تمثل قضية النضال من أجل قيام دولة حرة في منطقة الشرق الأوسط وخاصة على أرض مصر واحدة من أعقد القضايا لدى المهتمين بعملية التحول الديمقراطي ذلك لأسباب عديدة، استطاع النظام المصري فيما بعد انقلاب يوليو 52 في إفقاد مصر ومعها منطقة الشرق الأوسط من دوره التاريخي أو حتى المشاركة في صناعة مستقبل العالم بعد الحرب العالمية الثانية والذي لازلنا نعيش في عصره، لا زال ذلك النظام العالمي لديه القدرة على الاستجابة للمستجدات والتغيرات الكبيرة بمهارة عالية والمتوقع أنه سيظل مستمرًا حتى المستقبل القريب.

استطاعت الحركة الوطنية المصرية والتي بدأت مع حركة الترجمة في عهد محمد علي أن تقاوم وتعمل على تأسيس دولة وطنية حرة، لذا ربطت الحركة الوطنية المصرية بين قضية الاستقلال الوطني وقضية الديمقراطية ويرجع الفضل في ذلك للبعثات الأجنبية والتي شكلت الرافد الرئيسي لمقاومة الاستعمار الأجنبي والعمل على تأسيس نظام حر يقود البلاد بعد جلاء المستعمر لكن انتكست هذه الحركة بصعود ضباط يوليو للحكم، فكان الاستقلال منقوصًا وتم تغييب إقامة نظام حر حتى هزيمة يونيو 67 والتي بالرغم من ضخامتها إلا أن النظام المصري في ذلك الوقت استطاع استيعابها ولكنه أدرك أنه لا سبيل للاستمرار إلا بفتح مساحة للمصريين للتعبير عن أنفسهم، فكان الشكل الديمقراطي مشوهًا والهدف منه بقاء النظام نفسه وليس السعي الجاد لتأسيس نظام يسمح للمصريين للعمل السياسي الحر.

يستعرض المقال أبرز محطات النضال الديمقراطي التي خاضها المصريون ضد نظام يوليو كوسيلة للتذكير وكنواة للعمل التراكمي الذي من الممكن أن يكون تأسيسًا لمرحلة جديدة يعي المصريون فيها أنه لا سبيل أمامهم إلا الوصول لأرضية مشتركة تكون نقطة انطلاق لإقامة نظام ديمقراطي حر، أهم هذه المحطات:

  • بدأ نظام يوليو فتح المجال بتأسيس ما يعرف بالمنابر في عهد الرئيس السادات كخطوة لتفكيك الاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الوحيد في البلاد وقتها، فقد كان امتدادًا لكيان واحد بمسميات عديدة بعد تأميم المجال بعد أزمة مارس (آذار) 54 وغياب العمل السياسي عن مصر، جاءت انتخابات برلمان 76 والتي لا يمكننا أن نصفها بانتخابات حرة ونزيهة لأسباب ليس هذا مجالها لكن استطاعت المعارضة أن تحصد 69 مقعدًا في ذلك البرلمان وبالرغم من سيطرة الأغلبية الموالية للرئيس السادات آنذاك إلا أنه حل البرلمان عام 79 لعدم قدرة تحمل السادات تلك النسبة من المعارضين، أجريت انتخابات جديدة 79 فكانت للمعارضة 33 مقعدًا والمستقلين 10 مقابل 330 مقعدًا للحزب الذي يقوده الرئيس.

بالرغم من السيطرة شبه الكاملة على المجال العام إلا أن السادات واجه العديد من المتاعب وعارضته تقريبًا كل تيارات المعارضة، أبرزهم محطة انتفاضة الخبز 77 التي بدأت إرهاصاتها منذ 75 نتيجة تغيير الدولة توجهاتها ناحية اقتصاد السوق والتخلي عن دورها الذي كان المواطنون قد اعتادوا عليه من التكفل بكل مناحي الحياة انتهت بتراجع السادات عن قرارته، برز في ذلك الوقت نجم حزب التجمع بقيادة خالد محيي الدين ومعه تلميذه رفعت السعيد الذي تولى رئاسة الحزب بعدها وتم سجن الأخير وتم عقاب الحزب بحرمانه من التمثيل النيابي في برلمان 79 نظرًا لدوره المحوري في انتفاضة الخبز.

لم ينته عهد السادات إلا بمزيد من الدراما حيث عاد حزب الوفد على يد زعيمه الثالث فؤاد سراج الدين والذي كان زالزالًا سياسيًا في وقتها لم يستطع السادات نفسه أن يخفي حقده وبغضه من مؤسسه، فاستخدم السادات كافة الوسائل الممكنة لمنعه من التضييق القانوني ولم يستطع الحزب أن يعمل كباقي الأحزاب إلا بعد وفاة السادات نفسه.

كانت اتفاقية كامب ديفيد أثرًا كبيرًا على تحول المعارضة من العمل منفردًا وإلقاء اللوم التاريخي على بعضها البعض إلى العمل المشترك، اعتقل السادات كل قيادات المعارضة جميعًا ولم يفرق بين الذين كانوا يعملون معه أو صنيعته أو الذين كانوا يعارضونه طوال الوقت أو شركائه الذين انقلب عليهم في مايو 71.

  • جاء مبارك بتركة ثقيلة لا تقل عن تركة هزيمة 67 نظام سياسي هش ودولة مثقلة بالديون وعلاقات مقطوعة مع محيطها العربي والأفريقي والإسلامي، أجريت أول انتخابات تشريعية في عهد الرئيس الأسبق مبارك في 84 كانت للمعارضة نصيب من المقاعد كانت نقطة ارتكاز للعمل الجماهيري لكن تم حل البرلمان لأسباب دستورية وتبعه برلمان 87 لأسباب دستورية أيضًا.

تعتبر هذه الفترة هي الأكثر استقرارًا في عهد مبارك فلم يواجه أزمات كبرى مكنته أن يحقق عددًا من المكاسب السياسية استطاع من خلالها أن يصمد ويبني رصيدًا اقتات عليه حتى رحيله من الحكم، كان لحرب الخليج الأولى واستكمال اتفاقية السلام مع إسرائيل أثرًا بارزًا في استقرار الحكم.

انتهت هذه المرحلة من حكم مبارك بجمود سياسي فيما عرف بالاستقرار منذ 90 مع مقاطعة الأحزاب لها ثم دعوة النقابات المهنية مبارك لإنهاء حالة الطوارئ والبدء في عملية تحول ديمقراطي جاد فكانت المواجهة:

بدأت أزمة النقابات المهنية بوضع قانون كان الهدف منه هو فرض الحراسة عليها فبموجبه تم فرض الحراسة على أكثر من 10 نقابات أهمها المحامين والمهندسين، خاض النقابيون المصريون معركة مشرفة على مدار سنوات ضد مبارك على جميع المستويات القانونية والقضائية والتنظيمية، وبرز في ذلك الوقت د.محمد السيد سعيد الكاتب الصحفي المخضرم والمحامي الكبير أحمد الخواجة نقيب المحامين وغيرهم من الأسماء البارزة، يعود ذلك النجاح للخلفيات السياسية لتلك الأسماء في هذه الأزمة والتي استمرت لسنوات، كانت لجريدة الوفد الأسبوعية في ذلك الوقت دورًا مهمًا في حشد الرأي العام حتى استبداد مبارك وتأميم العمل النقابي، فقد كان لكل الأحزاب رؤية بأن النقابات واحدة من أهم ساحات المواجهة مع النظام وكورقة ضغط يمكن استخدامها.

للأسف لم تكن هذه الانتصارات بالرغم من أهميتها نصيب يذكر في ظل قضايا كبرى مركزية غطت على أهميتها، فكان لاستكمال اتفاقية السلام مع إسرائيل ثم حرب الخليج وتحرير الكويت بالغ الأثر على عدم استكمال ذلك المسار وكان العامل القاتل لها مواجهة الإرهاب وترويج النظام لفكرة مواجهة سيطرة جماعة الإخوان على النقابات.

  • بمقاطعة الأحزاب الرئيسية للانتخابات برلمان 90 (عدا حزب التجمع فاز بخمسة مقاعد) كانت للمقاطعة نتائج وخيمة حيث انفصلت عن الشارع وفقدت قواعدها الجماهيرية، كما استطاع النظام فرض عدد من القوانين كان لها أثر بالغ على الحياة السياسية المصرية ثم انشغلت الأحزاب بنفسها نتيجة التدخلات الأمنية متعددة الأوجه لتفكيكها أو فرض السيطرة عليها، استخدمت في سبيل ذلك العديد من الصور والممارسات.
  • جاء برلمان 95 بعودة الحزبين الرئيسيين للعمل الجماهيري ففاز الوفد بـ6 مقاعد والتجمع 5 مقاعد بينما الإخوان فازوا بمقعد واحد، ثم انتخابات برلمان 2000 فاز الوفد 7 مقاعد والتجمع 6 مقاعد بينما الاخوان 17 مقعدًا في مفاجأة قوية لم تستطع الأحزاب القديمة تبريرها.

تعتبر هذه المرحلة هي الثانية من عهد مبارك، ازدادت عمليات القمع بصورها المتعددة من سيطرة على النقابات وتفخيخ الأحزاب واعتقال رموز التيار الإسلامي وقمع للصحافة والصحفيين وتشويه سمعة المعارضين والشروع في قتل أو قتل الكتاب والمفكرين أبرزهم د. نصر أبو زيد وفرج فودة والتضييق على الأرزاق، انتهت هذه المرحلة مع أزمة حزب العمل بقيادة إبراهيم شكري الذي تغيرت وجهته من حزب يساري إلى حزب إسلامي على إثر قضية التطبيع والمبيدات المسرطنة حيث دخل في دوامة التفتيت والانقسام استخدم نظام مبارك أجهزة الأمن والقضاء، ازدادت أزمات نظام مبارك بغياب أي إنجاز على المستوى الدولي أو المحلي ففشلت عملية السلام في الشرق الأوسط وفشل جهود التنمية وتحويل اقتصاد البلاد إلى اقتصاديات السوق الحر بسبب الفساد والقوانين الاشتراكية، كانت قيام حرب تحرير الكويت وبروز التيارات المتطرفة طوق النجاة وسبب استمراره في هذه المرحلة.

كان نتيجة هذا القمع وسد جميع قنوات العمل السياسي أبرز العوامل التي مكنت من قيام التنظيمات الإرهابية المتعددة ليست في مصر فقط بل في العالم الإسلامي، بداية من طالبان مرورًا بتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات التي سيطرت على الإعلام المحلي والدولي لعدة سنوات والتي استغلها نظام مبارك بأبشع الصور للاستمرار في حكمه، متناسيًا أن أبرز القيادات وأهم من رموز التفكير لتلك التنظيمات الإرهابية هم مصريون هربوا من ويلات التعذيب أو نتيجة الإحباط العام من القدرة على التغيير.

يستكمل في الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات