عندما يرد ذكر مفهوم العلمانية، الكثير منا – نحن المسلمين – يتوجسون خيفة وينتفضون وكأن حية لدغتهم، نفورًا من ذلك المفهوم الدخيل المريب، الذي استقر في وعيهم كمفهوم خبيث يحاول تهميش الدين بل هدمه بفصله عن الدولة. ولكنهم لو دققوا في حيواتهم، لأدركوا أنهم هم أنفسهم سمحوا لذلك المفهوم المتطفل بالتسرب إلى أخص شؤونهم والهيمنة على إدارتها كما سنرى. لأن العلمانية لا تعني فقط فصل الدين عن الدولة، وإنما أيضًا وقبل ذلك وأهم منه فصل الدين عن الحياة.

فأكثر المسلمين اليوم يجزئون شؤون حياتهم إلى ملفات مستقلة ومعزولة عن بعضها البعض، يتعاملون مع كل منها حسب مرجعيات ومعايير مختلفة، قد تكون تعاليم الإسلام الصحيحة آخرها، هذا إن لم تغب عنها تمامًا. فهناك مثلًا ملف للشؤون الدراسية، وآخر للشؤون المهنية والمالية، وثالث لشؤون الزواج والأسرة، ورابع لشؤون العلاقات الاجتماعية، وخامس لشؤون الترفيه، وسادس للشؤون الدينية، وهكذا.

لنتوقف قليلًا عند كل من تلك الملفات، حتى تتضح الصورة، وندرك كيف تهيمن القيم العلمانية، أي المستبعدة للدين، على حياتنا:

يفترض في المسلم أن يدرس بغية مرضاة الله تعالى، بهدف تعلم علم نافع يفيد به الإسلام والمسلمين والإنسانية، ويمكّنه من الإسهام في تحقيق رسالة الاستخلاف على الأرض. فكم من مسلم يدرس وهو يضع تلك الأهداف نصب عينيه! الأغلبية يدرسون من أجل الحصول على شهادات والسلام، توفر لهم عملًا ما، وتحسّن من وضعهم الاجتماعي. دون أن يفكروا كثيرًا بمسألة الحلال والحرام فيما يتصل بالمجال الذي يدرسونه، والمهن التي يمكن أن يقودهم إليها. بل إن أكثرهم يتمنون العمل في وظائف بنكية وتجارية، لارتفاع دخلها، مع أنها تقوم غالبًا على الربا! ودع عنك الطرق الملتوية التي يلجأ إليها كثير من الطلبة للنجاح، من غش وتزوير ونفاق للأساتذة، وربما رشوتهم، فتحصيل العلم هو آخر همّ معظمهم، وكل ما يسعون إليه هو الدرجات!

وإذا ما انتقلنا إلى ملف الشؤون المهنية والمالية، ازداد الأمر سوءًا وانحرافًا. فكم عدد المسلمين الذين يضعون تقوى الله والالتزام بتعاليم دينه نبراسًا لتوجيه خطواتهم في عملهم وكسبهم للمال! الأغلبية الساحقة تتصارع تصارع الوحوش، على حساب كل شيء، وأول شيء الدين وقيمه وتعاليمه. فنرى في نطاق العمل والكسب النفاق والفهلوة والإهمال والتكاسل والتنصل من المسؤولية والجشع والرشوة والاستغلال والابتزاز والاحتكار والربح الفاحش والحسد والأنانية وضرب الأسافين والغيبة، ناهيك عن التعامل بالربا والمضاربة والمقامرة… إلخ.

وإذا ما توقفنا عند ملف الزواج لعل فيه ما يفرح قليلًا، ازددنا همًا وغمًا، فالحال أشنع وأبشع. فكم عدد المسلمين الذين يسعون للظفر بذوات الدين حقًا! وكم عدد الذين إذا جاءهم من يرضون دينه وخلقه زوجوه! تجد البنت وأهلها يصدعون رأسك بالحديث عن أمنيتهم بزواجها ممن يخاف الله فيها، ويتناسون هم أن يخافوا الله! فهي تفضل على صاحب الدين والخلق إن جاء العريس الثري أو الوسيم أو «الشاب الروش»، حتى وإن كان من متعاطي البانجو والحشيش، وهو يفضل على ذات الدين ذات الجمال والمال، حتى وإن كانت أقرب للانحلال! أما الأهل فيتعاملون مع الموضوع كصفقة تجارية مكتملة الأركان، بحسابات الربح والخسارة! وبمجرد أن يغادر المأذون المتواطئ على تنفيذ الجريمة، الذي لا يهمه إلا تقاضي أجره نظير إبرام الصفقة (حتى وإن كان العريس من عبدة القرود) قاعة الاحتفال بالزواج إن تم، حتى يقفز الشياطين إلى حلبة الرقص، و«دقي يا مزيكا»، وخذ هزًا ولزًا وخلعًا ورقعًا وممارسة لسيل متدفق من أشكال المحرمات، بدعوى أنها ليلة العمر! وكأن ليلة العمر هذه ينبغي أن تدشن بالمعاصي وإغضاب الله تعالى! ثم يتساءل الحمقى بعد فترة وجيزة ما الذي فعلوه في دنياهم حتى لم يوفقهم الله وانتهى الزواج إلى الشقاق والطلاق، كما يحدث ربما في أكثر من نصف الزيجات هذه الأيام!

أما ملف العلاقات الاجتماعية، فحدث عنه ولا حرج. فهو يعتمد بشكل شبه تام على قيم النفاق والمجاملات الفارغة والاستعراض والإحراج والمكايدة والاستهلاك والغيرة والحسد والنميمة والتنمر على الضعيف واحتقار الفقير والخنوع للقوي والتحبب للغني والتزلف له… إلخ. حتى بات الأخ يكره الخير لأخيه، وربما يشمت بمصابه، هذا إن لم يكن هو المخطط والمنفذ وراء بلواه!

وإذا ما عرجنا على ملف الشؤون السياسية، أصابنا الاكتئاب مما فيه. فأغلب المسلمين، وهم بالملايين، يسكتون كالخراف العاجزة على، هذا إن لم يدعموا بحماس، أنظمة كافرة فاجرة فاسدة عميلة، هناك ألف دليل ودليل على محاربتها للإسلام، من أبرزها رفض تطبيق شريعة الله لأسباب واهية مزعومة، مع أنها تفرض القوانين الوضعية المنحرفة وتطبقها عنوة بين عشية وضحاها عندما تريد. وهذا الملف يعكس أقصى درجات القطيعة مع الدين، بل التضاد معه، لأنه لا يكتفي باستبعاد الدين، بل يتورط أيضًا باستغلاله لتبرير نفسه، عبر الادعاء بأن الإسلام يقول بالعلمانية وبالفصل بين المجالين الديني والسياسي! فيكثر استخدام الأمثال والذرائع والقيم التي فبركها أو عبث بمعانيها فقهاء السلاطين وكتبتهم الأشرار على مر العصور، التي تبرر انحرافات ذلك الملف، من مثل: «إمش الحيط الحيط وقل يا رب الستر، والعين لا تناطح المخرز، وحط راسك بين الروس وقل يا قطاع الروس»، والله هو الذي نصّب الحاكم ولا يجوز الاعتراض على إرادته، ولا بد من طاعة الحاكم  والصبر عليه… إلخ، متجاهلين أن ذلك الحاكم هو في حقيقة الأمر مجرم مرتد عميل محارب للإسلام والمسلمين!

وبعد كل تلك الجهود الجبارة، لا بد من تخصيص ملف للترفيه. وهنا نجد المسلمين يهدرون عبثًا ما لا حصر له من المال والوقت في الجري خلف سخافات ومنكرات جاهلية تضر ولا تنفع، من ألعاب الفيديو إلى الجلوس في المقاهي والتدخين والتحشيش والنميمة ومتابعة مباريات كرة العدم وملاحقة الأفلام والمسلسلات والموسيقى والأغنيات الماجنة، وربما التحرش بالرائحات والغاديات. وكل ذلك تحت مظلة مقولات يراد بها باطل من قبيل: ربك غفور رحيم، ساعة لقلبك وساعة لربك، والدين يسر، و«ما تحبكهاش وتكون حنبلي، وبكرة نتوب، وأدينا بنتسلى، وساعة الحظ ما تتعوضش، والدماغ اللي مفيهوش كيف حرام قطعه…» إلخ.

وبموازاة كل تلك الملفات، يتبقى ملف الشؤون الدينية منزويًا على استحياء. وهذا الملف يعامل معاملة الديكور المسرحي التجميلي، الذي يتم توظيفه لإضفاء شيء من الشرعية على الجرائم التي تشتمل عليها بقية الملفات. فلا بد مثلًا من صلاة الجمعة، كثيرًا مع لبس الثوب الأبيض والطاقية، حتى وإن تم إهمال غيرها من صلوات، بعد أن تحولت إلى ما يشبه العادة الاجتماعية المفرغة من المضمون! ولا بد من رشم صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي بالأدعية والمواعظ وصور الكعبة والأقصى! ولا بد من الاحتفال وتوزيع الحلوى في الموالد وفي عاشوراء! ولا بد من الاستماع بين الحين والآخر بصوت مرتفع إلى تلاوة عبد الباسط وابتهالات النقشبندي، وربما الأغنيات الدينية للمنشدين الجدد! ولا بد من تعليق الفوانيس والأهلة في رمضان، ما دام النصارى يعلقون الأضواء والصلبان في الكريسماس! ولا بد من أن نقول إن الزواج، أو بالأحرى الصفقة التجارية لبيع البنت للعريس الأغنى، قد تم على سنة الله ورسوله! ولا بد من تبادل عبارة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بين العشاق، لضمان الالتقاء مجددًا! ولا بد من تزيين جدران البيوت ببعض الآيات القرآنية المزخرفة! ولا بد من إقحام بعض العبارات الدينية التشجيعية في الحديث دون إيمان أو عمل جدي بمقتضاها من مثل: إن شاء الله، وربنا كريم، وربنا يستر، و«ربنا مش هيتخلى عنك»، وتوكل على الله، ونعم بالله! ولا بد من تسمية الهلاهيل الملونة والمزركشة والضيقة والشفافة بالحجاب، حتى وإن كانت أكثر إغواء من ثياب الراقصات! ولا بد من أن تستأذن البنت صاحبها خمس دقائق وهم في الكوفي شوب، وذلك للوضوء وأداء صلاة المغرب قبل أن تفوتها، ثم العودة لمتابعة جلسة العشق والغرام! فكل هذه المظاهر ضرورية لكي نثبت للعالم أننا نتبع الإسلام، وهذا هو ملخص الإسلام، دون أن نتساءل أين الإسلام حقًا في كل تلك المظاهر الهزلية! وهل وكيف ينعكس ويؤثر فعلًا في شؤون حياتنا، كما هو مفروض!

بتحليل ما تقدم، نكتشف أن الأغلبية الساحقة من المسلمين يعيشون حياة علمانية بامتياز، مهما ادعوا بغض العلمانية، ما داموا يفصلون الدين عن توجيه أمور حياتهم. فالإسلام بالنسبة لهم في واقع الحال هو مجرد إطار سطحي هش ومبتذل ومفتعل، يحاولون به خداع أنفسهم وخداع الناس، ولكنهم لن ينجحوا حتمًا في خداع الله تعالى. فالإسلام ليس مجرد مظاهر شكلية باهتة، وليس مجرد تعاليم اختيارية نتلاعب بها أو نقصيها إن شئنا ومتى شئنا عن التدخل الجدي في تسيير حياتنا. ومن تعامل معه على هذا الأساس وبهذا الفهم والشكل، كان علمانيًا، ومن كان علمانيًا، فقدَ حقه في أن يدعي الانتماء الحقيقي للإسلام!

لذلك؛ من أراد أن يكون جديرًا حقًا بشرف الانتماء للإسلام، قولًا وفعلًا، عليه أن يدمج كل تلك الملفات في ملف واحد، وأن يجعل المرجعية الأولى والأخيرة والوحيدة لإدارته المرجعية الدينية، المعبرة حقًا عن صحيح الإسلام. وذلك تفعيلًا للآية الكريمة القائلة: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علمانية
عرض التعليقات
تحميل المزيد