يرى الباحث والأستاذ «زولتان باراني» – أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس الأمريكية– أن الثورات مهما كانت مسمياتها (انتفاضة، تظاهرة، احتجاج، حراك) بحاجة ملحة إلى المؤسسة العسكرية في تلك الدولة، كما يرى أن وجود الجيش النظامي ومساندته لتلك الثورة من أهم المرتكزات التي تحدد نجاحها من عدمه، وأنه قلما نجحت ثورة وقفت ضدها المؤسسة العسكرية، وعليه فإن وقوف الجيش الوطني الجزائري إلى صف الحراك ضد جناح مؤسسة الرئاسة وأنصار العهدة الخامسة للرئيس المنتهية ولايته، لا يعد عرضًا طارئًا، بل إنه مكسب كبير للحراك، وسند في إسقاط نظام الحكم المتسلط على أعناق المجتمع الجزائري؛ فالنظام في حالة تفكك لم يستطع جر الجيش إلى مستنقع قمع الحراك والوقوف ضده، حماية للنظام الديكتاتوري المبني على الفساد والولاء والخيانة والعمالة للخارج.

من ناحية أخرى أثبت «زولتان» أن ردة فعل الجيش تجاه الثورات مختصرة في ثلاث حالات لا رابع لها، وهي كالتالي:

– البقاء على الحياد وعدم التدخل.

– الانضمام إلى الثورة وعزل الرئيس.

– قمع الثورات وتقسيم الجيش بين طرفي الصراع.

والأمثلة التي بين أيدينا تجعلنا نرى الأمر الواقع، وهذا بالحديث عن ثورات الربيع العربي، التي ضربت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، أو بالأحرى الحالات التي درسها «زولتان» وأثبتها في واقع العالم العربي، أو ما يسمى بـ«ثورات الربيع العربي».

وقوف الجيوش مع ثورة شعوبها

فعلى سبيل المثال تطرق «زولتان» إلى حالة الجيش التونسي، والذي أخذ قرار الانحياز للشارع التونسي، وضرب النظام في الصفر، حيث وقف الجيش هنا وقفة شجاعة مع شعبه ضد النظام الحاكم، فلو ندرس الجيش التونسي في هذه المرحلة سنصل إلى نتائج: وهي أن طيلة فترة حكم الرئيس زين العابدين بن على انتهج سياسة تهميش الجيش، وفي المقابل تبنى سياسة تقريب جهاز الداخلية والأمن المركزي منه، عن طريق البذخ في شراء الولاء والذمم، وهذا الأمر حدد موقف الجيش التونسي من انتفاضة شعبه، فلقد لجأ الرئيس إلى تكتيك قمع الشارع لكن ردة فعل الجيش كانت ضد إرادة الرئيس ونظامه الحاكم، وهو الانحياز للشعب وفر زين العابدين من الحكم.

أما في حالة التجربة المصرية؛ فقد كانت تجربة المؤسسة العسكرية تشبه إلى حد ما التجربة التونسية، ومع تبني الرئيس حسني مبارك سياسة زين العابدين بن على نفسها في تهميش الجيش وعدم إشراكه في اتخاذ القرارات، وفي المقابل شرع يهتم بوزارة الداخلية وأجهزة الأمن المركزي والشرطة، ومع انفجار الشارع المصري ضد نظام الحكم وعلى النظام الاقتصادي الذي تسيطر عليه عائلة مبارك، كان على الجيش المصري الإحجام عن إنقاذ الرئيس ونظامه، واتخاذ قرار حماية الثورة.

دول انقسم فيها الجيش حول دعم الثورة

حدث هذا في كل من ليبيا واليمن، في كلا الدولتين انقسم الجيش تجاه النظام؛ فأفراد القوات الخاصة والمليشيات والوحدات العسكرية المرتبطة بالقبيلة والعائلة الحاكمة دعموا استمرار النظام بأي ثمن، في حين قررت بقية الوحدات إما الانقلاب ضد النظام الحاكم وإما الانشقاق عن الجيش، مشكلة في كل قبيلة دولة.

دول انحاز فيها الجيش للنظام

في حالة البحرين وسوريا، كلا الدولتين اتفقت فيهما المؤسسة العسكرية والجيش، وبالأساس الجنرالات والضباط، على دعم النظام القائم في الحكم ومساندة قياداته المدنية، إذ استخدم الجيش البحريني تكتيك القمع وقوة الردع ضد المتظاهرين البحرينيين، فنتج ما يعرف بدعم الضباط البحرينيين للنظام الملكي القائم.

أما في الحالة السورية، وقف الجيش النظامي خلف ديكتاتور حزب البعث بشار الأسد، وكان رد فعل النظام السوري هو نفسه رد فعل الجيش السوري العلوي، كان ردًّا قمعيًّا ووحشيًّا، سواء للمتظاهرين أو للمعارضة السورية، فالجيش هنا يقر بشرعية حكم الأسد وفق نظرية رئيسنا إلى الأبد.

الجيش الجزائري والحراك

أما في حالة دور المؤسسة العسكرية الجزائرية في الحراك، فسنحاول الإجابة عن سؤالنا الجوهري:

وهو كيف استجاب الجيش الجزائري للحراك؟ ولماذا؟

هذا ما سنتطرق إليه في مقالنا المقبل إن شاء الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد