منذ انتقال النظام الاجتماعي البشري من الحالة الطبيعية البدائية المفتقرة لمنظومة حكم ذات سلطة على كافة عناصر المجتمع إلى حالة تفويض القوة لنظام حكم وفق اتفاق اجتماعي، اكتسبت دراسة السياسة أهمية كبيرة؛ كون مكتسباتها الفكرية تعتبر أساسًا لفهم الإنسان لما يحدث من حوله، باعتبار أن سياسات منظومة الحكم تعتبر ذات تأثير مباشر على جميع جوانب حياة الفرد الخاضع لها.

ويصف ليفتويش (2004) دراسة السياسة بأنها تهتم بدراسة ”مصادر وأشكال وتوزيع واستعمال وإدارة وتحليل القوة السياسية وكذلك النتائج المترتبة عنها داخل النظم السياسية”، بينما يعرف ماكس ويبر (1945) القوة في سياق السياسة بأنها “احتمالية تمكن طرف في علاقة اجتماعية من تنفيذ إرادته رغمًا عن المقاومة الموجودة لتلك الإرادة، بغض النظر عن القواعد التي ترتكز عليها هذه الاحتمالية”، وقد يصف البعض التعريف الأخير بأنه مرادف لتعريف ممارسة السلطة، إلا أن السلطة بذاتها تعتمد بشكل أساسي على منظور عناصر المجتمع فيما يخص أحقيتها وشرعيتها. ومن هنا تبرز أهمية الموضوع الذي سيناقشه هذا المقال، وهو مدى مركزية مبدأ الحق في دراسة السياسة، وتحليل الأحداث السياسية المحيطة بنا.

يدرس علم السياسة بشكل أساسي الدولة بجميع أشكالها وتجلياتها ووظائفها. ويُعرِفُ قاموس أوكسفورد الدولة في حد ذاتها بأنها مجتمع منظم سياسيًا يعيش تحت نظام حكم واحد. بالتالي فالوضع السياسي لدولة على غير التعيين مرتبط بشكل أساسي بطبيعة العلاقة بين منظومة حكمها كطرف أول ومواطنيها كطرف ثاني. وقد استفاض جين-جاك روسو (1762) في وصف هذه العلاقة المجتمعية، حيث أطلق عليها اسم “العقد الاجتماعي”، ووصفها بأنها قبول الأفراد (أما علانية أو ضمنيًا) بالتنازل عن بعض حرياتهم والانصياع لسلطة نظام الحكم أو الحاكم (أو رأي الأغلبية) مقابل حماية ما تبقى لهم من حقوق. وبناءً عليه فإن مدى رضى الأفراد (المواطنين) عن معادلة التنازل هذه ونوعية الحقوق المحمية مقابل نوعية الحقوق المتنازل عنها وفقًا لنفس المعادلة يعتبر عاملًا أساسيًا في رسم المشهد السياسي والتوجهات السياسية داخل منظومتهم المجتمعية. وبالتالي فإن معرفة هذه المعطيات تعتبر دلائل أساسية تقود (برفقة معلومات أخرى) إلى التنبؤ الصائب بما قد تؤول إليه الأحداث داخل تلك المنظومة الاجتماعية.

وتعرف موسوعة ستانفورد للفلسفة الحقوق بأنها استحقاقات أو حريات للقيام (أو عدم القيام) بأفعال معينة، أو الكينونة (أو عدم الكينونة) في أوضاع معينة. وكذلك استحقاقات لقيام الآخرين (أو عدم قيامهم) بأفعال معينة أو كينونتهم (أو عدم كينونتهم) في أوضاع معينة، على سبيل المثال استحقاق الأفراد، أو حريتهم للقيام (أو عدم القيام) بإنجاب أي عدد يريدونه من الأطفال، أو عدم كينونتهم في حالة اعتقال تعسفي. أو استحقاق الأفراد لعدم قيام الآخرين بالتعدي على ملكيتهم، وعدم كون الآخرين خطرًا على حياتهم. بالعودة إلى نظام هوهفيلد التحليلي، تنقسم أشكال الحقوق إلى أربعة أشكال تسمى كذلك بـ”أحداث هوهفيلد” أو “الأحداث الهوهفيلدية”. لنفترض أن A وB يمثلان كيانين معرفين، بينما يمثل φ فعلًا معرفًا. تكون أشكال الحقوق كالتالي:

1. الامتيازات (أو الحريات)

يمتلك A امتيازًا أو حرية ليقوم ب φ إذا وحصرًا إذا لم يكن A ملزمًا بأي واجب يمنعه من أداء φ. على سبيل المثال، تمتلك أنت الحق في الذهاب إلى الشاطئ إذا وحصرًا إذا لم تكن ملزمًا بأي واجب يمنعك من الذهاب إلى الشاطئ.

2. المطالبات

يمتلك A مطلبًا بأن يقوم B بالفعل φ إذا وحصرًا إذا كان على B واجب القيام بـ φ لصالح A. على سبيل المثال، تمتلك أنت مطلبًا بأن يقوم رئيسك في العمل بمنحك عطلة لمدة شهر كل عام إذا وحصرًا إذا كان على رئيسك في العمل واجب منحك تلك العطلة.

3. القوة

يمتلك A القوة إذا وحصرًا إذا كان لـ A القدرة على تغيير الأحداث الهوهفيليدية الصادرة عنه أو عن الآخرين. على سبيل المثال، تمتلك الدولة القوة إذا وحصرًا إذا كان للدولة القدرة على تغيير منتجات الأحداث الهوهفيلدية كالمطالب أو درجة الحريات أو معادلة القوة أو حصانة المواطنين.

4. الحصانة

يمتلك B الحصانة إذا وحصرًا إذا افتقر A للقدرة على التأثير على الأحداث الهوهفيلدية للطرف B. على سبيل المثال، يمتلك عضو البرلمان الحصانة القانونية إذا وحصرًا إذا افتقرت النيابة العامة للقدرة على التأثير على حريته أو قوته أو مطالبه أو حصانته.

بناءً على أن الأحداث الهوهفيلدية تتم إدارتها من طرف الدولة بشكل عام في إطار السياسة. وبناءً كذلك على أن الدولة تعتبر هيكلة متعددة المستويات، بحيث يمتلك كل مستوى لوائح وقوانين تحدد مدى حريته وحقوقه في تنفيذه لوظائفه (على سبيل المثال يمتلك الجهاز التشريعي حقوق وحريات معينة في التشريع يحيلها إلى القضاء الذي يمتلك حقوق وحريات معينة في المقاضاة يحيلها بدوره إلى الجهاز التنفيذي الذي يمتلك حقوق وحريات معينة في القيام بعمله يطبقها على المواطن مما يحدد حرياته وحقوقه) فيمكننا النظر إلى الدولة على أنها هيكلة متعددة المستويات من الحقوق التي تقوم بفرض وتوزيع السلطة على القواعد المنظمة لعمل مستوياتها (مَوْضَعَة القوة داخل النظام السياسي الذي يدير المجتمع) بطريقة متميزة عن غيرها.

ومنه فإن فهم آليات توزيع القوة عبر توزيع الحقوق والحريات في نظام سياسي محدد وفهم رؤية عناصر المجتمع فيما يخص أحقية هذا التوزيع وشرعية منظومة الحكم كموزع (كون هذا التوزيع يمس بشكل مباشر حياتهم بجميع جوانبها) وكذلك مدى قابليتهم للعودة للحالة الطبيعية البدائية المتأتية بفسخ العقد المجتمعي (والذي يتجلى في شكل انعدام لاحترام السلطة واستعادة المجتمع أو جزء منه للقوة المفوضة للسلطة عبر الثورة أو التمرد على سبيل المثال لا الحصر) يعد أساسيًا في الشرح السياسي للأسباب الجذرية لوضع سياسي في سياق نظام سياسي معين، وكذلك شرح معطياته الحالية، وما قد ينتج عنه أو يؤول إليه الموقف في المستقبل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وبتطبيق التالي على الطرفين، فإن فهم آلية توزيع القوة من طرف هيكلة الدولة العراقية وحكومة إقليم كردستان فيما يخص إقليم كردستان في الوقت الراهن وفهم رؤية سكان العراق (بجغرافيتها الحالية) فيما يخص أحقية الدولة العراقية في توزيع الحقوق أي توزيع القوى في المجالات المختلفة (كالاقتصاد بالنسبة للأكراد كونه يمس بشكل مباشر حياتهم وكون تصدير البترول من الإقليم على سبيل المثال محكوم باتفاقيات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية) وشرعية منظومة الحكم كموزع للقوة (يرى الأكراد بشكل عام أن الحكومة المركزية ليست الجهة المخولة للقيام بأي توزيع للقوة في أي مجال في نطاق المنظومة السياسية الكردية كونهم يعتبرون أنفسهم شعبًا مغايرًا للشعب العراقي) وكذلك مدى قابلية الطرفين أو أحدهما للعودة للحالة الطبيعية البدائية المتمثلة بخرق أو فسخ العقد المجتمعي لسحب تفويض القوة من الدولة العراقية واسترجاعه لصالح حكومة الإقليم أو الحفاظ على تفويض القوة للدولة العراقية (أي قابلية الشعب الكردي استخدام قوات البيشمركة وحزب العمال الكردستاني لمواجهة الدولة العراقية ابتغاءً لتنفيذ مطالبهم بفسخ العقد الاجتماعي معها أو قابلية الدولة العراقية لفرض إبقاء تفويض القوة باستخدام الخيار العسكري) مع أخذ مستويات التحليل السياسي وتحليل الجانب الأمني بعين الاعتبار، قد يقودنا إلى تحليل أكثر منطقية للبعد الداخلي للأزمة الكردية العراقية الحالية، لا بل قد يساعدنا على توقع تقريبي لما قد تؤول إليه الأمور في المستقبل القريب.

يتفق معظم المحللين والمنظرين السياسيين على فكرة أن فهم توزيع القوة السياسية ومصادرها وأشكالها داخل أية منظومة سياسية هو نقطة التركيز الأساسية في التحليل السياسي، إلا أن ما يفرقهم فيما يخص نظرياتهم وتحليلاتهم هو طريقة فهمهم لمبدأ الحق والأحقية وبالتالي مبدأ الشرعية، أو بمعنى آخر إجاباتهم على السؤال التالي: من يجب أن يكون الطرف A أو الطرف B؟ ومدى شرعية الفعل φ في معادلة وضع سياسي معين. ومن هنا فإن مبدأ الحق وفهمه يعتبر عنصرًا أساسيًا في دراسة السياسة، في تحديدنا لتوجهاتنا السياسية وفي فهم دوافع توجهات غيرنا السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست