الخميس الأول من كل شهر خلال الستينيات والسبعينيات حدث كان ينتظره كل الوطن العربي؛ إنه حفل كوكب الشرق أم كلثوم. يستعد الجمهور للحفل ويبدأ عنه الحديث، ينصب الاهتمام على الأغاني التي ستشدو بها أم كلثوم وألحانها ومكان الحفل وماذا سترتدي، وينتظر الجميع أن يطرب لساعات ويحيا مع الأمل والذكريات؛ لكن عندما تعاد حفلات أم كلثوم الآن وتتابعها فستجد أن أكثر ما يلفت انتباهك في الحفل هو هذا الجمهور الذي يحضر الحفل وهو جمهور يمثل كل قطاعات المجتمع المصري آنذاك، فلم يكن جمهور أم كلثوم شريحة معينة ولم يكن حضور حفلها قاصرًا على الطبقات العليا فقط والجمهور في تلك الحفلات – لحسن الحظ – يظهر أكثر مما تظهر هي، فقد كانت لا تحب تسليط آلات التصوير عليها لذا كان المخرج يلجأ للتركيز بشكل كبير على الجمهور.

جمهور يمثل الرقي والتحضر، سيدات يرتدين معاطفهن الجميلة ورجال بالبذلات الأنيقة حتى بائع المرطبات للجمهور تراه هو الآخر ببذلته، جمهور لا يحدث جلبة ولا ضوضاء، لا يزيد في أمره عن التصفيق وتحية المطربة بعبارات بسيطة يريد الإعادة فيطلبها بهدوء وتلبي المطربة طلبه في تفاعل وتناغم مع جمهورها، لن تجد منظرًا مسيئًا الجميع يجلسون وهم يعبرون عن مجتمعهم عن رقيهم وعاداتهم وسلوكهم، وهو سلوك ينسحب على المجتمع ككل الذي يمكن اعتبار ذلك الجمهور عينة عشوائية تجريبية عليه.

وقد اختفى هذا الجمهور مع أشياء أخرى جميلة اختفت من حياتنا، وستلحظ اختفاءه ببساطة حين تقارن تلك الحفلات بحفلات من تلك التي تقام الآن؛ صورة تختلف من النقيض إلى النقيض .

فكيف اختفى هذا الجمهور؟

بالطبع سنجد أن السبب الأول لاختفاء هذا الجمهور هو الفن المقدم نفسه؛ فالفن إما أن يرتقي بالجمهور أو أن يهبط لمستوى الجمهور وحينها سيستمر الهبوط، وبالطبع فجمهور «أغدًا ألقاك» يختلف عن جمهور «السح الدح إمبو».

ولعل من أهم أسباب اختفاء هذا الجمهور بقيمه ما يمكن أن نسميه بقيم الانفتاح، تلك القيم التي أدت لغياب المعايير وانهيار الطبقة الوسطى التي تعد صمام الأمان لكل مجتمع، كما أدت لتوحش المنافقين وراكبي الموجات الباحثين عن الثراء فقط وبأي ثمن وباستخدام أي شيء ومن ضمنها الفن، وهو ما أدى لظهور ما عُرف بأفلام المقاولات التي أصلت للفن الهابط في المجتمع المصري.

ومن ضمن أسباب اختفاء هذا الجمهور أيضًا زيادة نسبة البطالة والفقر، فالفقير بطبيعة الحال قبل أن يبحث عن الفن الراقي سيبحث عن قوت يومه وسيرضى بأي شيء يُقَدم له وخاصة إن كان يسري عنه ويقلل من همومه .

من المؤكد أن هناك أسبابًا أخرى كثيرة تلك أهمها من وجهة نظرنا، وبالطبع فالحديث عن اختفاء الجمهور هو حديث عن المجتمع ككل لأنه كما أسلفنا كان هذا الجمهور معبرًا عن كل قطاعات الشعب المصري ولم يكن داخل المسرح فقط هكذا بل كانت تلك طباعه داخل المسرح وخارجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد