إدارة شؤوننا الشخصية، استقلاليتنا، اختياراتنا وقرارتنا، كلّها خطوات يبدو أننا لن نقدم على تحقيقها ونحن تحت سقف المنزل، واعتبار نفسك حرًّا لا يكاد يتجاوز إدارة الشؤون الصّغيرة مثل اختيار فطور الصباح أو البرنامج التلفزي الذي ستشاهده. وفي أقصى الحدود ستختار قَصَّة شعرك لكن دون أن تنجو من تعليقات والديك السخيفة أو على الأقل هكذا ستعتبرها.

حين تبادر بالخروج إلى الكلية صباحًا أو إلى عملك ستمّر لزامًا بـ«سكانر» عيون أمك، ستراقب لباسك وملامحك، ستدقّق بهيئتك الجسديّة والنفسية وستعلّق على أبسط التفاصيل مثل «جينز» أضيق من العادة أو شعر مبلل وقميص مفتوح… قليل من التغيير في مجتمع الرتابة سيضعك أمام موجة من الوعيد والنقد إما لِعدم الرضا أو خوفًا من كلام الناس وهو أمر يصل أحيانًا إلى الاستفزاز. أمور يواجهها جيل اليوم وصراع يوميّ متبادل بين تصرفات الأبناء وتوقعات الآباء، ولا شك أن الأمر يتجاوز في اعتقادي مسألة التربية والتنشئة منذ الصّغر بل إن الداء يكمن في فكرة الاعتقاد بأن الأبناء هم أملاك خاصة تبيح للوالدين جميع تصرفاتهم دون اعتبار أحيانًا لرغبات الأبناء واحتياجاتهم ونظرتهم للأمور.

ونعود دائمًا للمثال الغربي الذي نجح بالتأكيد في تطوير طرق تعامل الأولياء مع أطفالهم عبر ترسيخ بعض المبادئ والقيم ولعل سيّدها «المسؤولية». هذا المفهوم باعتباره مفتاحًا للتعامل مع كل متطلبات الحياة انطلاقًا من شعور الفرد بأنه مسؤول تجاه ذاته وتجاه الآخر وصولًا إلى درايته بمواجهة الحياة الاجتماعية والمهنية والعاطفية. فأن تكون مسؤولًا يعني بكلّ بساطة أن تكون «إنسانًا واعيًا بكل تصرفاتك وأن تكون على علم بتبعات كل ما تفعل وفي هذه الحالة تتحمل نتائج أفعالك الصائبة والمخطئة على حدّ السّواء ويقتصر هنا دور الأولياء على التوجيه عند الحاجة بآرائهم واقتراحاتهم على أن يعود القرار في النهاية إلى الأبناء.

وعن تجربتي الشّخصية، أعتبر أن الدّائرة التربوية التي نشأت بها كانت شديدة الضّيق. كانت القيود تشدّ الخناق عليّ من كل النواحي. فأن تنشأ داخل عائلة لا مكان فيها للنقاش، ويكون فيها سوط الأوامر سيّد المواقف فذلك الجحيم بعينه. خاصة حين تضع نفسك في مقارنة بما تسمع عنه وتلاحظه عن طرق عيش أصدقائك الأجانب أو ما تشاهده بالأفلام الأوروبية والأمريكية من ليونة في التعامل وبعض من التفهم واحترام الرّأي الآخر، وثقافة الاستماع خاصة والتي حاولنا وما زلنا نحاول ترسيخها ضمن ثقافتنا.

معضلة شبابنا اليوم أنهم ينشَؤون في عائلات تؤمن بل وتقدس طرق التربية القديمة لا سيما التّلقين والرّضوخ الأعمى وعدم الاعتراف بكون الشاب أو الشابة كائنًا مستقلًا حتى ولو كان يعيش «تحت جناح والديه» والأقبح أنهم يتوارثون تلك المعاملات ويربون أطفالهم عليها.

هكذا تولد الأجيال «المُنصاعة»، أجيال لا تحترم الذّات وتتبطّن داخل العادات العمياء والسلوكيات الجامدة فتنتفي فيها حكمة العقل ومرونة التعامل وثقافة التعلّم من الأخطاء الشّخصية دون خوف من مجابهة الحياة في سنّ مبكرة. فيصبح من الطبيعي إذن التلاعب بالعقول ويسهل التحكم فيهم.

ولعلّ انتظار تغيُّر آبائنا من حالة التعصّب للرأي إلى مرحلة التقبل بكوننا أسيادَ مصيرنا سيجعل منّا «حطبًا أخرس يشعل لهبًا»، أمر سيطول على ما يبدو لأن المسألة باتت ثقافة متوارثة وبكلّ فخر وبهذا الكلام لا أعني شنّ ثورة على البيت ومن فيه، بل على العكس التحلّي بقدر أكبر من الذكاء لكي نثبت أن هؤلاء الكائنات التي لا تعاملونها على أساس أنها كائنات قادرة على تحمل المسؤولية هي الأكثر قدرة على التعايش – على طريقتها وهواها – وهذا أمر يمكن للأغلبية تطبيقه على طريقتهم دون أن ننسى طبعًا أن الهدف هو النجاح والنجاح بمسؤولية لضمان استمرار هذا النجاح، ففي النهاية آراؤنا تتغير حين نرى نتائج عكس توقعاتنا.

دون أن ننسى أننا مرتبطون بهم قدريًا وأن هذا الارتباط يمنحهم حق التدخل في شؤوننا على اعتبار أن صلتنا بهم وثيقة ودائمة، وأنهم يتصرفون معنا بدافع العاطفة والخوف في جانب ما. فقط لا يجب أن يكون هذا الارتباط شبيهًا بعلاقة الحاكم بعبيده. ولمَ لا تكون علاقاتنا معهم مثيلة بعلاقات الأصدقاء، شعارها: كما تَحتَرِم تُحْتَرَم، ومن جميع النواحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد