسة فيها باللاتينية!

 

 

 

هذا ما يحدث للطالب الذي يتحدث لغته العامية ثم يجد أن التدريس يكون بالفصحى، مما يصعب ذلك عليه التحصيل المعرفي والعلمي طوال مساره الدراسي وحتى التخرج. فعلام ذلك إن كان من الممكن تفاديه من البداية!

 

 

 

 

 

◀ يؤدي لعزوفه عن الاستزادة بالقراءة، لعدم تمكنه من أداتها: أي اللغة، وهذا النفور واضح جدا في أطفال العرب. وكان محل دراسة للباحثة الأمريكية (جيل جينكنز) (Jill Jenkins) متصلة بالأمر، نالت عنها درجة الماجستير في 2001م.

 

 

 

 

وأثبتت فيها أن الأطفال الذين اكتسبوا الفصحى في روضة الأزهار العربية بدمشق ارتفع معدل علاماتهم باللغة العربية وسائر المقررات عن معدل أقرانهم ممن تخرجوا في روضات تقليدية، بمقدار يراوح بين 8 : 19 علامة من المئة، وأن تعلم المحادثة بالفصحى لدى الأطفال من سن 3 : 5 زودت الأطفال العرب بالمهارات التي يحتاجونها للنجاح في تعلم القراءة والكتابة. هذا النجاح الذي تمتد تأثيراته إلى مرحلة التعليم الجامعي والعمل.

 

 

 

 

هذه الطريقة تعمل في دور الحضانة بنجاح والتالي بعض النصائح لمن يود تطبيقها على أبنائه بالمنزل:

 
– يبدأ التطبيق مبكرا، يفضل أن يكون من لحظة الولادة، أو على الأقل قبل السادسة بفترة كافية.

 
– يجب اعتماد اللغة العربية الفصيحة المعربة لغة للتواصل الدائم بين الطفل ومن يحادثه.

 

 

 

– كي يتقن الطفل المحادثة باللغة العربية يكفي أن يتواصل معه بها شخص واحد فقط من أفراد العائلة أو المربين، مع ضرورة الثبات على ذلك، وكأنه لا يُحسن لغة سواها.

 

 

 

 

– على الشخص الذي يتولى التواصل مع الطفل بالفصحى أن يكون متقنًا للحديث بها، كي يكتسب الطفل لغة صحيحة سليمة.

 

 

 

– إذا لجأ الطفل إلى الحديث بالعامية مع من يكلمه بالفصحى، فعلى الشخص أن يتظاهر بعدم الفهم، ثم يقول له: “أنا لا أفهم، ماذا تريد؟ أتريد كذا”، ويعيد كلام الطفل ولكن بالفصحى.

 

 

 

– لابد من الالتزام الكامل بالفصحى مع الطفل في كل مكان وكل آن، والصبر على ذلك، حتى ينتج الطفل الفصحى، ويكتسبها لغة أولى له.

 

 

 

– يبدأ الطفل الذي دون السادسة من العمر في إنتاج الفصحى والتواصل بها، في غضون أشهر من ثلاثة إلى ستة من بدء التواصل معه.

كان هذا بخصوص اللغة الأولى ولكل مقام مقال.. أعجبتني التجربة لما وجدتها داعمة لفكرة تدريس المحتوى الكارتوني لتعليم اللغة، تجربة مرحة، مجدية ومجربة، ويمكن إدراجها في المناهج وطرق التدريس، رغم الجهد الذي سيبذل في تنفيذها لكنه يستحق إن سارت الأمور كما هو مطلوب.

 

 

 

 

ولقلة الصحافة التربوية فإن آخر تحديث حصلت عليه عن هذه التجربة من سنة 2010 لذا فإنني آسفا لا أعرف شيئا عن مصير هذه التجربة اليوم.
المهم أن لدينا أدوات لتعليم الصغار اللغة الفصحى قبل سن المدرسة،

 

 

 

 

 

المحادثة والكارتون مثلا: ستصبح الفكرة واقعية عند خضوع المحتوى الكارتوني للرقابة التربوية، وعلى الحكومات ودور التربية التفكير في تبنيها سريعا وبكفاءة وتوسع؛ لنعرف مدى تأثيرها والمجتمع العربي سيتقبلها بسرعة، هذا بخصوص التأقلم مع المجتمع، ولكون بقية أفراد الأسرة يتحدثون مع الطفل بالعامية،

 

 

 

 

سيتقن الطفل المحادثة بالفصحى وبالعامية معًا، فإن المجتمع العامي لا يهدم الفصحى، والمعلم إذا تكلم بالفصحى مع الأطفال، فإنهم يذهبون للمجتمع ويتكلّمون بالعامية مع أصدقائهم ووالديهم، وعندما يعودون فإنهم يتكلمون في المدرسة بالفصحى، ولا يؤثر ذلك عليهم، ولن نرى مخاوف الأمهات يشكون من تحدث الصغار بالفصحى، ولن نرى المخاوف من السخرية والاستنكار ووصم الصغار بأنهم غريبوا الأطوار كما قرأنا خلال الشكوى سالفة الذكر.

 

 

 

 

وعموما فالكلام بين النجاح والفشل كثير ودائما التجربة هي الفيصل الأصدق! فلا وقت لكثير حديث خاصة أن الطريقة مجربة، وحققت نجاحا! هل نعلم أين وصل العالم اليوم في آخر عشر سنوات تربوية؟

 

 

 

 

 

في السابق فتحنا الحديث عن كيف تدمر مدارسنا ما لدى الصغار ونحسم هذا الصغار لديهم الكثير بالفطرة، بداخلهم كنز لكن المدارس لا ترغب فيه.

 

 

 

 

هي تفكر فيما تريد وليس فيما يريد أبناؤكم لذا فلا عجب أن تخرج لنا الجامعات آلاف الشباب كل عام لا يدرون ماذا يريدون، أو من أين سيبدءون!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد