(إنهم يهددون الأمن القومي) تلك العبارة التي يستعملها السيسي وإعلامه ضد معارضي الانقلاب في الداخل والخارج! بينما يرى معارضو الانقلاب العكس، حيث يعتبرون أن الانقلاب الذي صنعته المؤسسة العسكرية بقيادته وما لحقه من سياسيات حتى الآن هو الذي يقوض الأمن القومي! دعنا نبدأ من البداية لنتعرف على مفهوم الأمن القومي، ولنقس استراتيجية السيسي عليه.

ما هو تعريف الأمن القومي:

هناك تعريفات عديده لمعنى الأمن القومي منها تعريف دائرة المعارف البريطانية (حماية الأمن من خطر القهر على يد قوة أجنبية). وتعريف دائرة معارف العلوم الاجتماعية (الأمن الوطني يعني قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية)، وتعريف هنري كيسنجر (الأمن هو التصرفات التي يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء)، وتعريف روبرت ماكنمارا (الأمن هو التنمية، وأن الدول التي لا تنمو لا يمكن أن تظل آمنة).

فالأمن القومي يعني قدرة الدولة ليس فقط على حماية الوطن من التهديدات التي تواجهه، وإنما يتصل كذلك بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتحسين كل من نوعية الحياة وجودتها ومستواها. مؤدى ذلك أن الأمن القومي مفهوم متكامل، ولكنه واضح ويتشكل من أبعاد ثلاثة (A. Al – Mashat: 1985):

– البعد الأول: مفهوم التوازن Tranquility، وهو مسألة داخلية تتعلق بالإجماع القومي (التوافق Consensus)، والتعاون الإقليمي Cooperation. مؤدى ذلك قيام النظام السياسي على فكرة الدمج والاحتواء والتضمين Inclusion، وليس الاستبعاد أو الإقصاء Exclusion.

– البعد الثاني: الرفاهة Well Being

ويعني قدرة الدولة ليس فقط على رفع مستوى المعيشة وزيادة جودة الحياة والحفاظ عليها، وإنما أيضًا القدرة التوزيعية للدولة، بما يحد من الحرمان الاقتصادي الذي يدفع إلى عدم الرضا والإحباط، ومن ثم اللجوء إلى العنف.

– البعد الثالث: القدرات العسكرية للدولة، والتي تنفذ السياسات الدفاعية.

وأتصور أن التعريف الأخير A.AI-Mashat: 1985)) هو الأشمل والأقرب لواقع الحالة المصرية.
وعليه فإننا نسجل الوقائع التي شارك فيها السيسي منذ كان عضوًا بالمجلس العسكري، وقائدًا للمخابرات العسكرية إبان ثورة 25 يناير، ثم أصبح وزيرًا للدفاع فقائدًا للانقلاب، حتى أصبح رئيسًا للجمهورية وحتى الآن، والتي أرى فيها أن سلوكه وقراراته هم الخطر الأكبر على الأمن القومي المصري! وسنحاول في هذا الإطار تقسيم تلك القرارات والأفعال على الأبعاد الثلاثة (لتعريف المشاط)، واضعين في الاعتبار أن هناك أفعالًا للسيسي تقوض الأمن القومي في أكثر من بعد من أبعاد التعريف.

البعد الأول: التوازن والتوافق والاحتواء وعدم الإقصاء

1- تورط السيسي بموقعة الجمل:

طبقًا للقاء د. محمد البلتاجي مع منى الشاذلي في برنامج متلفز في عهد المجلس العسكري (كان السيسي وقتها مديرًا للمخابرات العسكرية) فقد ذكر البلتاجي (ولم يكذب أحد الرواية وقتها) أن السيسي حضر إلى ميدان التحرير ظهر ذلك اليوم، وطلب لقاءه ثم طلب منه ومن القيادات المؤثرة صرف الجماهير الموجودة في الميدان بدعوى حقن الدماء، لأن السيسي عنده معلومات بحدوث هجوم مسلح وشيك على الميدان!

وحين اختبره البلتاجي بقوله: إن الناس الموجودين في الميدان يمكن أن يتعرضوا للأذى في الطريق أثناء العودة، كان رده أن القوات المسلحة مستعدة لسفرهم بأتوبيساتها وتحت حراستها إلى محافظاتهم، فرد عليه البلتاجي: ما دامت القوات المسلحة قادرة إلى هذا الحد، فلماذا لا تحمي الميدان من باب أولى؟ وانتهى اللقاء برفض البلتاجي، وانصراف السيسي ثم ما لبثت أن جاءت قوات البلطجية فوق خيولها وجمالها ووقف كل الأبطال الثوار في التحرير ليدافعوا عن أكثر الأيام حسمًا في مصير الثورة، وقام شباب الإخوان بدور متميز (بشهادة خصومهم ساويرس وممدوح حمزة).

وهذه الرواية تتناقض مع ما أعلنته قيادة القوات المسلحة – حينها- من الانضمام لصفوف الجماهير والثوار، وتحيتهم. فكيف ينضم الجيش للشعب والثوار وفي ذات الوقت يأتي السيسي (قائد المخابرات العسكرية) بالشراكة مع زملائه في المجلس العسكري لمساعدة البلطجية ليقتلوا الثوار حين لا يستجيبون لطلبهم بإخلاء الميدان.

ولعلنا نذكر الصور وقتها حين أفسحت المدرعات الطريق للمليشيا المسلحة بجمالها وخيولها!!! (وهذا يتعارض مع فكرة الأمن القومي من أساسها، بل إنها أقرب للغدر والمؤامرة على الثورة).

2- تآمر السيسي على النظام

صرح السيسي للإعلام أنه تحدث مع مسئول أمريكي مهم (لم يسمه)عن أن الأمور في مصر وصلت لطريق مسدود فيما يخص نظام الرئيس مرسي منذ شهر أبريل 2013، بينما كان مخادعًا للرئيس ولم يظهر غضبه واعتراضاته أمام الرئيس إلا في 23 يونيو 2013.

كما تبين أنه وراءالتأثير على أذرع إعلامية (تسريبات السيسي) تهاجم الرئيس على مدار الساعة!

فضلًا عن دعم وإدارة حركة تمرد كما اتضح في تسريب أذاعته قناة مكملين في 1-3-2015 وكذا التنسيق مع بعض الأجهزة السيادية ومنها الشرطة لتعطيل العمل وعدم الاستجابة لتعليمات الرئيس، بل والتعاون مع الثورة المضادة (طبقًا لتصريحات محمد إبراهيم بعد الانقلاب).

بينما كان يلزم للمحافظة على الأمن القومي المصري استقرار الديمقراطية الوليدة، ودعم الجيش لهذا الاستقرار بدلًا من المشاركة في خلق الأزمات ونشر الفوضى!

2- الانقلاب على الرئيس المنتخب ونظامه

كان الهدف المعلن لقوى 30 يونيو انتخابات رئاسية مبكرة في غضون فترة معينة! بينما أعلن السيسي انقلابا كاملًا على السلطة الشرعية بعزل الرئيس المنتخب وإلغاء الدستور المستفتى عليه، وتعيين عدلي منصور الذي ألغى بدوره مجلس الشورى المنتخب. وهذا كان الإعتداء الفادح على الأمن القومي المصري وفتح أبواب الجحيم!!

حيث انحاز الجيش بقيادته إلى فريق من الشعب على حساب فريق آخر بينما المفترض أن يكون دور الجيش مؤسسة محايدة تمثل مصالح الشعب كله وتخدمه بعيدًا عن الانحياز والصراع السياسي متفرغة لحراسة الحدود!

أصبح الجيش جزءًا من الصراع، ومنحازًا ضد فريق كانت له الشعبيه الأكبر (حتى لو تآكلت مؤقتًا لأسباب حقيقية أو مصنوعة) حيث حقق النسبة الأعلى في خمسة استحقاقات انتخابية بعد ثورة يناير التي ركزت في شعارها الأول على الحرية والكرامة الإنسانية لكل المصريين، فحطم السيسي الإنجازات الأولى للثورة حين داس على الخيار الديمقراطي للشعب المصري في إلغاء رأي المصريين في:

1- الاستفتاء على الدستور.
2- انتخابات مجلس الشورى.
3- اختيار الرئيس (أول رئيس مصري منتخب في التاريخ).

(بما يتناقض مع البعد الأول في مفهوم الأمن القومي من التوازن والتوافق والاندماج وعدم الاستبعاد!) مما أدى لشيوع حالة من الإحباط وفقدان الثقة والغليان الشعبي وعدم الاستقرار والكفر بالديمقراطية وشرعنة التغيير العنيف لدى بعض قطاعات الشباب، التي يمكن أن تنضم للحركات التي تتبنى العنف والصراع المسلح، الذي ينهك بالضرورة قوى الدولة ويهدر مقدراتها.

ولنتذكر في بدايات ثورات الربيع العربي حين كان الرأي السائد لدى كثير من النخبة العربية: أنه لا مستقبل لحركات العنف السياسي في المنطقة، وستجف روافدها لأن الشباب وجد طريقة سلمية للتغيير. ولكن الانقلاب بدد حلم التغيير السلمي لصالح الإرهاب المحتمل الذي أصبح واقعًا! وليكون مبررًا للقمع، وغياب الحريات، وتعطيل الديمقراطية، والتدهور الاقتصادي، وغياب الخدمات والتنمية، وزيادة معدلات الفقر والبطالة والجريمة (كل أمراض المجتمعات المتخلفة)، وهكذا يعود الانقلاب بمصر إلى ما قبل نقطة الصفر.

4- توريط رجال الدين والقضاء في الصراع

حضور شيخ الأزهر وبابا الكنيسة وممثل للمجلس الأعلى للقضاء لحظة إعلان الانقلاب كان لعبًا بنظرية التوافق، لأن هذه المؤسسات يجب أن تكون مستقلة ومحايدة وبعيدة عن الانحيازات والصراعات السياسية، ولكن السيسي أشركهم ليسوق شرعية زائفة على انقلابه، وهكذا خرجت الفتاوى تؤيد الانقلاب، بل ويصدر المفتي السابق(علي جمعة) فتاوى تحرض على قتل المعارضين (اضرب في المليان)، ويقوم البابا بدعم السيسي من خلال وسائل كثيرة، منها الحشد للاستفتاء بنعم (نعم تأتي بالنعم)، وما يعنيه ذلك الخلط الديني في الحالتين (إسلامي ومسيحي) هو الاحتقان الطائفي والفاشية الدينية ضد المختلفين مع الانقلاب.

بينما قام القضاء بأداء أدوار انتقامية وانتقائية صارخة ضد رافضي الانقلاب؛ مما قوض الثقة في مؤسسة القضاء حين تخلت عن العدالة لصالح الانحياز السياسي للانقلاب! حيث تواطأت النيابة مع الشرطة مع القضاة لإنتاج مثلث الظلم، فتوالت الانتهاكات والأحكام غير المسبوقة على المتظاهرين السلميين، وصدرت أحكام إعدام بالجملة وصودرت الأموال.

5- التفويض بالقتل:

طلب السيسي من الشعب أن يخرج في الشوارع ليعطيه تفويضًا للتصدي لما سماه الإرهاب والعنف المحتمل (بينما لم يكن هناك عنف يذكر آنذاك مقارنة بالواقع الحالي). اتضح أنه كان تحضيرًا لمذابح سيقوم بها حيث قامت قوات الشرطة بمذبحة المنصة في فجر اليوم التالي للتفويض! وقد سبقتها مذبحة الحرس الجمهوري بأيام قليلة، بينما تلتهما مذبحة رابعة والنهضة في 14-8-2013، ثم بعدها بيومين مذبحة رمسيس (مسجد الفتح). وما زالت عمليات القتل تتوالى بوتيرة متفاوتة حتى اليوم.

حين يتحدث العالم عن مجزرة رابعة باعتبارها أكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث (كانت قوات الجيش حاضرة بقوة في المذابح الكبرى)، وهذه المذابح قوضت بشدة فكرة الأمن القومي من جميع نواحيها، حين قتلت قوات السيسي آلافًا من معارضيه بلا رحمة بنظرية الصدمة والترويع، وكأنهم ليسوا من البشر فكأنه يقسم الشعب عمليًّا وبكامل وعيه إلى شعبين: (شعب معه وشعب ضده) وهو بذلك يقتل فكرة الأمن القومي في التوازن والتوافق، فضلًا عن زرع الخصومة بين الجيش (القاتل) وجزء كبير من الشعب.

6- التدخل السافر في الاعتقالات والمحاكمات وتسييس القضاء:

كما ظهر في التسريبات فإن السيسي كان يتصرف منذ الانقلاب كحاكم عسكري لمصر، ويتدخل مكتبه في عمل النائب العام والقضاء، فضلًا عن الشرطة، بالإضافة للقوانين القمعية التي أصدرها عدلي منصور (ومنها مد أجل الحبس الاحتياطي إلى ما لا نهاية)؛ مما خلق حالة قمع غير مسبوقة، من قبض عشوائي وتلفيق للتهم وتعذيب ممنهج إلى أحكام عشوائية بدون ثمة دليل! إلى قضاء استثنائي مخالف لكل الدساتير المصرية، بما فيها دستور السيسي الذي ينص (يحاكم المواطن أمام قاضيه الطبيعي) بمعنى أمام المحكمة الكائنة في المنطقة التي حدثت فيها الواقعة، وحسب الدور في الجدول دون تدخل من أحد.

بينما لجأ الانقلاب إلى استحداث عدد من الدوائر سماها دوائر الإرهاب، واختار لها القضاة المعادين لجماعة الإخوان ولثورة يناير! الذين أصدروا أحكامًا غير مسبوقة في شراستها دون أدلة؛ مما جعل ميزان العدالة شديد الخلل، فرأينا قضاة يصدرون أحكامًا بالإعدام للمئات دون سماع الدفاع، وبعضهم يصدر أحكامًا قاسية على شباب وأطفال بتهمة التظاهر.

ولم يقتصر على الإخوان ومناصريهم، بل امتد ليشمل قيادات 6 أبريل، وكثير من نشطاء يناير مثل أحمد ماهر وعلاء عبد الفتاح اللذين عارضاه بعد الانقلاب، بينما تتم تبرئة مبارك ومن أفسد وخرب مصر (وهذا يتنافى مع مفهوم الأمن القومي عن التوازن والتوافق، فضلًا عن فقدان الثقة في مؤسسة القضاء، وربما يدفع البعض لأخذ حقه بيده؛ مما يثير حالة العنف المجتمعي والنزاعات الأهلية المسلحة).

7- القتل والقمع على يدي الشرطة والجيش دون محاسبة:

واضح من متابعة الانتهاكات وأيضًا التسريبات أن السيسي وعد ضباط الجيش والشرطة بالحماية من أي ملاحقة قانونية بسبب القتل، أو أي انتهاكات! وهذا واضح من عدم تقديم الجناة منهم (في المذابح) منذ الانقلاب إلى الآن، ومن الملفت أن الذين يحاكمون على قتل المتظاهرين هم زملاؤهم في المظاهرة، وكأنهم كانوا يقتلون أنفسهم! الحالة الوحيدة التي تم محاكمة ضباط شرطه فيها هي قضية سيارة الترحيلات التي قتل فيها 37 محبوسًا، تم وقف كل الأحكام فيها حيث اعتبرها النائب العام مجرد جنحة!

هذا فضلًا عن انتهاك أعراض النساء داخل السجون لمنعهم من التظاهر! بالإضافة لتعذيب ممنهج تقوم به الشرطة وصل إلى حد القتل في الأقسام. (وبالقياس على تعريف الأمن القومي فإنه يتنافى تمامًا مع البند الأول فيه، حيث يكون الأمر أقسى من الإقصاء، ويصل لحد القتل وانتهاك الكرامة الإنسانية لأجهزة دورها في الوطن حماية المواطن بصرف النظر عن موقفه السياسي).

8- إعلان جماعة الإخوان جماعة إرهابية:

كان إعلانا سياسيًّا لا قيمة له (بشهادة حازم الببلاوي)، ثم تلاه حكم من محكمة الأمور المستعجلة (انتقده بعض فقهاء القانون باعتبارها محكمة غير مختصة) وكان السيسي يهدف من ذلك تبرير أسلوبه الشرس في القمع وغياب حقوق الإنسان، ولتصوير معارضيه بصورة تشجع المجتمع على الاقتصاص منهم، وليقول للعالم الغربي أنه يحارب مع معركة الغرب ضد التطرف والإرهاب، بل ويطلب من الدول العربية والغربية أن تعلن الإخوان جماعة إرهابية، كما فعل مع بريطانيا من خلال حلفائه الإماراتيين والسعوديين (وبحسب تعريف الإرهاب هو إقصاء داخلي وخارجي أيضًا لملايين المصريين، حيث يمكن توقيفهم وسجنهم خارج أوطانهم أيضًا، بالإضافة لزعزعة السلم المجتمعي وإثارة النزاع الأهلي).

9- إصدار قرارات بقوانين قمعية:

ومنها قانون التظاهر وقانون الحبس الاحتياطي (عدلي منصور تنفيذًا لتعليماته) للانتقام من خصومه السياسيين، وقانون يجيز تقديم كل معارضيه لمحاكم عسكرية، واعتبار كل المنشآت المدنية للدولة منشآت عسكرية، وأخيرًا قانون الكيانات الإرهابية الذي أصدره السيسي نهاية فبراير2015، وقد وافق مجلس الوزراء أخيرًا على قانون الشهود الذي يهدر حقوق المتهمين في إثبات براءتهم، ويغل حق محكمة النقض في نقض أحكام ظالمة، وقد رأى حقوقيون مستقلون أن تلك القوانين تهدم أساس العدالة، وتمنع الاعتراف الدولي بأحكام القضاء في مصر.

10- استفزاز خصومه للانجرار نحو العنف:

من خلال التجاوزات غير المسبوقة في المجتمع المصري بالقبض على النساء والبنات في التظاهرات، وانتهاكهن أثناء عملية القبض، واغتصاب البعض منهن داخل مقرات الاحتجاز، بالإضافة للتعذيب الممنهج للمعتقلين كما حدث مع المحامي كريم حمدي، الذي مات من التعذيب بقسم المطرية مع اثنين من المعتقلين، وكذلك تلفيق التهم والغياب شبه الكامل للعدالة وأحكام الإعدام غير المسبوقة، وكذلك صدور أحكام لا تناسب الاتهامات الملفقة أصلًا.

11– التحريض الإعلامي ضد الفئات المعارضة:

السيسي وجه إعلام الدولة مع الإعلام الخاص نحو الصوت الواحد ليهاجم كل معارضيه! بدأ الإعلام بشيطنة الإخوان المسلمين والتحريض عليهم، ثم تناول نشطاء 6 أبريل وغيرهم من الأشخاص والحركات التي رفعت صوتها بمعارضة ممارسات النظام، فشوهت الرموز بأساليب تخرج عن القانون والدستور، حينما لجأ بعض الإعلاميين بإذاعة مكالمات تليفونية خاصة بين الأفراد على مسامع ملايين المصريين في خرق واضح لخصوصية الأفراد الذي تمنعه الدساتير والقوانين السماوية والوضعية ويسيئ إلى مواطنين محترمين بين ذويهم، بل ويحرض المجتمع عليهم لكي يقتص منهم خارج إطار القانون ودون أن يتيح لهم حتى حق الرد!

12- الحرب الأهلية

حين صرح السيسي تعليقًا على الهجوم الأخير على مناطق عسكرية حساسة في شمال سيناء (29-1-2015)، وسقط فيها العشرات بين قتيل وجريح: (أنا لن أمنع المصريين من الانتقام من الإرهابيين). كما ورد في الشروق المصرية! فإنه يعطي بذلك لأنصاره تفويضًا بقتل المعارضين له (خاصة الإخوان منهم) بعد أن رسخ هو وإعلامه لديهم أن الإخوان وراء كل العمليات التي تجري في سيناء، رغم أن الجهة التي قامت بهذا الهجوم أعلنت عن نفسها (بيت المقدس أو ولاية سيناء).

ورغم أن السيسي نفسه يعرف أنه يقتل الإخوان في المظاهرات دون رد يذكر – بينما المنظمات التي تقاتل الجيش في سيناء على تدريب وتسليح وجاهزية عالية جدًا (كما اعترف السيسي نفسه بعد قتل 31 من الجيش في كرم القواديس في أكتوبر الماضي)! لكنه يصر على إلصاق الإرهاب بالإخوان من اللحظة الأولى للانقلاب.

وأعلنها رسميًّا كجماعة إرهابية من خلال مجلس الوزراء برئاسة الببلاوي عقب تفجير مديرية أمن الدقهلية، رغم إعلان بيت المقدس مسئوليتها عن الحادث.

دعوة السيسي لمؤيديه بقتل معارضيه هي الأحدث في خطوات استراتيجيته لتقويض الأمن القومي المصري, دعوة لا لبس فيها للحرب الأهلية بمباركة السيسي وحمايته، رغم أنه زعم أنه قام بالانقلاب من أجل حماية مصر من الحرب الأهلية! كما يعتبر تصريحه عاكسًا لعدم الأهلية لمنصبه، بل ربما يتناسب أكثر مع رئيس عصابة! فكيف لرئيس دولة يقسم على احترام الدستور والقانون أن يدعو مواطنيه لقتل بعضهم، ليدوس القانون والدستور حين يقتلون معارضيه السياسيين ويحرقون ممتلكاتهم.

بينما دوره الطبيعى أن يحافظ على حياة كل المصريين وممتلكاتهم، وتشجيعهم على اللجوء للعدالة حتى لا تنتشر الفوضى في ربوع البلاد، وإلا ستتحول مصر لدوله فاشلة! وقد بدأت الاستجابة لهذه الدعوة بشكل واضح يوم 26-2-2015، حين قامت قوات من البلطجية تحت رعاية الشرطة بحرق منازل وممتلكات بقرية الخياطة بدمياط (ممتلكات لأكثر من30 مواطنًا من معارضي الانقلاب) وكذلك مدينة أجا بالدقهلية وقرية الميمون ببني سويف.

البعد الثاني: مستوى المعيشة والعدالة الاجتماعية

1- عدم مراعاة العدالة الاجتماعية:

ففي الوقت الذي يضيق على الفقراء بإلغاء الدعم وتدخل البنك المركزي لهبوط قيمة الجنيه المصري أمام الدولار؛ مما يرفع الأسعار على ملايين الفقراء تجده كريمًا مع أغنى رجال في مصر حين يتنازل عن أكثر من 7 مليار جنيه قيمة ضرائب على ساويرس، وأعادت خزينة الدولة لرجل الأعمال 2.5 مليار جنيه كان قد دفعها في عهد مرسي، وكذلك رفع الدعم عن المشتقات البترولية والكهرباء كما وعد وزراؤه برفع أسعارها مرة أخرى منتصف العام الحالي (مما يخل بالبعدين الأول والثاني في تعريف الأمن القومي).

2- عدم وجود رؤية اقتصادية تنهض بالاقتصاد المصري:

حيث يرفع شعار الحرب على الإرهاب، ويصادر ممتلكات وأموال رجال الأعمال الذي يظن أنهم إخوان أو قريبين منهم، وفي ذات الوقت يستجدي المستثمرين أن يأتوا للاستثمار في مصر غير المستقرة بسبب قتل المتظاهرين في الشوارع، وغياب الأمن الجنائي ومصادرة الأموال بدون وجه قانوني! بينما مشروع قناة السويس الذي قام به دون دراسة كافية تحيط به الشكوك حول جدواه الاقتصادية! بينما البطالة تزيد بشكل لافت، وما زالت آلاف المصانع مغلقة (مما يتنافى مع البعدين الأول والثاني في تعريف الأمن القومي).

3- التفريط في حقوق مصر المائية:
إدارة ملف سد النهضة في عهد السيسي يشهد تراجعًا واضحًا ربما يؤدي لاكتمال السد، وتعطيش مصر نهائيًّا، بينما السيسي يتبادل الكلام العاطفي مع رئيس وزراء إثيوبيا الذي يشتري الوقت على حساب المصالح المصرية حتى اقترب من الانتهاء من بناء نصف السد، بعكس الموقف الحاسم الذي وقفه مرسي، بل ومبارك أيضًا الذين هددوا إثيوبيا بضربة عسكرية في حال تجاهل إثيوبيا للمصالح المصرية، لأن قضية مياه النيل بالنسبة لمصر هي قضية حياة أو حياة! لا يمكن التفريط فيها أو تأجيلها أو التهاون في متابعة الملف.

4- التنازل عن الحقوق في الغاز المصري شرق المتوسط

حين وقع السيسي بشكل نهائي على اتفاقيه ترسيم الحدود مع قبرص! يوم 8 نوفمبر 2014 فيما سمى بقمة الكالاماتا بين مصر وقبرص واليونان، تلك الاتفاقية التي سلبت حقوق مصر في مساحات شاسعة، مما يعرف بالمياه الاقتصادية المصرية الغنية بالثروات الطبيعية، وعلى رأسها الغاز لصالح قبرص وإسرائيل بقيمة تتراوح بين 100-300 مليار دولار رغم حاجة مصر الملحة للغاز والأموال.

5- الفساد وغياب الشفافية المالية

فبالرغم عن الإعلان عن مساعدات مالية خليجية تصل لـ21 مليار دولار، إلا أنه لم يظهر سوى أقل من نصف هذا المبلغ في ميزانية الدولة! وتأتي التسريبات الأخيرة لمكتب السيسي التي أذيعت في قناة مكملين في7-2-2015، لتؤكد غياب أي معايير واضحة للتصرف في تلك الأموال!

وفي تسريبات أخيرة تبين أن الدعم الخليجي لمصر وصل لـ39 مليار دولار مصيرها مجهول، ولم يخرج مسئول بعد التسريب ليشكك في الرقم أو يعلن للشعب عن مكان هذه المبالغ الضخمة في دولاب الدولة المصرية، كما يعتبر صندوق تحيا مصر نموذجًا آخر للفساد حين يتم التبرع بالمليارات لصندوق خاص تابعًا للسيسي بعيدًا عن ميزانية الدولة، وبعيدًا عن أجهزتها الرقابية.

البعد الثالث: القدرات العسكرية للدولة

1- تكثيف وجود الجيش في الشارع وانكشاف الحدود:

في عهد مرسي بدأ الجيش بالانسحاب من الشوارع، وأعلن السيسي للرئيس أن وجود الجيش في الشارع لمدة طويلة أثر على قدراته القتالية، وأنه تعرض لإهانات غير مقبولة، وأضاف أنه من الآن فصاعدًا لا علاقة للجيش بالسياسة، وسيتفرغ لمهمته الأساسية كجيش محترف (صدق وهو كذوب) حيث نزل الشارع منذ الانقلاب حتى الآن بصورة كثيفة أثرت على مستويين:
مستوى الشارع حين تورط الجيش في قتل المدنيين؛ مما تسبب في النقمة الشعبية عليه! وهذا خطر في حد ذاته حين يفقد جزءًا كبيرًا من الشعب الثقة في الجيش الذي كان يتصور أنه يحميه.

أما على مستوى ميادين القتال فإن تكرار حادث الفرافرة، حين قتل عدد أكبر من الجنود في ذات المكان، ثم حادث كرم القواديس في أكتوبر الماضي، حين تم قتل أكثر من 30 جنديًّا ليتم بعده بأيام قليلة تدمير قارب بحري شمال دمياط، وخطف الجنود من القارب، فيقوم الطيران بقصف 3 سفن صيد عشوائيًّا وقتل 15 من الصيادين، وتحطيم مراكبهم دون تفسير (حتى الآن لم يخرج بيان من الجيش يحدد موقف الجنود المفقودين) ثم الحادث الأخير في 29-1-2015 حين تم الهجوم على 9 أهداف عسكرية في شمال سيناء في وقت واحد (منها أكثر المناطق العسكرية حساسية وتحصينًا مثل مبنى المخابرات العسكرية والمخابرات العامة والكتيبة 101 فضلًا عن مديرية أمن شمال سيناء) حسب جريدة الشروق المصرية، ونتج عن الهجوم قتلى تراوح عددهم حسب روايات مختلفة بين 26- 74 منهم ضابط برتبة عميد كان قائدًا للكتيبة 101، فضلًا عن عدد أكبر من الجرحى.

بينما السيسي طلب عدم إعلان العدد حفاظًا على معنويات القوات المسلحة؛ مما يدل على أن العدد كبير بالفعل! وهذا كله ناتج عن انشغال الجيش بالسياسة، وملاحقة المتظاهرين، بينما يترك حدود الوطن في هذا الوضع المأساوي.

(ولو قارنا ذلك على تعريف الأمن القومي يتنافى مع حماية الوطن كما في البعد 3 من التعريف، وأيضًا مع البعد الأول الذي يتحدث عن التوازن).

2- التعامل الشرس مع المدنيين في سيناء (كأنه يسعى لفصلها):

رغم الحصار الإعلامي حول ما يفعله الجيش بأهالي سيناء منذ الانقلاب، فقد وردت صور تلفزيونية متواترة تؤكد تعامل الجيش بوحشية مع المدنيين في سيناء، ومعاملتهم كمجرمين، والقتل خارج القانون (ثم يتم الإعلان عنهم كتكفيريين كانوا يطلقون النار على الجيش)! أما بعد كرم القواديس فبدلًا من أن يتم التحقيق في الكارثة، واستخلاص العبر حتى لا تتكرر، فقد قرر السيسي إزالة مدينة رفح التاريخية بأكملها دون سابق إنذار، ودون دفع تعويض مناسب لخسارة المنازل والحقول، وتم تهجير الأهالي قسريًّا بحجة القضاء على الأنفاق بناءً على إدعاء سخيف بأن من نفذوا العملية قد أتوا من غزة (هكذا دون تحقيق)!

بينما تمت العملية الأخيرة (29-1-2015) بشكل أكثر شراسة وحرفية، ليثبت للجميع تهافت ادعاءات السيسي، وأنه ما قام بإزالة المدينة إلا خدمة لإسرائيل، وضغطًا على حماس، وخنقًا لقطاع غزة، وتفريطًا في الأمن القومي المصري الذي يتطلب زيادة الكثافة السكانية لسيناء، وليس تفريغها من السكان كما يفعل.

وكان لافتًا انتشار تسجيل فيديو له حين كان وزيرًا للدفاع يحذر من كل مايفعله هو الآن، ويؤكد لمستمعيه أن من يفعل ذلك في سيناء فهو يعمل على فصلها عن مصر، ولو بعد حين، كما حدث في جنوب السودان.

(إن تعريف الأمن القومي لم يضع في تعريفه هذه الفكرة المجنونة، وأن يحكم دولة ما شخص عاقل فيعمل على فصل جزء كبير من بلده بإرادته ليسلمه غنيمة خالصة لعدوه!). هذه نقطة في غاية الخطر على مستقبل مصر، خاصة أن سيناء هي حدود مصرية مع إسرائيل عدوها التاريخي، ولو حدث هذا الانفصال ستكون إسرائيل على الضفة الشرقية من قناة السويس، وما يمثله ذلك من خطر كارثي على وحدة كيان ووجود الدولة المصرية.

3- توثيق العلاقة مع إسرائيل، ومعاداة المقاومة الفلسطينية

ظهر ذلك في التنسيق مع إسرائيل وإغلاق معبر رفح أمام الجرحى الفلسطينيين أثناء حرب غزة الأخيرة، وما زال حتى الآن للتضييق على أهالي القطاع لحثهم على التمرد على حماس (أكبر فصيل مقاوم لإسرائيل)، والتخلص من فكرة المقاومة!

كما أصدرت محكمة مصرية للأمور المستعجلة حكمًا باعتبار حركة حماس (بشقيها العسكري والسياسي)حركة إرهابية (28-2-2015) بالإضافة للتشويه الإعلامي المستمر لحركة حماس، وصل لدرجة التحريض على قصفها بالطائرات المصرية! وفي المقابل فإن المسئولين الإسرائيليين يبدون سعادتهم بالتعاون غير المسبوق مع قيادة السيسي لصالح تحقيق المصالح الإسرائيلية!

وقد نشرت صحيفة جيرالزيم بوست الإسرائيلية 9-3 -2015Israeli politicians praise Sisi plan to give Palestinians land for a state in Sinai خبرًا حول عرض السيسي على نتانياهو التنازل عن أراضي من سيناء تساوي مساحتها 1600 كم مربع (5 أضعاف قطاع غزة) ومحاذية للقطاع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين بدلًا من عودتهم لأراضيهم التي استولت عليها إسرائيل.

التنسيق والتواطؤ مع العدو التاريخي لمصر والأمة العربية والإسلامية ضد مصالح مصر الاستراتيجية لأن المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس تمثل خط الممانعة الأخير أمام إسرائيل لابتلاع كل الحقوق العربية والإسلامية والمسيحية في فلسطين.

كما أنه من المعروف تاريخيًّا أن الأمن القومي المصري يبدأ شرقًا من الشام، وحينما تقلص أصبح غزة، فحين يستبدل السيسي العداء للعدو الحقيقي الغاصب، ويعادي المقاومة التي تدافع وحدها عما بقي من حقوق فلسطينية وعن المقدسات، وبشكل غير مباشر تعمل كحائط صد لحماية حدود مصر الشرقية، فهذه خيانة واضحة لأنها تعصف بمفهوم الأمن القومي المصري.

4- التورط في الصراع الليبي

التورط في الصراع مع الجارة الغربية لمصر بدلًا من التوسط بين الأطراف وحل الصراع بشكل سلمي من شأنه تعريض الحدود المصرية الممتدة للخطر (حوالي 1000كم)، وتحويل حوالي مليون عامل مصري في ليبيا إلى رهائن. وما حدث من قتل مؤخرًا لـ21 مصريًّا على خلفية طائفية (12-2-2015)، ثم شن الطيران المصري لغارات على مدينة درنة!

ما هو إلا بداية لما هو أسوأ لانتقام محتمل من العمال المصريين كلما ازدادت مؤشرات تورط السيسي في الحرب، وكلما زادت الخسائر البشرية، وما يحمله ذلك من مخاطر على الاقتصاد المصري وعلى سلامة العمال المصريين، وقد بدأ بالفعل مسلسل العنف ضد بعض المصريين في ليبيا، وبدأ عشرات الآلاف منهم للعودة للبطالة في مصر بعد أن فقدوا أعمالهم، وقد سيطرت على السيسي شهوة الانقلاب على الثورة الليبية دون تفكير في المآلات لحياة مئات آلاف المصريين الذين يعولون مئات آلاف الأسر الفقيرة، دون تدبير أي بدائل عملية لتعويض هؤلاء العمال أو إعاشة أسرهم (الأمن القومي 2و3).

ويبقى السؤال: هل السيسي يقوض الأمن المصري متعمدًا لخدمة أعداء الأمة المصرية؟ أم أنه يفعل ذلك ارتباكًا لحماية نفسه من ثورة تطيح به وتحاسبه على جرائمه في حق الشعب المصري؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد